ان القبول الفكري والتقبل النفسي لمبدأ المواطنة يعتبران بحق نقطة البداية في عملية التحول الديمقراطي, وبحكم هذه الاهمية نال مفهوم المواطنة مكانة بارزة في الجدل الدائر بين مختلف التيارات الفكرية والقوى السياسية في الدول العربية, منذ مطلع عصر النهضة واستحسان العرب والمسلمين لنظم الحكم الديمقراطية(بنسعيد 1989: 139 ـ 171)ومما يؤسف له حقاً ان الحوارات التي جرت حتى الآن ـ على الرغم من أهميتها ـ ما زالت تراوح في مكانها, معزولة وعاجزة عن تنمية فهم مشترك افضل, يسمح بانتشار القبول الفكري والتقبل النفسي لمبدأ المواطنة الكاملة غير المنقوصة لدى مختلف التيارات والقوى التي يتكون منها مجتمع كل دولة عربية حديثة, هذا بالرغم من اختلاف الأسباب المعرقلة لقبول مبدأ المواطنة في كل دولة عربية وفي كل فترة زمنية. ولعل القاء نظرة على معظم الدول العربية وعلى طبيعة مصادر السلطة التي تمارس الحكم بموجبها تبين لنا تداول السلطة سلمياً وفق ضوابط دستور ديمقراطي تعاقدي يحترمه الجميع في كل وقت. وفي تقديري ان احد اسباب غياب الديمقراطية في الحياة السياسية العربية يعود الى قصور مقاربات التيارات الفكرية لمبدأ المواطنة, فقد ادى ذلك القصور ـ الى جانب عوامل هامة اخرى ـ الى اعاقة الوفاق بين الحركات والاحزاب التي تنشد التغيير, وعطل بالتالي امكانية تنمية طلب مجتمعي فعال على عملية التحول الديمقراطي في الدول العربية, واعاق بروز حركة دستورية ديمقراطية, تجد فيها جميع التيارات الفكرية والحركات السياسية التي تنشد التغيير مجالاً للانخراط في النضال السلمي لقد ادى غياب الفهم المشترك الافضل لمبدأ المواطنة لدى الافراد والجماعات الى فرقة بينها, كما ادى الى تشتيت جهود القوى التي تسعى الى وضع حد للاستبداد المزمن في الحياة السياسية العربية. لقد طال الزمن بالاستبداد وهيمن التسلط على مقدرات الشعوب العربية واستشرى الفساد وتآكلت الارادة الوطنية, ومع ذلك كله ما زالت التيارات الفكرية والحركات السياسية المعارضة عاجزة عن تقديم بديل وطني عن نمط الحكم المستبد المتسلط, والذي أصبح لازمة لبعض الدول بالرغم من تغيير السلالات والنخب الحاكمة, بل ان عزلة كل من التيارات الفكرية والقوى السياسية التي تنشد التغيير عن بعضها قد ادى بكافة التيارات الفكرية التي وصلت الى الحكم او جرى الحكم باسمها ـ من قوميين وماركسيين واسلاميين وليبراليين ووطنيين عامة ـ الى تقديم نماذج من نظم الحكم التي تقوم على الاقصاء والاستبعاد وتنزلق تدريجياً ـ بالرغم من حسن النوايا ـ الى نمط الحكم المستبد المتسلط تحت غطاء وشعارات تنكر بالنتيجة مبدأ المواطنة وحكم الكثرة وتسعى الى ترسيخ حكم الفرد او القلة من الناس. وبالرغم من قصور مقاربات مبدأ المواطنة عن بلورة مفهوم جامع, فقد شغل مبدأ المواطنة خاصة والديمقراطية بشكل عام مساحة من الحوارات التي جرت بين مفكرين وباحثين وممارسين للعمل السياسي في البلاد العربية, ومنها حوارات تمت حديثاً بين منتمين للتيار الاسلامي (التميمي 1997: 1 ـ 246) كما كان المؤتمر القومي الاسلامي الاول اضافة الى الندوات التي اسست لفكرته, مثل ندوة أزمة الديمقراطية عام 1982 وندوة العروبة والاسلام عام 1980 وندوة الحوار القومي ـ الديني عام ,1988 مناسبة من المناسبات التي اعيدت فيها اثارة مبدأ المواطنة الكاملة وطرحت تساؤلات مشروعة حول امكانية وضعه موضع التطبيق في الحياة السياسية العربية, ولكن ـ مع الأسف ـ مرت مداخلات الأب انطوان ضو والشيخ زهير الشاويش