من المشروعات البحثية الفكرية الجديرة بالاهتمام على الخط, الزمني الفاصل بين قرنين والفيتين, ذلك المشروع الخاص بدراسة شاملة لتطور القضية الفلسطينية خلال القرن العشرين, من شأن جهد كهذا ان يبصرنا باضاءات قوية بالمحددات التي حفت بهذه القضية محليا (فلسطينيا) واقليميا (عربيا) ودوليا, على مدار فترة زمنية تسمح بذلك , فمن المعروف علميا ان الامتداد الزمني للقضايا الاجتماعية ـ السياسية بما فيها الصراعات, يتيح فرصة اوسع لاستنكاه ابعادها والالمام بجوهرها ومن ثم, التأسيس لمواجهتها او معالجتها. ولان قضية فلسطين القت بتأثيراتها بشكل مباشر وغير مباشر على اطراف كثيرة, فان الفكرة تبدو مبررة لدى معنيين كثر, لكن دوائر الفكر والحركة على الصعيدين الفلسطيني والعربي هي المرشحة الابرز للاضطلاع بها. لا بأس في هذا الاطار من ان يكون تطور المشروع الصهيوني بجانبيه, الفكرة والدولة موضوعا لعملية بحثية موازية, فهذا المشروع هو الوجه الآخر لمسار قضية فلسطين ولا بأس ايضا في ان يتحرك الجهد البحثي المقصود تحت عنوان اعرض موضوعيا مثل (الصراع الصهيوني العربي في القرن العشرين) اذ ان الغرض المتوخى سوف يتحقق على كل حال. والواقع ان بعض المراكز البحثية الجادة, مثل مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت اولت هذه الفكرة عناية خاصة ورعى بالتعاون مع رابطة الخريجين الجامعيين الكويتية عام 1988 ندوة بعنوان (القضية الفلسطينية في اربعين عاما) ونظم في مارس الماضي ندوة اخرى بعنوان (العرب ومواجهة اسرائيل: احتمالات المستقبل) وبدوره نظم معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة في ديسمبر 1998 ندوة حول (الصهيونية في مئة عام) . مثل هذه السوابق, تمثل, من خلال ما تعرضه من قضايا واساليب للتحليل على مستوى المنهج وطرق المعالجة نماذج مصغرة للفكرة التي نطرحها ولاشك في ان القرن العشرين يقدم وحدة زمنية متكاملة بالنسبة لدراسة الصراع الصهيوني العربي وفي قلبه وبؤرته قضية فلسطين بالمضمون التاريخي, فان شئنا استشراف المعطيات التي لاغنى عنها, فكيف تتأتي معرفة (الصراع والقضية الى اين؟) ان لم تكن لدينا معرفة علمية بـ (من أين) ؟ والمخطط التفصيلي لمقاربة التاريخ المئوي للصراع والقضية يمكن ان يحوى عناوين لقضايا فرعية كثيرة, كتطور السياسة, والحكم في فلسطين, تطور انماط المقاومة الفلسطينية, والقضية الفلسطينية في ظل تطورات النظام الدولي, الحركة الصهيونية بين السياسة والدين, الحركة الصهيونية وصناعة الدولة الاستيطانية, مسار التحالفات وانماطها بين الحركة الصهيونية والقوى الدولية الفاعلة, الرؤية العربية للصهيونية .. الفكرة والدولة وذلك في النصف الاول من القرن ثم في نصفه الثاني, النظام العربي وقضية فلسطين, القضية الفلسطينية والوحدة العربية .. التطورات والتحولات, القضية الفلسطينية في برامج الاحزاب والقوى السياسية العربية, دراسات قطرية .. الدول العربية وقضية فلسطين, القوى الدولية والصراع الصهيوني العربي في مئة عام, التنظيم الدولي (عصبة الامم والامم المتحدة بخاصة) ندرك ان مفردات الصراع