لاشك أن انعقاد المؤتمر العشرين لدول مجلس التعاون الخليجي, يأتي في ظروف استثنائية بالغة الدقة والتعقيد, بسبب ما تعيشه الأمة العربية قاطبة من انهيارات وانتكاسات طالت كل مناحي الحياة نتيجة الجفاء وعدم التخطيط والصراعات البينية التي غيبت العمل العربي المشترك على كل المستويات, والتي ضربت بكل ما تحمله الكلمة من معنى, الأحلام العربية بل والآمال العربية. وفي ظل مرحلة يشهد العالم حركة محمومة ومتسارعة باتجاه بناء التكتلات الاقتصادية, والأحلاف السياسية والعسكرية والأمنية, وفي ما يسمى بالنظام العالمي الجديد, الذي يمثل في حقيقة الأمر شكلاً من أشكال الأوامر الخارجية, والشروط المذلة الجديدة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية, ومظلتها الأوروبية والمؤسسات الدولية المفرغة من محتواها, مثل هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي, التي تعمل هذه الأيام لخدمة التوجهات الأمريكية في العالم. والحقيقة أنه إذا تعذر هذه الأيام بسبب الاملاءات الخارجية والضغوط الهائلة على بعض أطراف النظام العربي لملمة الشمل, فالواجب يملي على البعض الآخر, اتخاذ خطوات جادة, علها تغطي جانباً من العجز وتشفي شيئاً من الوهن المتحكم بجسد الأمة العربية, والمتمثل بالفهم القطري الضيق الذي لا يكاد يرقى بوعيه وسلوكه إلى المستوى الاقليمي والذي يعتبر أقل الايمان, ولابد لنا من كشف الحقيقة أو قولها والأمر سيان, والتي تعتبر غاية في الأهمية, أنه بظل مناخ التحديات المحيطة بالدول الخليجية لا تزال هذه الدول قادرة على تأكيد ارتباطها بمجلس التعاون الخليجي, ومن ثم ارتباط المجلس بالنظام العربي وعدم رغبته في التخلي عنه, على عكس الكثير من التوقعات والتكهنات التي رأت في أزمة الخليج الثانية ونتائجها الكارثية, بداية تخلي دول المجلس عن النظام العربي. وقد أظهرت السنوات السابقة من خلال الآليات الخليجية في إطار المجلس وعلى مستوى الدول المنضوبة تحت لوائه, عجز التجمعات العربية الأخرى وترددها في اتخاذ خطوة ترقى إلى ما وصلت إليه تجربة مجلس التعاون. خاصة وهو يبحث اليوم على تثبيت شخصية دولية لها خصائصها المميزة, والتي تسعى بتجاوز النزعة القطرية, لتثبيت الشكل الاقليمي المتضمن جملة الأبعاد الاقتصادية والسياسية والعسكرية الامنية في الاطار العربي, ولا نغالي القول إذا ما اعتبرنا أن فكرة الاندماج الاقتصادي ومحاولات التكامل الثنائية والجماعية للدول الست, أنها تشكل جزءاً مهما من المساعي الوحدوية للخليج العربي, وتعد وسيلة للحد من تقييد التجارة البينية بين دول الخليج ولتعزيز مركز دول مجلس التعاون الخليجي من حيث مواجهة الشروط الخارجية, وتقوية موقفها في التعاطي مع الخارج الذي ينظر لها على أنها بقرة حلوب (بئر بترول, وحقل غاز) ليس إلا. والأهم بالأمر, أننا يجب أن ننظر إلى هذه الخطوة على أنها خطوة مهمة بالاتجاه الصحيح, تخفف من درجة التبعية الاقتصادية للمراكز الخارجية, واتي ستخلق حالة من التعاون المبني على أساس التبادلية المتوازنة وتبادل المنافع واحترام المصالح معها, وعلى قدم المساواة, وليس الانصياع لأوامرها والرضوح لمشيئتها وإرادتها, ولابد من الاشارة إلى أن الاندماج الاقتصادي للاقتصاديات الخليجية هو الأقرب للتحقيق, نظراً لعدم التمايز بينها, أي التشابه الكبير الذي قد يصل حد التطابق