والشيخ يوسف القرضاوي (المؤتمر القومي ـ الاسلامي الاول 1995: 271 ـ 281) كغيرها من المداخلات التي تناولت هذه القضية, دون ان تقرع جرساً فقد جرى تناول تلك القضية بسرعة دون ان يؤدي النقاش الى وضعها على اجندة الحوار القومي ـ الاسلامي بهدف الوصول الى مفهوم جامع مانع ينال القبول الفكري والتقبل النفسي المطلوب لوضع مبدأ المواطنة موضع التطبيق, واعتباره مصدر الحقوق ومناط الواجبات في الدول العربية الحديثة. لقد جرى طرح القضية وجرى تناولها كما يجري طرح مبدأ المواطنة والرد عليه في الحوارات العربية ـ العربية منذ زمن رفاعة الطهطاوي واديب اسحاق (الدوري 1981: 31 ـ 40) وبذلك بقيت مشكلة تحديد مفهوم مبدأ المواطنة مشكلة سياسية او اشكالية دينية قائمة ومؤجلة ما زالت تنتظر مقاربتها بهدف الوصول الى مفهوم جامع لمبدأ المواطنة تؤسس عليه الحياة السياسية في الدولة العربية الحديثة ويفتح الآفاق لعملية التحول الديمقراطي. مبدأ المواطنة ان مبدأ المواطنة الكاملة مفهوم سياسي معاصر, صاحب بروز الدولة الحديثة وشكل حجر الزاوية في عملية بناء انظمة الحكم الديمقراطية الراهنة, وينطلق مبدأ المواطنة من اعتبار رابطة الشراكة في الوطن دون غيرها من الروابط الانسانية الهامة الاخرى, مثل الاخوة في الدين او المذهب او الرابطة القومية, مصدر حقوق المواطن ومناط واجباته في الدولة الوطنية الواحدة, ويؤكد مبدأ المواطنة في الدرجة الاولى على المساواة السياسية بين المواطنين واهليتهم الدستورية لتقلد المناصب العامة, ويبدأ العمل بمبدأ المواطنة عندما يتم الاعتراف به للكثرة polarchy من المواطنين دون وجود تمييز ديني او عنصري. كما تندرج ممارسة حقوق المواطنة من مجرد المساواة القانونية الى المساواة الحقيقية عندما يمتلك المواطن مصادر المشاركة السياسية على ارض الواقع, وذلك عندما يمكن النظام السياسي والاجتماعي تدريجيا كل مواطن من الحد الادنى من الدخل والثروة والمعلومات البديلة والمكانة الاجتماعية والثقافية التي تحرر ارادته وتسمح له بالمشاركة على قدم المساواة مع غيره في عملية اتخاذ القرارات الجماعية الملزمة (dahl 1989. 106 - 130). ومن هنا فان اقرار مبدأ المواطنة والعمل به يحول جميع المواطنين تدريجيا من مجرد رعايا منفذين صاغرين لإرادة فرد او قلة من الناس تدعي الوصاية على الآخرين, الى مرتبة المواطنين الاحرار المشاركين في الحياة السياسية والمساهمين من خلال الممارسة الديمقراطية في عملية اتخاذ القرارات الجماعية الملزمة, يتمتع كل مواطن منهم من حيث المبدأ بحقوق سياسية ووضعية قانونية متساوية كاملة غير منقوصة بسبب العنصر او اللون او الجنس او اللغة او الدين او المذهب او الرأي. ولعل هذه المساواة الكاملة غير المنقوصة في الحقوق السياسية والوضعية القانونية بين المواطنين في الدولة الحديثة, هي التي اكسبت هذا المفهوم السياسي مكانته المركزية في عملية التحول الديمقراطي. وذلك بعد ان اتاح قبوله فكريا وتقبله نفسيا من قبل التيارات الفكرية والقوى السياسية الفاعلة فرصة لقيام سلم اجتماعي, واصبح من الممكن بالتالي السيطرة على مصادر الصراعات المدمرة بسبب الاقصاء وما يؤدي اليه من حروب اهلية. لقد اعادت الانسانية اكتشاف مبدأ المواطنة ووسعت رقعته ووفرت الضمانات والآليات للممارسته, بعد ان ذاقت مرارة نظم الحكم غير الديمقراطية عبر العصور وتحت المسميات المختلفة. وبذلك انفتح للشعوب في الدول الديمقراطية الحديثة, نتيجة اعمال مبدأ المواطنة, مجال العمل السياسي