التعامل في السياسة الدولية له قواعده التي لا يجيدها الا من يملك مفاتيح معرفة الخصم في تلك المفاوضات, وايضا معرفة وضع موضوع التفاوض, وهو امر يتطور بتطورالزمن ولا يتوقف عند حد معين من التطورات التاريخية التي تطرأ على العلاقات الثنائية او المتعددة الاطراف بين الدول, وفي هذا يبدو ان معظم دول العالم الثالث متوقفة عند ما قبل قيام الدولة الحديثة, ولسنا في حاجة الى التدليل على ذلك, حيث تكفي نظرة واحدة على القضايا المصيرية المطروحة على الساحة الدولية, ومنها العديد من القضايا العربية لنعرف ان تقف معظم حكومات تلك الدول من خلال مواقفها التي تكشف عنها مفاوضات هنا او هناك, تتناول هذه القضية او تلك.يفسر البعض هذه المواقف من جانب بعض حكومات العالم الثالث على موائد المفاوضات الى انها تعود الى الوضع العام الذي لا يسمح لها باتخاذ مواقف (متشددة) في الوقت الذي لا تستطيع فيه ان تطالب بما لا تستطيع ان تحميه من الطرف الآخر في المفاوضات. وقد يرى البعض ان تخاذل مواقف بعض الحكومات في التفاوض مع اطراف غربية يعود الى افتقاد مناخ الحرية وغياب الديمقراطية في دول العالم الثالث, وربما هذا التفسير الاخير مردود عليه, ويمكن ان نضع امثلة لامكانية ان تقوم اي دولة تعيش مناخا سياسيا لا يختلف عن غيرها, ومع ذلك عندما تجلس الى مائدة المفاوضات تعرف بالضبط لماذا تجلس الى تلك المائدة, وتعرف مقدما الهدف من وجودها هناك, وتضع اولويات تفاوض عليها لتحقيق اقصى ما تستطيع, بادئة بالحد الاعلى (المرفوض) من الجانب الآخر, لتصل في النهاية الى الحد (الادنى) الذي لا تتنازل عنه تحت اي ظرف من الظروف حتى لو امتد زمن المفاوضات, وفي الوقت نفسه تمهد لتلك المفاوضات بما يضمن اجبار الطرف الآخر على تقديم التنازل بعد الآخر وليس العكس كما يحدث في العديد من القضايا العربية الوطنية. ربما المثال الذي تنطبق عليه تلك الصفة الاخيرة هي المملكة المغربية في مفاوضاتهامع دول اوروبا سواء منفردة او مجتمعة, وهذا ليس جديدا على الساحة الدولية, بل هو وضع معروف منذ زمن وتعرفه تماما الدول الاوروبية في تفاوضها مع الحكومات المغربية المتعاقبة خلال حياة الملك الراحل الحسن الثاني, ويبدو ان الملك الراحل وضع له قواعده في المغرب كدولة لان رحيله وتولي محمد السادس العرش لم يغير شيئا من هذاالوضع, بل على العكس تماما فان اوروبا بدأت تعرف ان الملك الجديد لن يقبل ما كان يرفضه والده, حتى لو كانت كل المؤشرات التي اعقبت جلوسه على عرش وطنه تدل على غير ذلك. كان الثلاثون من شهر نوفمبر الماضي الموعد المحدد لانتهاء اتفاقيات الصيد الموقعة بين المغرب والاتحاد الاوروبي, والتي تعتبر اسبانيا من اكبر المستفيدين منها نظرا الى ان اكثر من 90 في المئة من مراكب الصيد الاوروبية في المياه الاقليمية المغربية ترفع العلم الاسباني, بل ان معظم نشاط الصيد البحري في منطقة الاندلس الاسبانية يعتمد على العمل في المياه الاقليمية المغربية, نظرا لاقتراب تلك الشواطئ المغربية من موانئ الاندلس مقر معظم الشركات الاسبانية المسيرة لتلك السفن, ومع ذلك لم يتم البدء في الحوار بين المغرب واوروبا حول تجديد تلك الاتفاقية. لذلك كان الاول من ديسمبر الجاري من اسوا التواريخ التي مرت على نشاط الصيد في اسبانيا, لانه بحلول ذلك اليوم كانت جميع سفن الصيد الاسبانية راسية في مرابضها البحرية وبحارتها ينظرون الى الافق بحثا عن الاسماك التي تجري في هدوء على الشاطئ الآخر, لان البحارة الاسبان والحكومة الاسبانية يعرفون ان عدم البدء في المفاوضات قبل نهاية موعد نهاية الاتفاق