انبرى مجلس الأمن مؤخرا وأصدر قرارا لمحاصرة شوربة طماطم, تسببت فيما يبدو في إشعال حريق في معدة صائم لم ينتظر حتى تبرد, فهي نزلت إليها كنار حامية مروراً بالفم واللسان والمريء, ومن شدة سخونتها وما أحدثته من آثار أقلقت حلف الأطلسي بكامله, الذي تحرك فضغط على مجلس الأمن, فكان ما كان من أمر الحصار . والحصار طبعاً هذه الأيام عمل من لا عمل له, أي عمل مجلس الأمن الدولي, فهو يحاصر العراق وليبيا وغيرهما, غير أننا لم نتصور يوماً ان يحاصر شوربة طماطم, كل ما أقدمت عليه هو أنها احرقت معدة أحدهم لم ينتظرها تبرد, فيما كان يمكن لمجلس الأمن ان يحاصر غير الطماطم لاسباب وجيهة, كبقر بريطانيا مثلاً الذي يهددنا بالجنون, أو دجاج بلجيكا الملوث بمبيدات قاتلة, أو يحاصر بوريس يلتسين لكي يمنعه من حرق الشيشان بمن فيها. وأعود إلى الطماطم, فهذه من الواضح إنها تسببت في حريق مدمر في معدة أحدهم, ربما كان صائماً في أول أيام رمضان, فاستعجل الإفطار بدءاً من الشوربة, ما جعل العقيد علي السيد, الذي يتحفنا بين حين وآخر بقفشات شعرية, يتفاعل مع الموقف, حتى أنه فاض شعراً في شوربة الطماطم, تمنيته لو كان شعراً في أطفال العراق وقصتهم مع مجلس الأمن الامريكي, عفواً الدولي, فنطالب العقيد بقصيدة مماثلة. وذكرتني قصيدة الطماطم بمطلع أغنية لمطرب الأصوات علي خالد, الذي بالكاد يتذكره أحد اليوم, والذي غنى ذات يوم قصيدة: تسائلني حلوة المبسم, متى أنت قبلتني في فمي, فأقاوم إغراءً بتكملة ابياتها للقارىء لأننا في شهر صيام وقيام فلا يجوز فيه شعر كالذي في القصيدة, فالعقيد يبدأ قصيدة الطماطم بتساؤل أيضا فيقول: يا شوربة الطماطم, ماذا فعلت في فمي؟ الجواب عند الشاعر نفسه, فهو يخاطبها (الشوربة لا حلوة المبسم) فيقول: أضرمت ناراً فيه ما زالت تصول في دمي/ ماذنب معدتي فهل هذا عقاب مجرم/ أم إنه انتقام ياله انتقام ناقم/ شربتها فلم أجد سوى سواد فاحم/ مذاقها كالجمر في اللسان والبراطم. طبعاً الشاعر أو من كتب القصيدة فيه يتحمل المسئولية كاملة عما اصابه من ضرر في فمه أو معدته فعلى نفسها جنت براقش, فالشوربة لم تقفز من نفسها إلى براطمه كي تحرقها مالم يمد يده إليها, غير إنها من الاغراء والجمال والذوق والطعم والرائحة على درجة لابد انها تسببت في استعجاله الى شربها وعدم مقاومتها للحظات حتى تبرد, فهي في خطورة حلوة المبسم, خاصة أن ما يجمعهما هو اللون الأحمر الطماطمي, الذي يتهاوى العشاق أمامه صرعى. غير أن الفارق بين حالة الشاعر مع حلوة المبسم وحالة الشاعر مع شوربة الطماطم, هو دخول مجلس الامن على خط الازمة, فإذا كان المجلس أيام الشاعر الاول لايتدخل لفرض الحصار فإنه في ايام شاعر الطماطم لاعمل له سوى فرض الحصار, فيصف الشاعر ماجرى بعد ذلك في هذه الأبيات: وفجرت من حرها بركان بطن نائم/ فظن حلف الاطلسي هجوما من مهاجم/ ومجلس الأمن انبرى والويل للمقاوم/ فأعلنوا حصارهم لشوربة الطماطم والنتيجة طبعاً هي ان مجلس الامن بدلا من معاقبة الشاعر الذي تسبب في الأزمة باستعجاله شرب الشوربة قام بمحاصرة الشوربة البريئة, ما يذكرنا مرة أخرى بمحاصرته العراق شعباً لا صدام حاكما! عبدالحميد أحمد