الرحب واصبح من الممكن ادارة اوجه الاختلاف في الرأي وفي المصالح سلميا بين الافراد والجماعات داخل الدولة الواحدة. وقد كان مثل هذا القبول الفكري والتقبل النفسي لمبدأ المواطنة, حسب قول عالم الاجتماع روبرت مكيفر في كتابه الهام حول تكوين الدولة, (حجر الزاوية (للنظام) الديمقراطي في اوروبا الغربية) . وقد ارجع مكيفر قبول مبدأ المواطنة في اوروبا الى الحالة التي اوجدها تنوع الشيع الدينية وما ادت اليه من اذكاء الفتن فيما بينها, واستمرار تلك الفتن دون حل حتى (بلغت حدا من الشدة حمل الناس على ان يقبلوا, لو ببطء وتردد, ان يتجاوزوا الاعتقاد الديني الى مبدأ المواطنة, وان يسلموا بمبدأ آخر, وهو ان الاختلاف في العقيدة الدينية لايحول دون الانتساب لمواطنية مشتركة) . (مكيفر 1966 : 228 - 229). المقاربات المطلوبة ان نقطة البداية في اقرار مبدأ المواطنة تتمثل في التسليم بان الشعب مصدر السلطات, وان لكل مواطن, دون استثناء بسبب العنصر او الدين او المذهب او الجنس اضافة الى حقوق الانسان, حق الانتخاب والترشيح وتقلد المناصب العامة في موطنه, وهذا التسليم مطلوب من الحاكم والمحكومين على حد سواء حتى يتم استقرار مبدأ المواطنة في الحياة السياسية, وفق مبادىء ومؤسسات وآليات دستور ديمقراطي. وجدير بالتأكيد ان اول ما يميز الدستور الديمقراطي عن غيره من الدساتير والنظم الاساسية, هو انه ليس منحة من الحاكم يصدره بارادة منفردة ويعدله متى اراد, وانما هو عقد مجتمعي حقيقي يتم وضعه من خلال جمعية تأسيسية منتخبة انتخابا عاما حرا ونزيها. كما يجب ان تكون وثيقة الدستور الديمقراطي وثيقة وفاق وطني ارادي, قادرة على تأسيس نظام سياسي قابل للتطوير ومتمكن من معطيات الاستقرار. ومن هنا فان الدستور الديمقراطي لايضيره ان يتم تقييد الممارسة الديمقراطية دستوريا, طالما قام الدستور على اساس مبدأ المواطنة الكاملة المتساوية وارتكز على المبادىء الديمقراطية الخمسة التالية: 1ـ لا سيادة لفرد ولا لقلة على الشعب. 2ـ سيطرة احكام القانون. 3ـ عدم الجمع بين السلطات. 4ـ ضمان الحقوق والحريات العامة. 5ـ تداول السلطة. ولذلك فان الدستور الديمقراطي في تقديري يمكنه ان يقيد الممارسة الديمقراطية باحكام الشريعة الاسلامية على سبيل المثال, الأمر الذي يلبي اشتراط الدكتور أحمد كمال أبو المجد فيما يخص اتخاذ الشريعة الإسلامية أساسا أو مصدراً للتشريع مقابل إقرار ضرورة التسوية بين المواطنين في الحقوق المدنية والسياسية (أبوالمجد 1992:17, ويبقى بعد ذلك ان يتم ـ من وجهة نظري ـ الاتفاق على أمرين جوهريين: أولهما المقصود بالشريعة الإسلامية وتحديد مصادرها, وثانيهما: ان يكون القيد على المشرع قيدا دستوريا تفصل فيه محكمة دستورية مختصة. وإذا كانت مقاربة مبدأ المواطنة هي السبيل إلى بلورة طللب مجتمعي فعال وتنمية حركة ديمقراطية, سواء كان ذلك ملكية دستورية أو جمهورية ديمقراطية, ولذلك يمكن القول ان المقاربات المطلوبة لمبدأ المواطنة من قبل التيارات الفكرية والقوى السياسية التي تنشد التغيير, ليست هي العقبة الوحيدة أمام اقرار مبدأ المواطنة, وان كان التوصل إلى تلك المقاربات كفيلا بايجاد المناخ وتنمية امكانيات العمل الوطني المشترك من أجل تعزيز المساعي الديمقراطية. ان الوضع العربي الرسمي الراهن لا يقر مبدأ المواطنة, ولعل نظرة على الدساتير والنظم الأساسية المطبقة في الدول العربية اليوم فضلا عن الممارسة الفعلية, تشير إلى افتقار معظم الدول العربية إلى دساتير ديمقراطية. فمعظم