يكاد لا يمر يوم دون ان تقع عيوننا أو تلتقط آذاننا شيئا (ما) حدث في الولايات المتحدة, ودائما ما يكون هذا الشيء أو الحدث مدهشا أو خارقا, كأن يستعد طفل الرابعة عشرة لدخول الجامعة بمعدل ذكاء لا يمكن قياسه, أو يتوصل العلماء هناك لاكتشافات فارقة بطريقة (التلاعب) بهندسة الجينات أو ما يعرف بالهندسة الوراثية, أو بتحقيق معدلات ضخمة لعوائد التجارة, وخفض البطالة وارتفاع معدلات النمو, ودخل الفرد, ثم جاءت حكاية محاكمة الرئيس كلينتون أمام العالم لتضع الشعب الأمريكي في مقدمة الشعوب استحقاقا للاحترام والتقدير والاعجاب, فما من شعب يضع مؤسسة الرئاسة في هذا الموقف الا اذا كان شعبا غير عادي على الاطلاق. ومن هنا استقر في وجدان الجميع اسطورة اخرى لشعب مختار آخر غير هذه (العصابات) المجاورة لنا في شرق المتوسط على أرض الاسراء. وبرغم صحة الحكايات التي تصلنا من هناك, الا ان قضية الدهشة نصطنعها نحن في دواخلنا نتيجة احساسنا بالنقص او القصور تجاه الآخرين, ذلك ان امورا كثيرة يقال لنا بأنها خارقة وعظيمة ومدهشة, لا نراها كذلك عندما نشاهدها على أرض الواقع. لقد سأل أحدهم كاتبا معروفا بكثرة أسفاره بعد عودته من رحلة له الى أمريكا الشمالية عن أغرب مشاهداته في نيويورك, وكان ذلك الكاتب هو (عبدالسلام العجيلي) فأجاب بأن أغرب ما اكتشفه هناك ان متوسط طول قامة الرجل لا يتجاوز المائة والسبعين سنتيمترا تماما كما هو عليه الحال في الكثير من مدن الدنيا! فما كان من السائل سوى ان تساءل مبتسما: وأية غرابة في ذلك؟ ولم يكن الكاتب يمزح أو يصطنع جوابا. ان الغرابة ليست في الملاحظة التي أبداها الكاتب, فهو يريد ان يقول بأنه ذهب الى هناك مملوءا بشعور الذاهب الى ارض اصحاب المعجزات الذين يسكنون أعلى ناطحات السحاب ويديرون أضخم اسواق المال و.. اذن فيجب ان يكونوا عمالقة! لكنه وجدهم أناسا عاديين تماما, وان الذي أثار اهتمامه ودهشته ليس كل ما تحويه نيويورك من شواهق ومنجزات وحركة ورقي ومنتجات, وانما الذي ظل مستقرا في ذهنه وهو على علو (450 مترا) على سطح بناية (الامباير ستيت) ذات الطوابق الـ ,102 مشهد تلك الكنيسة التي تسمى (الكنيسة الصغيرة حول القرنة) . لقد أثار دهشة الكاتب منظر دار العبادة هذا الملتصق بالارض وسط غابات الشواهق والاسمنت, وقد لاحظ انه في كل مكان تذهب اليه يدهشك ان أكثر الاماكن امعانا في التواضع والصغر هي دور العبادة التي تمعن في تواضعها كلما أمعن البشر في التضخيم من منازلهم ومنشآتهم عكس ما كان سائدا في السابق حينما كانت القباب والمآذن ونواقيس الكنائس هي أول ما يطالع الانسان عندما يدخل المدينة حتى جاء من غير الاحوال وقلبها. وبما اننا في بداية رمضان, هذا الشهر الذي لا نحتاج لأحد لأن يكرر علينا انه شهر العبادة والتقرب لله, الا أن العجيب ان اكثر من يكرر ذلك وفي كل لحظة هي محطات التلفزيون والفضائيات, وهي أكثر ما تغتال هذه العبادة وهذا القرب, حيث يتضاءل كل ما يتعلق بذكر الله فيها امام طوفان البرامج والفوازير والمسلسلات, تماما كما تضاءل حجم دور العبادة أمام ناطحات السحاب!