يتوقف المتابعون للسياسات العربية عند بعض المحطات البارزة في السياسة العربية, فيلاحظون أن الحكومات العربية في أكثريتها تبدو عاجزة عن اتخاذ قرارات كبرى في موضوعات مصيرية ومهمة على الصعيد العربي ومن ذلك العجز عن عقد اجتماع للقمة العربية, وهو عجز يماثل عدم القدرة على اقامة تنسيق سياسي واقتصادي بين البلدان العربية , بعد أن ثبت عجز هذه الحكومات عن المضي في مشروع أو مشاريع جزئية لوحدة أو لوحدات عربية, طالما كانت مطلوبة وممكنة في فترة الاستقلالات الأولى. ويتوقف متابعوا السياسات العربية عند عجز الحكومات العربية عن التعامل على نحو يؤمن المصلحة العربية العليا في موضوع الصراع العربي ـ الاسرائيلي والقضية الفلسطينية, وقد غدا لكل منها موقفاً قطرياً, لا يهم إلا البلد المعني بصورة مباشرة وراهنة, ولا يتعداه إلى بلد مجاور له نفس المشكلات مع الطرف الاسرائيلي والذي كان منذ وجوده الأول وبموجب الوقائع عدوا لكل العرب بدولهم وشعوبهم جميعاً. وليست حالة السياسات التي تتابعها الحكومات حيال العراق بأفضل من سابقاتها في السياسة القومية, حيث يترك هذا البلد العربي الكبير بتاريخه وامكانياته وشعبه للتشظي وللموت البطىء, ليس نتيجة السياسة الدولية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية ضده فقط, بل أيضا بسبب السياسة الخرقاء المتعجرفة التي تتابعها حكومته والتي قادته من كارثة إلى أخرى في العقدين الماضيين. ان مثل تلك السياسات القومية للحكومات العربية, يمكن التقاطها اينما توجه المتابع العربي, ونظر في مواقف الحكومات خلال العشرين عاماً الماضية ومنها المواقف التي لم تمنع اندلاع الحرب العراقية الايرانية, والتي لم تواجه الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام ,1982 ولم تمنع الاجتياح العراقي للكويت ,1990 ولم تعترض على الحرب الدولية ضد العراق, ولم تقف ضد الانخراطات المنفردة في مسارات التسوية وكلها صارت لصالح اسرائيل وعلى حساب المصلحتين العربية العامة والفلسطينية الخاصة, ولا اتخذت السياسات العربية موقفاً رافضاً للحصار الظالم على ليبيا والعدوان على السودان, وقد فشلت في اخراج الصومال من دوامة الحرب الأهلية المستعرة, وربما نسي الكثيرون أن الصومال ما زال عضوا في جامعة الدول العربية. وقد يفسر المتابع العربي تلك المواقف والسياسات القومية على أنها عجز عن التدخل في قضايا وموضوعات كثر الفرقاء الاقليميون والدوليون الذين لهم مصالح فيها, بل انهم صاروا بين القوى الفاعلة في تلك القضايا والموضوعات أكثر من أصحابها أنفسهم, ورغم أن حالة كهذه, تستحق التوقف عندها والتأمل فيها ومناقشتها, فانه لا يمكن التسليم بأن العوامل الخارجية, قد تحولت إلى قوة حسم في موضوعات من طبيعة عربية, أو أن العرب فقدوا قوة التأثير في قضايا وموضوعات تمسهم مباشرة كجماعة, أو أنها تتصل بواحد أو أكثر من بلدانهم. لكن يمكن القول, إن تلك المواقف انما تعكس استقالة للحكومات العربية من متابعة الشأن القومي, وما يتصل به من قضايا وموضوعات, والاقتصار على متابعة الموضوعات المتصلة بالسياسات القطرية حصراً, وربما بعضها فقط. غير التردي والتنازل في السياسات القومية, ثم في البعض من السياسات القطرية, أورث نهجاً جعل السياسات العربية