كلما ظهر في ركن من اركان العالم الثالث زعيم راديكالي ذو نزعة وطنية استقلالية سارع الغرب بحكوماته واجهزته الاستخبارية وشبكاته التلفزيونية بدمغه بنعت ايحائي ذي دلالة دعائية سالبة, فعبدالناصر كان (مخربا) وكوامي نكروما كان (مهرجا) والقذافي (ارهابي) وكل من فيديل كاسترو وهوشي منه من فيتنام،شيوعي إلحادي، وكلهم استبداديون دمويون . رجل واحد احتار الغرب في اختراع نعت سلبي تشهيري له, فأينما نظرت في شخص رئيس حكومة ماليزيا مهاتير محمد, فلن تعثر, حتى لو كنت متحيزا وأحادي النظرة, على صفة يمكن ان تستغل للتشهير به من وجهة النظر الغربية وتكون في الوقت نفسه ذات حد ادنى من المصداقية. ذلك ان مهاتير محمد ليس دكتاتورا متسلطا على شعبه, فهو يدخل متقدما حزبه معارك انتخابية حقيقية في اطار نظام ديمقراطي تعددي مستنسخ حرفيا من نظام (وستمنستر) البريطاني. لمدى 18 عاما متصلة في السلطة كرئيس وزراء ظل مهاتير يخوض دورات انتخابية متقدما ائتلافه الحزبي فيكتسح الانتخابات, ولكن ليس بنسبة 99.9 في المئة كما يحدث في الانتخابات الديكورية في العالم العربي, فنزاهة الاقتراع يشهد بها الخصوم في الداخل والخارج على حد سواء. ووفقا للدستور التعددي الديمقراطي فان مهاتير لا يتعامل مع خصومه السياسيين الا في اطار سيادة القانون واستغلال القضاء, فلا وجود لمحاكم أمن دولة. والغرب الرأسمالي ليس بوسعه ان يدمغ مهاتير اقتصاديا بأنه اشتراكي شيوعي, ذلك ان الاقتصاد الماليزي يسير على نهج (اقتصاد السوق الحر) رغم ان مهاتير يتبني تدابير وتشريعات تضمن حدا ادنى لدور الدولة في توجيه الاقتصاد الوطني اجمالا على اساس قواعد التخطيط المركزي. وجاءت الازمة الاقتصادية الاسيوية التي بدأت عام 1997 وتشعبت تداعياتها كامتحان رهيب لزعامة مهاتير في الميدان الاقتصادي, والان وبعد عامين يثبت نجاح مهاتير في ادارة الازمة في ماليزيا وانتصاره عليها, بينما دخلت الدول الاسيوية الثلاث الاخرى التي تعرضت ايضا للازمة ـ تايلاند واندونيسيا وكوريا الجنوبية ـ في متاهات مالية واقتصادية افضت بها إلى اضطرابات سياسية ذات نتائج في غاية الخطورة. وصعوبة الامتحان الذي تعرض له مهاتير تكمن في انه في الحقيقة تحد واجه فيه الغرب ومؤسساته المالية, مثل حكام الدول الاسيوية الثلاث الاخرى استمع مهاتير إلى ما قدمه خبراء (صندوق النقد الدولي ) وغيره من المؤسسات المالية الغربية من نصائح للتغلب على الازمة ثم رفضها كلها جملة وتفصيلا, وراح في الحقيقة يطبق اجراءات مضادة, رفض مساعدات الصندوق الدولي المشروطة بسيطرة الصندوق على مسار الاقتصاد واتخذ تدابير تفرض سلطان الدولة على حركة رأس المال. فماذا كانت النتيجة؟ بينما تعرض الاقتصاد الوطني في اندونيسيا وتايلاند وكوريا الجنوبية إلى انهيار تلو انهيار, وقد طبقت جميعها (النصائح) الغربية ووقعت اضطرابات وثورات داخلية خطيرة في كل منها, استعادت ماليزيا عافيتها الاقتصادية في زمن قياسي وبقيت من الناحية السياسية مستقرة وهادئة إلى ان جرت الانتخابات العامة الاخيرة نهاية الشهر الماضي حيث اكتسحها مهاتير وائتلافه الحزبي, بينما اندونيسيا تصارع الان من اجل البقاء على قيد الحياة كدولة تواجه احتمالات التفكك. في بداية الازمة فتح الغرب نيرانه الاعلامية ضد مهاتير وحكومته وتنبأ له بالفشل في معالجة الازمة, ولم يكتف مهاتير برفض التدابير والنصائح الغربية بل شن على صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الغربية الاخرى حربا اتهم خلالها هذه المؤسسات بانها واقعة تحت سيطرة ملوك المال اليهود. والان وبعد نجاح ماليزيا وفشل جاراتها اسقط في يد الغرب, ومما يضاعف من حرج المؤسسات الغربية ـ وحقدها في الوقت نفسه ـ خطورة ان النموذج الماليزي يبرز الان كمثال واقعي حي يمكن ان يحتذى به.