الدساتير المعمول بها هي دساتير منحة لا تلتزم بمبادئ الدستور الديمقراطي, أو أنها دساتير معطلة بقوانين الطوارئ المزمنة. ولعل ظاهرة تعديل الدساتير من أجل مد فترات رئاسية والاستفتاءات أو الانتخابات ذات النتيجة المعلومة مسبقا والتي شهدتها عدد من الجمهوريات العربية في السنوات الأخيرة إلى جانب الكثير من الممارسات غير الدستورية تبين الطابع الفردي لنمط الحكم السائد في الدول العربية. ومن هنا تصبح مسئوليات التيارات الفكرية والحركات السياسية التي تنشد التغيير مسئولية تاريخية, يتطلبها التخلص من استمرار نمط حكم الاستبداد والتسلط الذي طبع الحياة العربية, كما تفرضها متطلبات الوفاق الوطني الذي سوف يهيىء للشعوب العربية إذا تم التوصل إليه, فرص النضال السلمي الفعال من أجل تأسيس نظم حكم ديمقراطية مستقرة. ركائز جوهرية وحسب تقديري ان أهم المقاربات المطلوبة لاقرار مبدأ المواطنة الكاملة ومراعاته في الحياة السياسية, تتركز أساسا في ثلاث قضايا جوهرية تتطلب التوافق حولها: أولاها: حق الانتخاب والترشيح لكل المواطنين البالغين. وثانيتها: حق تقلد المناصب السياسية والقضائية أو ما يطلق عليه في الفقه الإسلامي الولاية أو الولاية العامة. والثالثة: وجود تداول السلطة في خلال انتخابات دورية حرة ونزيهة. كما ان المقاربات المطلوبة لمراعاة مبدأ المواطنة تمس أوضاع ثلاث فئات كبرى من المواطنين في البلاد العربية. أولاها: المرأة. وثانيتها: غير العرب أو الذين لا تمثل اللغة العربية اللغة الأم بالنسبة لهم, ويقدرون بنسبة 15% من مواطني الدول العربية, هذا مع وجود اختلافات كبيرة بين دول عربية وأخرى وبالتالي حدة المشكلة نسبيا. ثالثها: غير المسلمين, وغير المسلمين السُنّة في الدول العربية, وغير الموارنة في لبنان, ويقدر غير المسلمين في الدول العربية بحوالي 10% من المواطنين, أما غير السنة من المسلمين فيقدرون بحوالي ربع المسلمين أو حوالي 20% من المواطنين, هذا مع اختلاف التركيب الديني والمذهبي بشكل كبير من دولة عربية إلى أخرى. وبذلك فإن المسلمين العرب من السُّنة يقدرون بحوالي 60% من مواطني الدول العربية ينتمون إلى مناطق وطوائف وقبائل وحرف, ويتوزع المفكرون والحركيون منهم مثل غيرهم من مفكري وحركيي بقية الفئات على مختلف التيارات الفكرية والحركات السياسية المتعددة, بنسبة تختلف من بلد إلى آخر, ومن آن إلى آخر. ان هذا التنوع يتطلب الاعتراف به وتحويله إلى مصدر إغناء في الدولة العربية الحديثة, وهذا لا يتأتى إلا إذا أقر مبدأ المواطنة الكاملة غير المنقوصة, وتم العمل به وأتيحت الفرصة الواقعية لعملية الاندماج الوطني وأرسيت أسست الوحدة الوطنية في كل دولة عربية. وذلك باقرار مبدأ المواطنة الكاملة, بصرف النظر عن العنصر واللغة أو الدين أو المذهب أو الجنس. إن ارساء أسس عصرية عادلة للوحدة الوطنية اليوم في ظروف ضعف العرب والمسلمين واختراق ثقافاتهم وانكشاف أمنهم, تمثل إلى جانب ذلك مصلحة بل ضرورة وطنية وقومية ودينية عاجلة من أجل سد الذرائع على محاولات تفكيك مجتمعات الدول العربية وتأجيج أسباب الصراعات المدمرة, تحقيقا للاستراتيجية الصهيونية واستمرار أسباب التخلف ومنها تخلف نظم الحكم في الدول العربية. ولذلك كله أدعو كل المعنيين بالتحول الديمقراطي إلى وضع مبدأ المواطنة على جدول حواراتهم, وان يقوم كل الديمقراطيين من مختلف التيارات الفكرية بالتصدي لهذه القضية حتى يتم التوصل إلى مقاربة كافية شافية لمبدأ المواطنة, ان كافة منتديات