في بعض جوانبها, وهذا بحد ذاته ميزة ايجابية تسهل عملية الاندماج, ومقارنة بالتجربة الأوروبية فان عوامل الالتقاء بين دول مجلس التعاون الخليجي على كل المستويات تفوق بما لا يرقى إلى الشك عوامل الالتقاء الأوروبية, خاصة وأن الشعوب الأوروبية تنتمي إلى قوميات وأعراق ولغات وإلى أصول مختلفة, بعكس أبناء دول مجلس التعاون الخليجي الذين ينتمون إلى أسرة واحدة لا تنفصم عراها حتى في أقل السلوكيات والأخلاقيات العامة والخاصة منها. والحقيقة التي لابد من التطرق لها أننا قد نسمع من هنا أو هناك أقاويل وتفسيرات واجتهادات, تقلل من حجم الخطوة, باعتبارها حبرا على ورق, لأنها أجلت كل المشاريع المدرجة على جدول أعمالها إلى ما بعد سنة ألفين بسنوات وأنها قد تتجاوز عقدين من الزمن. وهنا لابد لنا من القول أن الخطوات المنهجية الجادة نحو إنجاز عمل موحد غالباً ما تقوم على أساس من الدراية والدراسة والحكمة, ومثالنا على ذلك أنه غالباً ما كانت تمنى المساعي العربية من هذا النوع بالفشل الذريع الذي يقطع الطريق على هذه الخطوات, أو يؤدي إلى وأدها وهي في حالة جنينية وهذا قد يرد عليه ببساطة متناهية وبلا شديد عناء, وهو أن الخطوات والأهداف والشعارات التي ترفع كبيرة جداً, بحيث لا يمكن تجسيدها أو تنفيذها على أرض الواقع لتصبح حقيقة ماثلة للأنظمة وللشعوب, لاسباب كثيرة لسنا في هذا المقام بمعرض عرضها أو تعدادها. في حين نجد أن الاتحاد الأوروبي تابع مساعيه بطريقة منهجية سواء لجهة رفع مستوى الكفاءة, أو التنسيق, أو التكامل, وظل البعض منا لوقت قريب ينظر للخطوات الوحدوية الأوروبية على أنها قضية بعيدة المنال ولا يمكنها الوصول إلى نهايات مرضية وأن كل الخطط المطروحة مجرد شعارات مناورة تهدف إلى اعادة الاعتبار لدور أوروبا المفقود أو المجزوء أو المهيمن عليه من قبل المركز الممثل بالولايات المتحدة الأمريكية, والهدف من كل هذه الشعارات, اناطتها بدور أكبر مما هو عليه على المستوي الكوني. لكن الواقع بدا غير ذلك حيث خطى الأوربيون الخطوات الأساسية باتجاه الاندماج الذي سيحقق لهم أهدافهم على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ونحن لسنا أقل شأنا منهم فإذا ما تابعنا السير بخطوات مدروسة ومحسوبة, صادقة النوايا, بهدف الاندماج سيتحقق لنا هذا الحلم, الذي سيجني ثماره أبناء الأمة العربية قاطبة وليس أبناء الخليج العربي وحدهم, فأنها ستكون خطوة استثنائية لتحفيز الوحدات العربية الأخرى على المستوى الإقليمي للسير قدماً على خطى الاندماج الخليجي, الذي بدوره سيسهل ايجاد صيغ وحدوية فيما بين العرب, وسيخفف بالأساس من حدة التناقضات القائمة بأنماط وأشكال الانتاج والفوارق الطبقية والاجتماعية ومن ثم سيعكس نفسه وبشكل ميكانيكي على مجمل الخلافات السياسية التي تنهش جسد الأمة وتباعد بين أقطابها الأساسية الفاعلة بشكل إيجابي وفاعل, وسنكون فعلاً أمام استكمال حلقات التكامل والتنسيق في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والعسكرية على المستوى الخليجي أولا والعربي ثانياً. وبهذه الخطوات وغيرها سنخرج من إطار التبعية التي تنطوي علي تقييد الإرادة الوطنية والقومية, التي غالباً ما عملت على الحد من قدراتنا وابداعاتنا باتجاه انعتاقنا على كل المستويات الحياتية القريبة والبعيدة. كاتب فلسطيني مقيم بدمشق