الاول معناه ان المغرب تتفاوض من موقع القوة, ولا بد من النظر الى مطالبها بالجدية الكافية, لان كل يوم يمر دون التوصل الى اتفاق يكلف اسبانيا والاتحاد الاوروبي اموالا يمكن ان تزيد من تكلفة الاتفاقية النهائية. اسبانيا تقف بلا حول ولا قوة لها, لانها لا تستطيع ان تتخذ موقفا من طرف واحد في التعامل مع المغرب, لان المفاوضات حول تجديد اتفاقيات الصيد لا بد وان تتم من خلال المجلس الاوروبي, اضافة الى ان الحكومة المغربية لا تتعجل بداية التفاوض حول الاتفاقية الجديدة, بل ان رئيس الوزراء المغربي ابدى عدم رغبة المغرب في تجديد الاتفاقية, على الرغم من التقارب الكبير الذي حدث بعد رحيل الملك الحسن الثاني,وقيام الملك خوان كارلوس شخصيا بتقديم واجب العزاء للملك الجديد محمد السادس من خلال مشاهد مؤثرة في وسائل الاعلام, وبدلا من تليين موقف المغرب من مسالة الصيد,فان هذا زاد من صعوبة المفاوضات في رأي الجهات الرسمية الاسبانية.الحكومة المغربية تعرف تماما ما تريد, وهذه فرصة جديدة سانحة لتحقيق المزيد من المكاسب, اضافة الى المكاسب التي حققتها خلال اتفاقيات الصيد السابقة وغيرها من الاتفاقيات مع الاتحاد الاوروبي, قبل عقد واحد من الزمان كان عدد سفن الصيد الاسبانية العاملة في المياه الاقليمية المغربية الى ما يزيد على 800 سفينة, انخفض هذا العدد خلال الاتفاقية التي تسمح بالصيد في الفترة من 1992 الى 1995 الى 716 سفينة فقط, وخلال الاتفاقية الاخيرة التي انتهت مع نهاية نوفمبر الماضي انخفض هذا العدد الى 477 سفينة فقط. اضافة الى اجبار الاتحاد الاوروبي على اعتبار ان المياه المواجهة للشواطئ في منطقة الصحراء الغربية مياها اقليمية مغربية, مما اعتبرته المغرب اعترافا ضمنيا من جانب الاتحاد الاوروبي بسلطة المغرب في الصحراء الغربية حتى قبل الاستفتاء الذي يتم تاجيله من سنة الى اخرى. خلال الاتفاقيات السابقة لم تكن المغرب تطالب بخفض عدد السفن العاملة في مياهها الاقليمية فقط, بل كانت تضع شروطا اخرى تضمن لها العديد من المزايا في علاقاتها الاقتصادية مع جميع دول الاتحاد الاوروبي مجتمعة, فقد استطاعت الحكومة المغربية في الاتفاقيات السابقة زيادة المساعدات المادية التي كانت تحصل عليها من الاتحادالاوروبي من 100 مليون دولار في الاتفاقية التي انتهت عام 1995 الى 150 مليون دولار سنويا في الاتفاقية التي انتهت في الثلاثين من نوفمبر الماضي, اضافة الى حوالي 20 مليون دولار كعوائد لاستخدام السفن الاسبانية للموانئ المغربية.استطاعت المغرب ايضا ان تغير من تشكيلة العاملين على ظهر تلك السفن من خلال وضع شروط للصيد في مياهها الاقليمية تهدف الى تحقيق مزايا معينة للعمالة المغربية في هذا المجال, فقد استطاعت المغرب ان تزيد من عدد العاملين المغاربة على ظهر تلك السفن كشرط من شروط الاستمرار في الصيد في مياهه الاقليمية. ايضا فرضت المغرب على تلك السفن ان تقوم بتفريغ نسبة معينة من حصيلة الصيد في الموانئ المغربية وتصديرها من تلك الموانئ, وما يعني ذلك من مزيد من العمالة المغربية التي تستفيد من انشطة التفريغ والتعليب وغيرها من الانشطة المساعدة حتى يتم تصدير حصيلة الصيد مباشرة من الموانئ المغربية الى مناطق الاستهلاك. لم تقتصر الاستفادة المغربية من توقيع اتفاقيات الصيد السابقة على مجالات العمل في مياهها الاقليمية فقط, بل تعدى ذلك الى مجالات اخرى حيوية بالنسبة للانشطة الاقتصادية المغربية, مثل تصدير حاصلاتها الزراعية كالطماطم والحمضيات الى الاسواق الاوروبية, وذلك من خلال ازالة العديد من حواجز التصدير, وخفض