ويزيد من استخدام هذا الشكل الالكتروني للكتاب ما بتنا نشهده حاليا من التوسع في استخدام آلات وآليات (التعرف الصوتي) او السكرتيرة الالكترونية كما نفضل ان نسميها..)منذ اطلق الشاعر القديم مقولته المأثورة التي مجد فيها النص المكتوب في عبارة: وخير جليس في الزمان كتابا ـ والناس, على اختلاف العهود وتعدد المذاهب وتباين المشارب تحتفل بالكتاب ومؤلف الكتاب ومصنف فهارس الكتاب وارباب صنعة الكتاب من نساخين وخطاطين او هم الوراقون القائمون على امور القرطاسية وما في حكمها من لوازم القراءة والكتابة .. وما زال المرء يروعه السطور التي بقيت من ترجمة كاتبنا التراثي الكبير ابي عثمان الجاحظ وهي سطور وصفت الجاحظ بأنه في مرحلة الطلب وفي طور التكوين كان يكتري دكاكين الوراقين .. ويبيت فيها للنظر. وعندما وقعت ثورة الطباعة علي يد العبقري الالماني يوهان جو تنبرج في عام 1437 اكتسب الكتاب طابعه الديمقراطي كما قد نقول اذ اصبح منتشرا ومتداولا بين اوساط الناس ـ طبعا الذين يجيدون القراءة والكتابة ـ ولم يعد كما في الزمان القديم مقصورا على الكهان ولا احتكار الصفوة العلماء وخاصة الملوك والحاكمين. جدلية الكتاب ونحسب ان ثمة حقيقة ديالكتيكية ـ جدلية ـ كما نسميها جعلت الكتاب وهذا بديهي واسطة نشر المعرفه واداة مراكمتها عبر الاجيال والحدود والخبرات والشعوب .. وكان ان اسلم الكتاب بما احتواه من معارف ومعلومات الى ثورات معرفية, اخرى وصلت ذروتها المرحلية بالامس القريب الى دخول البشر في عصر الحاسوب حيث اصبح التواصل اليومي عن طريق البريد الالكتروني وسيلة التخاطب والتفاعل التي اعتمدتها البشرية كي تدخل بها سنوات القرن الحادي والعشرين. وقد عمدنا الى تعبير (الذروة المرحلية) لنستخدمه تحديدا في هذا السياق كي نشير الى ان هذه الذروة لن تلبث ان تخلي مكانها الى اكثر من ذروة اخرى في هذا المضمار بالذات, بمعنى ان ثمة تطورات اخطر واعمق هي بانتظار البشرية ربما قبل ان تنتفي سنوات العقد الاول من القرن الجديد. اجل, يتوقع الاختصاصيون ان تصدق قاعدة ديالكتيك الكتاب التي المحنا اليها فيما سبق من سطور: لقد حمل الكتاب خلاصة تجربة البشر وذوب خبراتهم في مجالات العلم والتكنولوجيا .. وحمل في الوقت ذاته بذور فنائه وغروب شمسه وربما زواله في شكله الدفتري الورقي المتعارف عليه. واذا كان فوكاياما ـ مفكر السياسة الخارجية الامريكية المعروف ـ قد اصدر منذ سنوات قليلة مقولته الشهيرة عن (نهاية التاريخ) فان المشتغلين بعلوم المستقبليات يستعدون الآن لاطلاق مقولتهم الخاصة كي تصدق على مصير الكتاب في حياة الناس وتلخصها عبارة موجزة تقول (نهاية النص المكتوب) . موسوعة كاملة في نصف كيلو والحاصل انهم يدعون البشر الى التهيؤ لاستقبال منجزات وثمار, وربما مشاكل وتحديات نواتج التحول الى العصر الرقمي ـ ديجيتال ـ او الى عصر الكتاب الالكتروني (إي بوك) على وزن ما نعايشه حاليا في البريد الالكتروني (اي ميل). وهم يزمعون الى الكتاب المرتقب بالرمز (رام) الذي سيصدر وقد حمل علي واجهته ـ هل نقول جلدته او غلافه الخارجي؟ شاشة صغيرة فيما لايتجاوز وزنه نصف كيلو لا اكثر (500 جرام) ولكنه ـ باسم الله ما شاء الله ـ يستطيع ان يحوي مخزونا معلوماتيا وذخيرة معرفية, يبلغ قوامها 4000 صفحة, من السطور فضلا عن الاشكال والرسومات البيانية, يقول الاستاذ جيوفري ميريديث وهو اختصاصي امريكي في هذا المجال: ان هي الا بضع سنوات .. حتى يأتي (ان شاء المولى) عام 2005 فيشهد طرح هذا الكتاب الالكتروني في المكتبات العادية واسواق السوبر ماركت ليحل محل كتب الحبر والاوراق التي ظللنا نتعامل معها طوال مئات من السنين سعره في المتوسط سيدور حول مبلغ 20 دولارا ثم ان وزنه لن يزيد كما المحنا عن ست اوقيات (اونصات) اما عن قدراته فحدث ولاحرج كما يقولون يمكنه ان يحفظ كرصيد مخزون دائرة معارف كاملة او بما يعادل 500 رواية من الحجم الكبير .. ويحتفظ بهذا المخزون الهائل على رقاقة الكترونية واحدة فقط لاغير اضافة الى انه سيعرض النص بدرجة اوضح بكثير من سطور النص الورقي الذي نعرفه في الكتاب التقليدي الحالي وبامكان القارىء ان يتحكم في البنط الذي يفضل الاطلاع من خلاله وتلك امور يعرف اهميتها جيدا كبار السن الذين يعانون الامرين (بتشديد الراء) امام حروف الطباعة الراهنة من حيث دقة حجمها واحيانا درجة وضوحها او لاوضوحها ان شئت القوتين. الكتاب وذكريات الماضي وعندما يوسع المستقبليون بوصلة الرؤية فهم يتوقعون ان يأتي على البشرية حين من الدهر عند منتصف القرن المقبل فاذا بحكاية الديالكتيك تدور عودا على بدء .. بمعنى ان يعود الكتاب ذو النص المسطور المقروء سلعة او فلنقل ايقونة او حرزا يقتصر تداوله وقراءته على صفوة من اقلية على الطاعنين في السن من ارباب السحر او الكهانة او سدنة التراث العريق القديم. اما الغالبية العظمى من البشر فسوف تتجه, في اطار هذا السيناريو المستقبلي الى اعتماد الكتاب الالكتروني شكلا معياريا من اشكال المعرفة, لماذا؟ الاسباب هنا عديدة وقد نوجزها فيما يلي: (1) تفاؤل عدد من يكترثون ـ كما في اجيالنا الراهنة ـ باجادة القراءة او اتقان الكتابة. ذلك لان مفهوم الامية صائر الى تغيير او تحوير الامي حقا لن يكون ذلك العاجز عن ان يقرأ السطر المكتوب او يكتب جملا سليمة نحويا وجائزة صرفيا (الامي) هو العاجز عن التعامل مع ابجديات الحاسوب ومفاتيح الكومبيوتر. واذا افتقر هذا المتعامل الى صحة هجاء الكلمات او صحة وضعها في اطارها النحوي او الصرفي السليم جاءه العون فورا من الجهاز الذي يتعامل معه يصحح له الجهاز اخطاءه في الهجاء ويزوده بالكلمة الصحيحة والمصطلح الدقيق من اجل التعبير عما يخالجه من مشاعر او ما قد يرفعه من شكايات او مايطرحه من مطالب. لهذا يضيف صاحبنا المستقبلي الامريكي ميرديث (مجلة ذي فيوتشريست ـ عدد اكتوبر 1999) اصبحت شركة ميكروسوفت تحرص في برنامجها الحاسوبي الجديد (ذي وورد ـ الكلمة) على الا يقتصر فقط على آليات ضبط الهجاء الصحيح لاصول الكلمات بل على تضمين آليات احدث واوسع واعمق تكفل بدورها لمستخدم الحاسوب تصحيح اصوليات النحو والصرف والصياغة بل وهيكل