رمضان هذا العام استثنائي في التاريخ, فهو يجمع بين عامين هما عامنا الحالي 99 وعامنا المقبل 2000, كما انه آخر رمضان في القرن الحالي العشرين, وأول رمضان في الوقت نفسه في القرن المقبل الواحد والعشرين, اذا اعتبرنا بداية هذا القرن عام 2000 الذي يطل علينا من خلف الأبواب يستأذن الدخول . مع ذلك فهناك أكثر من رمضان تاريخي بالنسبة للعرب والمسلمين, لعل أبرزها على الاطلاق رمضان موقعة بدر الشهيرة في صدر الاسلام, والتي انتصر فيها المسلمون في أول مواجهة لهم مع الكفار, فكانت البداية القوية لتمكين الدعوة من الانتشار, ثم هناك رمضان حرب اكتوبر 73 في قرننا المعاصر التي انتصر فيها العرب على اسرائيل فحطموا بذلك اسطورة القوة التي لا تقهر واستعادوا ثقة بالنفس مفقودة قبل هذا التاريخ. وهناك طبعا عشرات من الأحداث المهمة بالنسبة للعرب والمسلمين وقعت في رمضان وشكلت مفاصل تاريخية بالنسبة لهم, مما نعتقد ان كتابات كثيرة لمؤرخين ومفكرين اسلاميين قد تناولتها, اعتقد شخصيا ان التذكير بها باستمرار واعادتها إلى الذاكرة بين حين وآخر خاصة في شهر رمضان الكريم, فيه ما يخدم المسلمين وثقافتهم, خاصة الناشئة منهم, وفيهم من يعتقد اليوم ان رمضان مجرد مسلسل تلفزيوني وخيمة رمضانية وشيشة, وفي أحسن الأحوال, هو صلاة تراويح, لا شهر كفاح ونضال وانتصارات على النفس والأعداء, وشهر تذكر وتفكر وتأمل وإصلاح. الذكرى طبعا تنفع المؤمنين في كل وقت, هذا إذا كان هناك مؤمنون حقا, وإلا فغير المؤمنين لا شيء ينفعهم غير أنني أترك المؤمنين وغير المؤمنين الذين لا شأن لهذه الزاوية بهم أكثر من دعوة الجميع إلى الهداية والصلاح والمجادلة بالتي هي أحسن, وأعود إلى رمضان وخواطر سريعة, منها ان رمضان هذا العام يهل علينا مريحا سهلا من أوله, فهو بدأ في عطلة أسبوعية مدتها يومان هما الخميس والجمعة, ما يتيح للصائمين بروفة ناجحة على الصيام, لأنهم سيقضون يومين في بيوتهم لا في أعمالهم, فيكون الواحد منهم قد تمرن على الهدوء والجوع استعدادا للعمل غدا السبت, فلا تفلت أعصابه ويضيق صدره فيتبرم من المراجعين والمتعاملين معه. ثم ان جونا بديع وخرافي مع تباشير شتاء حلو, حيث لا حرارة ولا عرقا ولا عطشا, مما يساعد على الصيام يومين متتاليين لا يوم واحد, غير أننا لا نريد المزايدة, فيكفي الصوم يوما بيوم كما هو مفروض علينا, فيكون الصوم كله هذا الشهر مريحا, لأنه مع الجو البديع هناك النهار القصير, ما يجعل رمضان آخر القرن استثنائياً أيضا في الراحة واليسر. غير ان النهار, إذا كان قصيرا في رمضاننا هذا العام, فالليل طويل, وهو ميزة أخرى مهمة إذا كان الصائم سوف يقضيه في القراءة والعبادة والصلاة وزيارة الأرحام والأقارب, فيحقق من رمضان فوائد جمة, لولا ان الخوف كما جرت عادة السنوات الأخيرة, ان يقضي أكثرنا الليل الطويل متنقلا من خيمة إلى أخرى ومن مسلسل تلفزيوني إلى برنامج هايف آخر, ومن مركز تجاري إلى غيره, فالليل في رمضان صياعة في صياعة, من حيث لا يليق بالشهر الكريم ولا بمعانيه العظيمة. ونختم بأنه إذا كان رب العالمين سبحانه وتعالى يمسك الشياطين في شهر رمضان لحكمة فيختفي هؤلاء عن طريق البشر, فلماذا لا يمسك البشر أنفسهم بالمقابل عن طريق الشيطان فيذهبون إليه ركضا في الليل, من خيمة رمضانية إلى أخرى ومن محطة فضائية هايفة إلى غيرها, وما خفي أعظم؟ مجرد سؤال بريء والله من وراء القصد. .. وكل عام ورمضان بخير.