تعاني من الخلل والارتباك العام إلى درجة يمكن القول معها, إنه صار من الصعب تفسير مواقف وسياسات واعلانات عربية تصدر في هذا البلد العربي أو ذاك, وليس لها من تفسيرات أو تبريرات منطقية أو سياسية ومن ذلك قيام الجماهيرية الليبية باعلان أنها تنتسب إلى افريقيا وليس إلى العالم العربي, وهي الدولة التي طالما كانت دولة قومية عربية متطرفة في أطروحاتها, وفي السعي إلى أي نوع ومستوى من الوحدة العربية, وقد زادت الجماهيرية في خطوة أخيرة الاعلان عن وقف منح تأشيرات لمواطني ثلاث بلدان عربية وثيقة العلاقة معها دون تقديم أي مبررات مقبولة أو غير مقبولة, وفي الوقت الذي تحتاج فيه ليبيا إلى جهود الكثيرين من العرب وبخاصة اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين ممن أوقفت منحهم التأشيرات. ويندرج في سياق السياسات العربية غير المفهومة ما تقوم به السلطة الفلسطينية في التعامل مع الوجود الفلسطيني في لبنان, حيث تسعى إلى استنفاره وتعبئته وتسليحه في لبنان, وهي في ذلك تتجاوز نسيانها واهمالها الفلسطينيين في لبنان لسنوات ما بعد ,1982 كما تتناسى ما خلفته سنوات الحرب اللبنانية بين عامي 1975 , 1990 وما جرته على الفلسطينيين واللبنانيين من مآس وآلام ما زالت آثارها ماثلة في حين تمنع السلطة الفلسطينية في المناطق التي تسيطر عليها في الضفة وقطاع غزة الفلسطينيين من حمل السلاح ضد اسرائيل التي تغتصب الأرض, وتذل السكان وتضطهدهم, وتذهب السلطة في الأبعد, اذ تمنع التعبئة السياسية ضد اسرائيل في أوساط فلسطينيي الداخل, وتقوم باعتقال وسجن من يقوم بذلك. ان بين النماذج المماثلة في السياسات العربية, سياسة الحكومة العراقية في التعامل مع جوارها العربي. اذ هي لا تضيع فرصة للعودة إلى استعداء الجوار العربي والايراني كلاهما, ولا يشمل الامر ايران وحدها, وانما يمتد إلى الكويت والمملكة العربية السعودية, ويتجاوزها أحيانا إلى سوريا, التي لا تخفي تعاطفها مع عراق اليوم, ويتراوح الاستعداد ما بين الظاهر والباطن حسب واقع الحال, وحسب التكتيكات السياسية التي تتابعها الحكومة العراقية, والتي تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى تصفية الأجواء في علاقاتها الاقليمية والعربية للخروج من واقع الحصار المفروض عليها وتصفية آثار حربين مدمرتين دخلهما العراق بالخطأ في العقدين الماضيين. ومما لا شك فيه أن بالامكان التقاط العديد من الامثلة والنماذج من السياسات الخاطئة التي تتابعها حكومات عربية في هذا البلد أو ذاك, لكن ليس احصاء وحصر هذه السياسات, انما الاشارة إليها باعتبارها مكملة للسياسات القومية الخاطئة التي مورست في العقدين الماضيين, وما زالت مستمرة, بل إنها صارت بين تقاليد السياسة العربية في أواخر القرن الحالي. غير أن الصورة ورغم فتامتها وسوداويتها, فهي لا تخلو من بقع ضوء ومن تلك البقع, أن هناك تنسيقا سوريا لبنانيا في المفاوضات المحتمة مع اسرائيل, ومن ذلك استمرار المقاومة اللبنانية في مواجهة اسرائيل في الجنوب اللبناني, وهناك قيام قطر ودولة الامارات بالسماح لمواطنيها التنقل بين البلدين بالبطاقة الشخصية, وإلى ما سبق, يمكن اضافة توجهات القمة الخليجية الأخيرة في تدعيم العمل المشترك في الاطار الخليجي على الأقل.