في التاسع عشر من نوفمبر وبعد تفجر موجات الغضب في الاعلام العربي على نظرية انتحار الطيار المصري التي روج لها الاعلام الامريكي بسند سخيف هو نطق الطيار بعبارات دينية.. خرج جيمس روبن المتحدث باسم الخارجية الامريكية ليطلب من الاعلام الامريكي عدم اصدار تكهنات غير صحيحة اعتمادا على معلومات جزئية وشجع وسائل الاعلام العربية على طرح نظرية المؤامرة في محاولة لتفسير الحادث في مواجهة نظرية انتحار الطيار. وعلى الرغم من انني اعتبرت استخدام روبن لمصطلح (طرح نظرية المؤامرة) غير لائق لوصف محاولات الاعلام العربي الباحث في جميع الاحتمالات الواردة اعتمادا على السوابق وقياسها عليها في مواجهة نظرية تلفيق انتحار الطيار المصري وذلك في مقال بالاهرام تحت عنوان (دلالات السخط العربي العقلاني على ادعاء انتحار الطيار المصري) بتاريخ 21/11/1999.. فانه يبدو لي الآن وبعد ان طالعت مقالا لكاتب عربي هو عبدالحميد البكوش في صحيفة عربية وطنية بتاريخ 23/11/1999 تحت عنوان (ثقافة المؤامرة وحادث الطائرة المصرية) ان من بين الكتاب العرب من يحاول المزايدة على المتحدث الرسمي باسم الخارجية الامريكية وذلك من خلال اعطاء درس من الكلام الفارغ الذي يتهم فيه الاعلام العربي بجميع كتابه ـ الرافضين لنظرية انتحار الطيار المتهافتة عقليا ـ بأنهم يمارسون السحر والشعوذة والرجم بالغيب, وفوق ذلك ينتهز البكوشي المناسبة ليلصق هؤلاء الكتاب المجروحين في مشاعرهم بسبب استخفاف الاعلام الامريكي بعقولهم بالنظم العسكرية ويعتبرهم بوقا لثقافة المؤامرة يستخدمهم الحكام العسكريون لالغاء تبعة تقصيرهم على العالم الخارجي وارجاع اي ضرر يقع على عاتق المتآمرين الخارجيين. ان هذا المنحى الخطير الذي يحاول مصادرة حق الكاتب العربي في اعمال عقله في واقعة بعينها والذي يسعى الى استخدام سيف صدئ مستورد من القاموس الغربي لشل حرية التفكير العقلاني وهو (مصطلح ثقافة المؤامرة) لا يجب ان يفت في عضد الباحثين عن الحقيقة.. فهذه الدعوة هي في ذاتها مؤامرة على العقل العربي تستهدف كما هو واضح اجباره على قبول ما يصرحه الاعلام الامريكي بتسفيه اي رأي مخالف لذلك واتهامه بالوقوع اسيرا الثقافة المؤامرة وفي قبضة الحكام العسكريين كبوق يبرر اخطاءهم!! يقول البكوش في ربط تعسفي واضح بين الكتاب العرب الباحثين عن الحقيقة في واقعة سقوط الطائرة وبين النظم العسكرية..(ان مسألة تفسير كل ما يحدث لنا على انه مؤامرة حاكها الغير للاضرار بنا وان لا مسئولية لنا عما نجم هي مسألة لها بذور في الثقافة العربية لكن ثقافة التظاهر بالذكاء الخارق لكشف المؤامرات الوهمية وتحويل المسئولية عما يقع علينا الى الغير لم تزدهر حقاً الا منذ عصر الانقلابات العسكرية) . وهكذا يتذاكى كاتب عربي في سخف عقل واضح في الفقرة السابقة وسائر اجزاء مقاله ليربط بين المحاولات القياسية التي قدمها الكتاب العرب لتفسير سقوط الطائرة قياساً على سوابق مشابهة وبين نهج النظم العسكرية التي سبق له وطالب بضرورة اسقاطها بالتدخل الامريكي المباشر في حوار له مع قناة فضائية عربية. واذا كان البكوش يمثل حالة فاضحة لاستخدام هذا السيف الصدىء ويشهره صراحة على رؤوس الكتاب الذين رفضوا نظرية انتحار الطيار فإن هناك نماذج اكثر حياء لقلة من الكتابات العربية حاولت ان تعترض على الغضب الذي عم الرأي العام العربي في مواجهة هذه النظرية الهزيلة ولكي يبتلع امثال هذا الكاتب أسنة أقلامهم فإنني أناشدهم ان يمعنوا النظر في الاحتمالات التي طرحها الاعلام العربي العقلاني لتفسير الحادث بعيداً عن نظرية انتحار الطيار.. فمن المؤكد انها تمثل نمطا من التفكير الذي يأخذ به المحقق النزيه المجرد عن الهوى في تحقيق أي قضية مشابهة بفتح التحقيق على جميع الاحتمالات وفحص الوقائع الفنية فحصا كافياً ثم دراسة الدوافع لدى الاطراف التي يمكن ان تحقق مصلحة من وقوع مثل هذا الحادث.. دون ان يتهم هذا المحقق النزيه بثقافة المؤامرة. فليس في محاولات الاعلام العربي والرد العقلاني اي تظاهر بالذكاء الخارق لكشف مؤامرات وهمية بقدر ما تنطوي هذه المحاولات على تحقيق جاد عقلاني قياساً على السوابق وهذه الاحتمالات هي كالتالي: اولاً: احتمال وجود خلل فني في تصميم هذا الطراز من طائرات البوينج وهو ما يؤيده تكرار حوادث هذا الطراز وكان آخرها يوم 19/11/1999 اي بعد سقوط الطائرة المصرية بثلاثة أسابيع وهو الحادث الذي تعرضت فيه طائرة شركة امريكا