من المفهوم ان يأخذ الكثير من العرب والمسلمين موقفا معاديا او منتقدا لـ (الغرب) , في ضوء الوضع الذي تعيشه المنطقة العربية وعلاقة الدول الغربية بذلك, تسبيبا او مشاركة او حيادا سلبيا.لكن ثمة ظاهرة ملفتة. فالعديد من العرب والمسلمين الذين يعيشون في الغرب, نراهم يطلون على الشاشات الفضائية, وفي موضوعات مختلفة , نراهم ينتقدون هذا الغرب ومجتمعاته, ويصفونه بأبشع النعوت والاوصاف. والملفت هنا ان هؤلاء في معظمهم, قدموا الى البلدان الغربية لجوءا وهربا, اما من اضطهاد سياسي او اقتصادي او اجتماعي. والحال هذه كيف يمكن لانسان ان يشتم جهة اسدت له معروفا, في حجم انقاذ حياته مثلا! لا ريب ان في الامر خللا ما, بحاجة الى استيضاح وتفسير. بالطبع الحرية الموجودة في المجتمعات الغربية, تسع جميع الاراء بما في ذلك الناقدة والمهاجمة لها. وبالتالي لا يعتبر ما يقوله المشاركون في الفضائيات العربية, شيئا يمكن ان يؤاخذوا عليه, ومن جانب السلطات السياسية او القضائية الغربية مالم يشرعوا بالفعل والعمل على تنفيذه بالقوة. لكن المشكلة هي في تصرف هؤلاء المهاجرين انفسهم. اعتقد ان جذور العداء كامنة في اعماق الوعي واللاوعي العربي والمسلم تجاه الغرب. وهي كذلك كامنة في اعماق هذا الاخير تجاه الحضارة العربية الاسلامية. لكن الغرب تخلص من هذه العقدة, لأنه لم يعد بحاجة اليها. فهو الطرف المتفوق والمنتصر حاليا, في حين بقيت جاثمة على الوعي العربي والمسلم, الذي اصبح يتخذها متراسا يتخندق خلفه في مواجهة وضعه البائس, وهي تشهد اليوم أسوأ حالاتها, بفعل الضعف الشديد الذي يعيشه العرب. اننا يجب ان نتذكر دائما بأن المنطقة العربية واقعة من القدم على حافة التماس مع اوروبا وهذه الطبيعة الجغرافية, هي التي حكمت موضوعيا العلاقة بين الطرفين. ومن هذه الزاوية, فان التقدم الاوروبي نحو بقية العالم القديم, لم يكن ممكنا بدون الاصطدام مع المنطقة العربية. ويعتبر اكتشاف طريق الرجاء الصالح, محاولة التفافية مكلفة, املتها الرغبة في تجاوز هذه المنطقة. وقبيل ظهور الاسلام, كانت الامبراطورية الرومانية هي المهيمنة على العالم. وقد سعت الى بسط نفوذها على منطقة شمالي افريقيا والشام وصولا حتى اليمن. وهي نجحت في ذلك نجاحا كبيرا, رغم المقاومة الشديدة. لكن ظهور الاسلام في شبه الجزيرة العربية, خلال القرن السابع الميلادي, وتأسيسه دولة قوية, قلب موازين القوى. واعاد الامبراطورية الرومانية الى داخل حدودها الاوروبية, قبل ان تسقط نهائيا. وشهد العالمان بعد ذلك فترات تصادم كبيرة, سميت بعضها بالحروب الصليبية, بداية الألفية الثانية للميلاد, ثم معارك الدولة العثمانية وتوسعها داخل اوروبا وصولا الى حدود فيينا, لكن ميزان القوى بدأ يتحول تدريجيا لمصلحة اوروبا, ابتداء من القرن السابع عشر وواصل تحوله حتى الاكتمال, مع سقوط الامبراطورية العثمانية وبداية مرحلة الاستعمار في اعقاب الحرب العالمية الاولى. اما اليوم فقد اصبح الوضع مختلفا تماما, وفي حين باتت الولايات المتحدة الدولة الاولى في العالم, فان الدول العربية خرجت نهائيا من دائرة المنافسة التاريخية, ولم تعد تشكل اي تهديد او خطر على الغرب. لكن في الاجمال يمكن القول بأن التاريخ القديم الممتد قرابة الفي عام, كان تاريخ صراع مرير بين الغرب الاوروبي والشرق العربي والمسلم. وهو الامر الذي لم تعرفه مناطق اخرى في العالم, مثل الصين او الهند ووسط وشرقي آسيا. ولهذا فان العلاقة بين العالم العربي والاسلامي مع الغرب, تظل ذات طبيعة خاصة, لا يصح مقارنتها مع ماعداها. وهي لقدمها وامتداداتها, تركت تأثيرها على مجالات واسعة في الوعي والثقافة والتاريخ العربي والاسلامي. ومن الطبيعي