تركيب الفقرات وتلك وظائف باتت متزايدة الاهمية بالنسبة للتوصل ـ بمساعدة الحاسوب ـ الى نص سليم جاهز من حيث التدقيق والتصحيح. (2) هناك ايضا الاتجاه المتزايدة نحو التوسع في استخدام الصوت والصورة في الافضاء والتعبير والتفسير وفي هذا الاطار ينشأ فصيل او جنس ادبي جديد اسمه (الرواية التصويرية) وهي مزيج بين الرسومات التعبيرية اقرب الى ما نطالعه في اشكال المجلات الفكاهية مثلا, وبين السرد النثري الابداعي الجاد. ولقد سبق للامريكيين ان تعرفوا على هذا النهج في العمل الروائي مند ايام الكساد الكبير في الثلاثينيات حين كانت الامية متفشية وكان الامر يقتضي اجتذاب القراء من خلال مزج التصوير بالتعبير الجديد هذه المرة هو ان يتم هذا كله بالتصوير الفوتوغرافي الرقمي الذي يكفل انتاج صورة بالغة الوضوح فصيحة التعبير ولن يحتاج الامر مثلا لدى الحديث عن انطلاق القذيفة ان يكتب الفنان كما في ايام زمان الفاظا من قبيل : بوم! او طاخ ! .. بل سوف يسمع القارىء صوت انطلاق القذيفة وهو يشاهد صورتها بالغة الوضوح على شاشة الكتاب ـ الرواية الالكترونية. (3) ويزيد من استخدام هذا الشكل الالكتروني للكتاب ـ ما بتنا نشهده حاليا من التوسع في استخدام آلات وآليات (التعرف الصوتي) السكرتيرة الالكترونية كما نفضل ان نسميها وهي تحل للاسف كل الصورة التقليدية للسكرتيرة الرشيقة, الجميلة, الانيقة التي نعرف صورتها في المجلات او في افلام هوليوود ... والاسف هنا من جانب رجال الاعمال. ان الحاسوب المطروح حاليا في الاسواق جاهز مع بعض المران والتدريب من جانبه وطبعا من جانبك للتعرف على صوت سيارتك .. نبراته .. ايقاعاته, وقفاته عيوبه الخلقية (بكسر الخاء وسكون اللام) في نطق الفاظ او حروف او كلمات .. وبعد اتمام عملية التعرف يصبح الكمبيوتر جاهزا كي تملي عليه ما يعن لك من امور تريد تسطيرها ومن ثم استخراجها مطبوعة تسر القارئين, يستوى في ذلك امور قد تدخل في باب فلسفة الكون او قد تكون رسالة لاستعجال سداد ديون ناهيك عن ان تكون خطابا عاطفيا يعبر عن المودة ويبث لواعج الاشواق: المهم ان تملي والحاسوب يكتب. ثورة الاتصال الصوتي ومرة اخرى تقول مجلة المستقبلي التي اشرنا اليها في سياق هذا الحديث: ـ رقائق الصوت كفيلة بان تغير حياتنا باسرع مما نتصور . نحتاج في المستقبل الى التعامل مع الحاسوب من خلال لوحة المفاتيح (كي بورد) التي نعرفها الآن. سوف نتكلم مع الحواسيب وربما تحتاج يوما الى ان تخلع على كل كمبيوتر اسما محددا, كأن تقول ذات صباح: ـ فلان (اسم المحروس الكمبيوتر): احجز لي بطاقة سفر على طائرة المساء. اريد الوصول الساعة كذا الى مطار كذا .. واحجز غرفة تطل على البحر في فندق كذا .. ادفع الحساب على بطاقة الفيزا الخاصة بي ... الخ. ولقد تتمادى مجلة المستقبليات فترسم لنا امكانية ان نتخاطب مع سائر الآلات التي تعايشنا في حياتنا اليومية, وكلها بداهة موصولة بجهاز الحاسوب .. والامكانية هنا محتملة بل مرجحة الحدوث مع تطوير وانضاج تكنولوجيا التعرف الصوتي ومن ذلك مثلا: ـ فلان (مخاطبا