ايرلاينز, اثناء قيامها برحلة داخلية من مطار سان دييجو الى مطار نيويورك لانفجار في اجهزة التكييف في كابينة الركاب وادى الى اصابة ستة منهم بجروح طفيفة وتعرض الضغط الجوي في كابينة القيادة الى الانخفاض مما ادى الى هبوطها اضطراريا. واذا كان هذا الحدث الاخير قد جاءت به الاقدار يوم الجمعة المقدس عند المسلمين وبعد تسعة عشر يوما من سقوط الطائرة المصرية ليفصح بمنهج القياس عن جدية احتمال وقوع خلل فني في الطائرة المصرية ادى الى سقوطها وعن ضرورة التعامل مع هذا الاحتمال بجدية اكثر وعدم استبعاده بالسرعة التي تم بها قبل العثور على محركي الطائرة وسائر اجزائها.. فإن سلسلة الحوادث السابقة لهذا الطراز والمتعلقة بحدوث سخونة في خزانات الوقود مما يؤدي الى انفجارها وهو ما تعلنه المصادر الامريكية ذاتها ندعو هذه القلة من الكتاب العرب التي تحاول ان تصادر حق العرب في التفكير المنطقي الى اعادة النظر في شعارها المرفوع عن التفكير العربي بنظرية المؤامرة والى ان تحاول هذه القلة اعمال ذكائها الخارق في الدافع الذي يدفع الاعلام الامريكي لترويج نظرية انتحار الطيار على هزالها وعدم التوقف بالتحليل امام احتمال وجود خلل فني بهذا الطراز من الطائرات امريكية الصنع. ام ان التفكير العربي في هذا الاحتمال قياسا على السوابق واللواحق يصبح (نظرية مؤامرة) و(ثقافة مؤامرة) ويبقى احتمال وجود الخلل الفني فوق التفكير ومنزها عن التناول لمجرد انه تم استبعاده في لوحة الاعلام الامريكي؟ ومن ذا الذي يستحق ان يوصف تفكيره بالتآمر وثقافة المؤامرة هل هي الغالبية التي تحاول استقصاء الاحتمال الوارد والجاد ام القلة التي تحاول طمسه واخفاءه. ثانيا: احتمال اسقاط الطائرة بصاروخ صديق على حد التعبير الذي استخدمته الصحافة الامريكية في تفسير سقوط طائرة البوينج التابعة لشركة الخطوط ب, دبليو, ايه الامريكية, في نفس المنطقة عام 1996 اما بطريق الخطأ او نتيجة لانحراف مسارها الى منطقة طيران محظورة. وهو احتمال وارد في حالة الطائرة المصرية بنفس الدرجة ومع ذلك فان الاعلام الامريكي الذي ابتدع مصطلح (صاروخ صديق) في حالة الطائرة الامريكية اشارة الى صاروخ امريكي لم يشر من قريب او بعيد الى مثل هذا الاحتمال, في الحالة المصرية رغم ان شركة بوينج مازالت مصرة على اعتباره السبب في سقوط طائرة تي دبليو ايه عام 1996. ولعل القلة من الكتاب العرب التي تستعير مصطلح (ثقافة المؤامرة) من القاموس الغربي تطمئن الى ان مصطلح (صاروخ صديق) صناعة غربية امريكية بحته وانه لاضرر من استخدامه ولاخوف على من يستخدمه في سياق البحث عن التفسيرات المحتملة لحادث سقوط الطائرة اسوة بالكتاب الامريكيين الذين تسمح لهم الديمقراطية الامريكية بذلك في الوقت المناسب وفي الحالة المناسبة لمصالحهم الوطنية. ثالثا: احتمال التشويش على كمبيوتر الطائرة او زرع عبوة ناسفة محدودة لنسف اجهزة التحكم فيها .. وهما الامران المحتملان لتفسير حالة فقد السيطرة عليها من جانب الطيار المساعد وفيما بعد الطيار القائد والطيار المساعد وترديد عبارات الاستغاثة بالله عز وجل مما نسب الى الطيار المساعد جميل البطوطي في الاعلام الامريكي نقلا عن محققين امريكيين. وهو الاحتمال الذي تضعه في دائرة الاحتمالات الواردة محاولات معروفة المصدر للهيمنة العسكرية وضمان التفوق العسكري على جميع الدول العربية مجتمعة في ضوء مجموعة من الضباط المصريين العائدين بعد تلقي تدريبات على الطائرات الامريكية المتقدمة من طراز الشبح. واذا كانت الاحتمالات الثلاث السابقة تمثل نمطا من التفكير المعتمد في مناهج التحقيق والبحث والتحري في حوادث سقوط الطائرات وإذا كان الاعلام العربي قد اضطر إلى تركيز الاعلام الامريكي بهذه الاحتمالات العقلانية ردا على الاحتمال الوهمي المتمثل في نظرية انتحار الطيار.. فهل من اللائق القاء اتهام فارغ على العقل العربي بمصطلحات (ثقافة المؤامرة), (نظرية المؤامرة) أم أن الاجدر بالاستاذ البكوش وامثاله ان يدققوا النظر في نظرية انتحار الطيار واسانيدها المتهافتة وان يسموها هي بنظرية المآمرة حيث انها تعمل على طمس الاحتمالات الجادة للتحقيق وتحويله إلى تلفيق أدلة واهية تجنبا للمسئولية والقائها على اخرين أبرياء. وكفانا أيها السادة حذلقة فارغة ورقصا على جثث الضحايا وآلام العائلات التي لن يريحها سوى الوصول إلى الحقيقة ولا شيء غير ذلك.. رئيس شعبة الابحاث الاسرائيلية جامعة عين شمس