ان يظل المواطن العربي اليوم محكوما بهذا التاريخ, في تفكيره وسلوكه ونظرته تجاه الذات, وتجاه الاخر (الغرب), حتى وهو يعيش لاجئا داخل المجتمع الغربي نفسه. ولكن الا يمكن عمل شيء لاعادة التوازن لتلك النظرة, ومعها اعادة الاعتبار للذات العربية, واخراجها من غبنها التاريخي! اعتقد ان ذلك ممكن, وضرورته تتبدى اليوم اكثر من اي وقت اخر. لكن قبل هذا علىنا ان نفحص مصطلح (الغرب) نفسه, والذي على الرغم من كثرة استخدامنا له, الا ان الامانة العلمية تقتضي القول بأنه غير دقيق وغير صحيح. واكبر الظن ان استخدامه يرجع الى ذلك الصراع المرير والطويل الذي حكم العلاقة بين المنطقتين العربية والاوروبية. وهنا يراد بالمصطلح ان يؤدي وظيفة الحصر والتحديد, فيسهل بذلك من توجيه اصابع النقد الى جهة محددة بعينها. ووجه عدم الدقة في هذا عائد الى ان استخدام مصطلح (الغرب) بهذه العمومية, انما يلغي التمايزات بين المجتمعات الغربية من جهة, وداخل كل مجتمع منها على حدة من جهة اخرى. على الرغم من انها تمايزات جوهرية, سواء على المستوى الثقافي او السياسي او الاجتماعي. وربما من اسباب عدم قدرة الخطاب العربي والاسلامي المعاصر في الوصول الى الرأي العام الاوروبي او الامريكي, ناهيك عن التأثير فيه, هو انه يلجأ بكثرة الى استخدام مصطلح الغرب, ويبالغ في تعميم المواقف والسياسات وردود افعالها. وبالمثل حين يتحدث الامريكي او الفرنسي او الايطالي او الالماني عن الشرق او الشرق الاوسط بصيغة التعميم, فانه لا يصل الى معرفة دقيقة او موضوعية. والحال ان اخذ هذه الاختلافات والتباينات بعين الاعتبار, انما ينم عن استيعاب صحيح لطبيعة المجتمعات, وفهم لخصوصياتها واهتماماتها, ومن ثم تأكيد الرغبة في التواصل والوصول اليها. وفي ذلك تسهيل للتخاطب والتفاهم. على ان الامر لا يتوقف عند هذا فحسب, حين ننظر الى اشكالية التعامل بين الجانبين. الواقع ان المنطقة العربية, قد خرجت من دائرة التنافس التاريخي مع العالم الغربي, وامكانية احياء المعادلات القديمة او شروطها, باتت عملية شبه معدومة. بل لم يعد التنافس (الديني او الحضاري) عملية ذات معنى في وقتنا الراهن. وهذه حقيقة ينبغي الاقرار والاعتراف بها ابتداء. وبدل التمسك بفرضيات قديمة انتهى زمنها, من الضروري تطوير فهم جديد لحقائق الوضع الدولي المعاصر. وهذا اول شرط لنجاح الاندماج في اطار هذا الوضع. اما الشرط الثاني, فهو تأمين جاذبية للخطاب العربي الاسلامي في توجهه نحو الاخرين. والمقصود بالجاذبية ان يكون عصريا ومتناغما (من ناحية الافكار واللغة والسلوك والتصورات العامة) مع المتطلبات الانسانية العامة. وضع ذلك في الوقت نفسه, في حالة تصادم او تناقض, وانما في حالة انسياب وتصالح مع العالم المحيط. والمؤسف اننا عاجزون حتى الان عن تطوير مثل هذا الخطاب. فالانظمة الديكتاتورية والسلطوية تملأ المنطقة العربية, وهي لا تنتج سوى الكوارث والمآسي, على جميع الاصعدة. واعلامنا لا يفعل سوى ترويج الافكار المختلفة والماضوية, فضلا عن الكم الهائل من الاسفاف والاستهتار بالبشر. وبالنتيجة فنحن لا نقدم شىئا, قادرا على جذب الاخرين, او نيل احترامهم وتقديرهم, او على الاقل دفعهم للاهتمام بما نقول او نفعل. ان ما تفعله كثير من الدول العربية الان, هو في الواقع طلب الشفقة, وتقدير حالة الضعف والانكسار التي تعيشها. والحال انه بدلا من الاستسلام للوضع الراهن, توجد اليوم فرص كبيرة للخروج منه, واعادة الحياة للروح العربية والاسلامية, بوصفها عنصرا ضمن عناصر الفسيفساء البشرية الكثيرة, وليست بديلا او مناقضة لأحد او ساعية الى الغائه او محاربته او الحلول في مكانه, ولكن هل نحن مستعدون لذلك حقا؟!