الجمارك على تلك المحاصيل مما يجعلها منافسة قوية للمحاصيل الزراعية المثيلة في اسبانيا والبرتغال وفرنسا في الاسواق الاوروبية. في الاتفاق الجديد المقرر التفاوض حوله مع بداية العام الجديد رفعت المغرب مطالبها الى حد اعلى من ما حققته خلال مفاوضات الاتفاقية المنتهية, فالمغرب اعلنت منذ البداية عن نيتها طلب زيادة المساعدات المادية بنسبة حوالي 30 في المئة,اضافة الى زيادة نسبة المحاصيل الزراعية المغربية المصدرة الى اوروبا عن ما هي عليه الآن, وربما كانت تلك النقطة الاخيرة تعتبر من اكبر العقبات امام التوصل الى اتفاق سريع بين المغرب والاتحاد الاوروبي يسمح لسفن الصيد الاسبانية بمغادرة موانئها والعودة الى نشاطها المعتاد في المياه الاقليمية المغربية. الحكومة المغربية تعرف مدى صعوبة تحقيق هذا البند في مفاوضاتها مع الاتحاد الاوروبي, لان زيادة تصدير بعض المحاصيل الزراعية مثل الطماطم يضع الحكومة الاسبانية في مواجهة مع مزارعي الطماطم الاسبان, الذين بدأوا بالفعل في تهديد حكومتهم باتخاذ اجراءات عديدة اذا رضخت حكومتهم لمطالب المغرب فيما اسموه (السمك مقابل الطماطم) , لان الطماطم المغربية من نوعية جيدة ومطلوبة في الاسواق المحلية, اضافة الى قدرتها الكبيرة على منافسة الطماطم الاسبانية في السعر نظرا لانخفاض تكاليف انتاجها لرخص الايدي العاملة في حقول المغرب عن الايدي العاملة في الحقول الاسبانية. لكن الحكومة المغربية تعرف في الوقت نفسه ان العبرة بالموقف النهائي من مطالبها, ولانها تعرف ان الزمن على مائدة المفاوضات يلعب لصالحها, لان امتداد زمن المفاوضات حول مطالب المغرب يعني في النهاية المزيد من التكاليف بالنسبة للحكومات الاوروبية, لان كل يوم يمر دون الرضوخ للمطالب المغربية له ثمنه بالنسبة للحكومة الاسبانية والاتحاد الاوروبي, لانهما يدفعان معا ثمن مرابطة السفن في الموانئ بلا عمل من خلال تقديم مساعدات مالية لاصحاب تلك السفن وللعاملين عليها, اي ان ماترفضه من مطالب المغرب له ثمنه سواء على هذا الجانب او على الجانب الآخر.اضافة الى هذه المطالب, تذهب الحكومة المغربية هذه المرة الى ابعد من ذلك, حيث تعرض هذه المرة (روشتة) تضمن عدم تكرار التوقف عن نشاط الصيد في مياهها الاقليمية, وعدم تكرار المفاوضات الصعبة بين الجانبين, حيث تعرض الحكومة المغربية للتوصل الى حل نهائي لهذه القضية تكوين شركات صيد مشتركة برؤوس اموال اوروبية, وتضمن اوروبا بذلك استمرار النشاط بلا توقف. ولكن هذا يعني من جانب نهاية تكرار مشاهد المفاوضات الاوروبية المغربية, الا انه يضمن ايضا للمغرب نشاطا اقتصاديا جديدا يصب في المحصلة النهائية للاقتصاد المغربي, هنا تكمن قدرة المغرب التفاوضية من منطلق معرفة المصالح الوطنية الخاصة,لان الحكومة المغربية تعرف ان قبول اوروبا بالشركات المشتركة مع المغرب صعب, لانه يحقق مطامح مغربية اكثر من تحقيقه مطامح اوروبية, لكن لا يوجد طريق آخر امام نشاط الصيد الاوروبي, الذي بدأت تضيق في وجهه مناطق الصيد في المياه الدولية, والمياه المغربية تعتبر الاقرب مما يعني توفير في التكلفة.اذا كان الاتحاد الاوروبي يحاول الحفاظ على مصالح الدول الاعضاء فيه وبشكل خاص مصالح اسبانيا التي تمتلك الجزء الاكبر من اسطول الصيد الاوروبي, فان المغرب ينطلق في مفاوضاته من منطلق تبادل المصالح, مؤكدا على ان مصالحه الوطنية لها الاولوية, لذلك اذا لم يتمكن المغرب من تحقيق شركات الصيد المشتركة, فانه من المتوقع ان يتمكن المغرب على الاقل من تحقيق مبدأ (السمك مقابل الطماطم) . كاتب مصري مقيم في اسبانيا