والقضية قد اضنت على مدار القرن باحثين لا حصر لهم, بذلوا ومازالوا, على تفاوت قدراتهم وملكاتهم, جهودا كبيرة في سبيل تكوين تراث فكري في خدمة اهداف الامة وصيانة حقوقها. كما كانوا للحقيقة خير عون لصناع القرار وهم بصدد المعالجة اليومية للهموم التي تخلقت في رحم الغزوة الاستعمارية الصهيونية. ومع ذلك ندرك ان الحاجة للرؤية المئوية الشاملة لمسار الصراع والقضية تبدو ملحة ونحن نستقبل القرن والالفية الوشيكين, أولا, لان نهاية معقولة ومقبولة وموضوعا للاتفاق حول الصراع ليست مرشحة للظهور قريبا, رغم كل المناورات والمحاورات التسووية المتفاعلة خلال العشر الاواخر من القرن العشرين وبالتالي فإن الصراع والقضية سيستمران ولو بحيثيات وتحت عباءات مختلفة في القرن المقبل. وثانيا: لان الامم الحية المتحضرة هي التي تتحرك عبر التاريخ محفوزة بالنظرة الشاملة لماضيها عند كل منعطف زمني, وذلك لاستلهام العبر والتغذي بالطاقة اللازمة في مواجهة المستقبل. وثالثا: لان جانبا مهما من حيثيات الصراع والقضية في المستقبل, يتعلق بالذاكرة والتاريخ, فالتحالف الصهيوني ـ الذي اصبح له انصارا في تضاعيف الامة ـ لن يقنع بغير تصدير صورة الصراع لاجيال القرن المقبل, مثلما كونها هو. وليس بلا مغزى انهم هناك في اسرائيل ـ ومن والاها ـ يعملون الآن على استكمال هذه الصورة, ونعتقد انهم سيحاولون السبق في تقديمها الى جوارهم القريب والبعيد عبر وسائط التقنية الحديثة (شبكات الانترنت مثلا). ورابعا: لان الشائع هو ان الامة العربية فشلت في مواجهة الغزوة الاستعمارية الصهيونية على مدى القرن العشرين, ودليل ذلك ان المشروع الصهيوني بدأ مع بداية القرن تقريبا كفكرة هائمة تبحث عن عراب يتبناها دوليا, وأصبحت مع نهايته قوة في دولة وطيدة الاركان حاكمة في محيطها الاقليمي .. الخ وليس هذا صحيحا في مجمله, ففي التفاصيل, سوف نعثر في سيرة الصراع والقضية على ما ينقض الاطمئنان الى النتيجة المذكورة الشائعة. فثمة في هذه السيرة, المقاومة, الفلسطينية ثم الفلسطينية العربية من بداية القرن والمشروع الصهيوني حتى مطلع القرن الوافد, ولايمكن لاحد ان يزعم ما الذي كان بوسع هذا المشروع ان يحققه, فيما لو كانت يده طليقة بلا مقاومة. ثم ان لهذا المشروع مظاهر وهن ونقاط ضعف سوف تعايشه في مستقبل الايام, ولا يدري احد ايضا الى اين تفضي به, وليس غير دراسة الصراع والقضية بالمنظور المئوي المقترح, يمكن ان يوقفنا على مظاهر الضعف والقوة في مسار المشروع الصهيوني والمقاومة العربية. سيقول بعض المرجفين, ان في هذا التوجه للتأصيل الفكري البحثي المعمق ما يحمل على اذكاء ثقافة الصراع فيما نحن مشرفون على (السلام) وبحاجة لثقافته ولهؤلاء نقول بان ثقافة السلام لاتقوم الا على استرداد الحقوق, وهذه العملية الحقوقية لا تتأتى بدورها الا بالسهر عليها بالكلمة تارة وبالفعل تارة وبكليهما معا في الظروف الملائمة, ومهما يكن من امر, فان من حق الاجيال الوارثة لتاريخ الامة في هذا القرن حتى لو كان مفعما بالاحزاب, ان تعرف ما الذي حدث بالضبط .. ولماذا. كاتب وباحث فلسطيني ـ القاهرة