جهاز الفيديو: سجل لنا نهائي كأس العالم مذاعا الليلة من البرازيل ولا تنس الفصل الاخير من المسرحية الكوميدية مساء الغد .. الخ. ـ فلان (مخاطبا جهاز تحميص المخبوزات ـ التوستر: قطعة الخبز التالية اريدها محموشة اكثر في مثل قوام البسكويت. (4) سيادة التفكير بالصورة ومن ثم الاستعاضة عن النص المكتوب بالصورة المكونة لتكن وسيلة التواصل المثلى في سنوات الالفية الوشيكة, ولقد تصدق هنا فكرة وربما نبوءة استاذ الاعلام الكندي الراحل مارشال ماكلوهان حين قال ان الاجيال الماضية كانت تفكر بطريقة خطية او على شكل تتابعي بغير احاطة او شمول لانها اجيال المطبعة التي تتألف رسالتها الاعلامية من حروف تشكل كلمات تنظمها عبارات ثم فقرات مكونة من سطور .. وكلها.. كلها في ترتيب تتابعي حيث انك لا تستطيع ان تنطق حرفا قبل غيره ولا كلمة قبل غيرها ولا تقرأ سطراً في فقرة قبل السطر الذي يليه, وإلا اختل المعنى واضطرب الاداء واصيبت الرسالة الاتصالية بالخلط ـ بداهة ـ والتشويش. ولكن جاء التلفاز بالصورة وهي بدورها تتألف من ملايين النقاط الضوئية المنعكسة في تضام وشمول على صفحة شاشة الجهاز, المشاهد هنا يعيش شمولية الرسالة.. يتواصل مع مصدرها في وقت واحد.. بغير الترتيب النمطي المتتابع كما في حالة النص المطبوع فما بالك عندما تكفل ثورة التكنولوجيا امكانات التواصل بالصورة الرقمية حيث الرسالة اشمل وادق واجلى وضوحاً وداعاً اذاً للتتابع الخطي حرفاً بعد حرف وجملة وراء جملة وسطراً في اثر سطر آخر ولتستعد البشرية لعصر التواصل الاعلامي الجديد في اطار من الاحاطة والتكامل والوضوح والشمول. تقول (المستقبلي) : عندما نضع كل هذه الاتجاهات على صعيد واحد.. يجوز لنا ان نشرع في رؤية مصير المطبوعات التي نعرفها في غضون 50 سنة مقبلة: الكتب والجرائد والمجلات سوف يكون مصيرها المتاحف او يحتفظ بها الناس بوصفها تذكارات الماضي البعيد تماما كما يعتز احدنا بأن لديه مخطوطاً منسوخاً باليد انتقل اليه بالوراثة منذ عشرات السنين. ولقد تأتي سنوات القرن الثاني والعشرين فإذا بعدد اقل من الناس هم الذين يهمهم ان يقرأوا او يكتبوا, فكل احتياجات البشر مكفولة من خلال التواصل بالصورة وعن طريق التواصل الصوتي بالاداء والتعليمات مع ما يحيط بالناس في البيت والمكتب والمشغل من نواتج التكنولوجيا العالية المتقدمة. العودة الى الكهوف وعندما يعج الاتصال والتواصل بالصوت وبالصورة على النحو الذي رأيناه تكون البشرية قد اكملت دورة حضارة ربما لكي تبدأها من جديد نكون قد عدنا الى عهد الترويادور (الشعراء المنشدين الجوالين في اوروبا ابان العصر الوسيط) والى عصررسومات كهوف ما قبل التاريخ.. عصر الابداع والمعارف الشفاهية.. عصر الشاعر الشفاهي في حضارة الاغريق الاقدمين.. صاحب الالياذة والاوديسة هو ميروس. ولقد يشطح المستقبليون فيما يرسمون من سيناريوهات الزمن الآتي ولكن يكون لديهم دوماً ما يقولونه وما علينا ونحن نطالع ثمار افكارهم سوى ان نمارس منهج الضبط والفرز والتأمل والتدقيق في تلك الافكار. * كاتب سياسي من مصر