اين وصل صراع القوى داخل مجلس الامن الدولي؟ حتى الآن انسلخت سنة كاملة على الجدال القائم بين الدول الخمس الكبرى في المجلس حول نظام جديد للعقوبات والرقابة بشأن العراق. ويتمحور الجدال حول مشروع بريطاني هولندي تؤيده الولايات المتحدة بينما تسعى الدول الثلاث الكبرى الاخرى , روسيا وفرنسا والصين, الى اجراء تعديلات عليه لصالح العراق. ووفقا لهذا المشروع يلغى السقف المفروض على الكميات النفطية التي يصدرها العراق في مقابل ان تقبل بغداد بلجنة جديدة لاستئناف التفتيش على اسلحة الدمار الشامل. لكن رفع القيود عن الصادرات النفطية ليس دائما فهو يخضع لفترة تجربة طولها ستة شهور قد تمدد وقد لا تمدد اعتماداً على تقارير لجنة التفتيش. ومن بين دول مجلس الامن الخمس عشرة تؤيد المشروع اجمالا 11 دولة (بينها بالطبع الولايات المتحدة وبريطانيا) علما بأنه لم يطرح بعد على التصويت الرسمي. ومما تخشاه بغداد ان المشروع سوف يجاز اذا لم تستخدم روسيا حق (الفيتو) لاحباطة. وقد كان يبدو للسلطات العراقية حتى وقت قريب ان موسكو مصممة على استخدام الفيتو لكن يبدو الآن انها ليست بذلك التصميم مما يرجح صحة الشائعات القائلة بأن موسكو ابرمت صفقة مع واشنطن تقضي بتخلي روسيا عن العراق مقابل ان تلتزم امريكا بموقف سلبي تجاه ما يجري في الشيشان. واذا ما اجيز المشروع العربي الذي تسانده الولايات المتحدة على هذا النحو وصار ساري المفعول فان قضية العراق تكون بالفعل قد صارت في حكم مصير مجهول لامد غير مسمى. ابتداءً يتضمن المشروع نصا يشترط ان رفع القيود عن الصادرات العراقية النفطية لا يبدأ الا بعد مضي ثمانية شهور ونصف الشهر من تاريخ سريان القرار لتبدأ بعد ذلك ستة شهور اخرى تتقرر بعدها الخطوة التالية في ضوء تقارير لجنة التفتيش عن الاسلحة. وقياسا الى اداء ومسلك لجنة التفتيش الدولية السابقة برئاسة رتشارد بتلر ومن قبله رولف إيكيوس فان الامل ضئيل ان لم يكن معدوما تماما في ان اللجنة الجديدة سوف تراعي الالتزام بالنزاهة والانصاف. فعلى بغداد اذن ان تتوقع ـ اذا قبلت القرار ـ انها سوف تكون موعودة بمسلسل جديد من المماطلات والتسويفات كلما تقدمت اللجنة بتقرير سوف يقول انه لم يحن الوقت بعد لاغلاق ملف اسلحة الدمار الشامل... وهكذا تواصل اللجنة ممارسة المماطلة والتسويف الى اجل غير مسمى. غير ان السلطات العراقية تعلن منذ الآن في اصرار وتصميم انها لن تلتزم بالقرار. فهي تطالب برفع شامل وكامل للعقوبات دون شروط وبناء على هذا الموقف فانها اعلنت ايضا انها لن تسمح للجنة تفتيش جديدة بدخول الاراضي العراقية في كل الاحوال. هذا الموقف المتصلب ربما يؤدي الى احباط تطبيق القرار الدولي على ارض الواقع... لكنه في الوقت نفسه سوف يهيىء لواشنطن ما ظلت تبحث عنه من ذريعة جديدة لشن هجوم عسكري كامل ضد العراق على غرار عملية (ثعلب الصحراء) قبل نحو عام من الآن. ولن يستطيع احد ان يتنبأ بالتداعيات التي ربما تتبلور بعد ذلك: هل ينتهي مشهد الشيشان بصورة او بأخرى فتعود موسكو الى مؤازرة بغداد بصورة كاملة؟ كيف يكون رد الفعل على الصعيد العربي... حكوميا وشعبيا؟ هل يطرأ تحول راديكالي على موقف كل من فرنسا والصين؟ لا توجد بالطبع اجابات حاضرة وناجزة على هذه الاسئلة المثيرة... هناك فقط شيء واحد في حكم المؤكد وهو ان العراق مقبل على مصير مجهول تماما.