وتجمعات الفكر والحوار في البلاد العربية, مطالبة بالمشاركة الفعالة من أجل الوصول إلى المقاربات المطلوبة وترجمتها الى نصوص دستورية او ربما وثيقة تسمى (حقوق المواطن في الدول العربية) , تمهيداً لتبني تلك النصوص والقيام بالدعوة الى تطبيقها من قبل التيارات الفكرية والحركات السياسية التي تنشد التغيير والاسترشاد بها عندما تتاح فرصة للمشاركة في وضع الدساتير أو النظم الاساسية العربية أو التأثير عليها. الاسلام والمواطنة وإذا كان لي أن أؤكد في الختام على نوعية المقاربات التي أعتقد أنها تمثل نموذجاً للمقاربات التي يمكن أن تنمي قبولا فكريا وتقبلا نفسيا لمبدأ المواطنة, فإنني اذكر مقاربات الفكر الاسلامي المعاصر لإشكالية المواطنة والتقريب بين ما تثيره بعض الاجتهادات الفقهية والتراث السياسي للمسلمين, وبين منطق العصر والمصالح المرسلة للمسلمين ورفع الحرج عنهم. ومن بين تلك المقاربات التي قدمها الفكر الاسلامي المعاصر ـ حسب علمي ـ تبدو مقاربة الدكتور أحمد كمال أبو المجد التي سبقت الإشارة اليها من اوضح المقاربات في هذا الصدد (أبو المجد 1992 : 17), وكذلك تبدو مقاربة المستشار طارق البشري (البشري 1997 : 53 ـ 83) في ندوة (الشريعة السياسية في الاسلام) والتي سبق وان طرحها في كتابة (المسلمون والاقباط في اطار الجماعة الوطنية) (البشري 1988: 663 ـ 690), من اكثر المقاربات التي تصدت بشكل مباشر الى اهمية مبدأ المواطنة وامكانية مراعاته. وذلك عندما خلص البشري ـ عند الحديث عن اجتهاد المارودي حول الولاية وتمييز المارودي بين وزارة التفويض ووزارة التنفيذ التي اجاز تولي غير المسلمين لها ـ إلى أن جميع المناصب في الدولة الديمقراطية هي مناصب تنفيذ, وليس هناك تفويض لأي مسئول فرد حتى رئىس الوزراء في النظام الديمقراطي, و(انه حيثما امكن الاخذ بما يسمى اليوم بالأساليب الديمقراطية في بناء الدولة, فان ذلك يمكن ان يحل ـ من وجهة نظر اسلامية سياسية ـ تلك المشكلة ذات الاهمية في تكوين الجماعة السياسية, ويمكن بهذه الاساليب رسم خريطة لتوزيع السلطات العامة على نحو يمكن من المساواة بين المواطنين جمعيا مسلمين وغير مسلمين, بما لايخل بالاساس النظري والفقهي الذي يقوم عليه تفكير المارودي نفسه, وذلك كله وفقا لمبدأ توزيع السلطات وحلول الهيئات محل الافراد في اتخاذ القرارات) (البشري 1988: 688). ان مثل هذه المقاربات لمبدأ المواطنة ـ حسب وجهة نظري ـ اكثر تحديدا من غيرها, لانها لم تبدأ ببيان مدى مطابقة اصول الشريعة الاسلامية لنظام معين قائم فعلا وانما بدأت ببيان مدى موافقة نظام منشود لهذه الاصول (البشري 1988: 682). وحسب فهمي ان مقاربات البشري لم تبدأ من النص ـ على أهمية النص ـ وانما بدأت من البحث عن حل عقلاني يراعي مصالح الجماعة الوطنية ويرفع الحرج عن المسلمين, حيث قام أولا بمقاربة مبدأ المواطنة عقليا ثم وضع ما توصلت اليه المقاربة من حل عقلاني على ميزان العقيدة لتبين الحلال من الحرام, والجائز وفق ضوابط دستورية. وبذلك نعيد لنا مثل هذه المقاربات الساعية الى تحويل الاشكاليات العقائدية الى مشكلات سياسية يمكن حلها بالعقل في ضوء المصلحة العامة, تقديم منهج للمقاربات عرفه المسلمون الاوائل, ليس في شأن مبدأ المواطنة فقط وانما في كل شأن من شئون حياتنا المعاصرة. هذا إضافة الى مقاربة مبدأ المواطنة مقاربة تقر به وتراعي شروط تطبيقه في الحياة السياسية للجماعة الوطنية. * منسق مشارك لمشروع دراسات الديمقراطية في البلاد العربية ـ اكسفورد