لقد احدث التعليم الأجنبي في بلادنا خللا مباشرا ومؤثرا في منظومة الفكر القيمي لدى الطالب الاماراتي المسلم, والذي يتكون في مجموعة من القيم والعادات والتقاليد والهوية الاجتماعية والانتماء الوطني, حيث تشوشت الصورة الذهنية لتلك القيم في ذهن الطالب الاماراتي نتيجة الفجوة الفكرية التي لا تربط المنهاج الدراسي بمكونات المجتمع المحلي الذي يعيش فيه الطالب, وادخلته فكريا في منظومة قد تصل به تدريجيا الي ما يسمى (بالفوضى الفكرية) والتي ادت بفكر بعض الطلاب الى الاضطراب والتناقض في الاراء والافكار والمفاهيم والاعراف والتقاليد, مما جعل بعضهم لديه نوع من الشك في الدين والتراث والاعراف الاجتماعية حتى وصل الامر ببعضهم الى الاستخفاف بالفرائض (الصلاة) والواجبات الدينية, وافرزت عندهم بعض السلوكيات مثل الاختلاط وتقمص بعض الافكار المضادة لقيم المجتمع ولغته الوطنية. الاختلاط المر ليس من المغالاة اذا قلنا ان موضوع الاختلاط بين الجنسين الذي بدأ يظهر بصورة متزايدة في المدارس الخاصة (الاجنبية), قد احدث تغيرات اجتماعية وفكرية واضحة في القيم الخاصة بالاسرة الاماراتية المسلمة, واصبح تقبل الاختلاط بين الجنسين امرا عاديا في هذه المدارس وفي الحياة الوظيفية والمجتمع, حيث تبلغ المدارس الخاصة التي تطبق نظام الاختلاط في الدولة (383) من مجموع (400) مدرسة خاصة في الدولة, حتى وصل الامر الى بعض الجامعات والكليات الاجنبية الخاصة التي اصبحت بدورها تتزايد يوما بعد يوم, وهذا الامر اوجد نوعا من الصراع الاجتماعي داخل الاسرة الاماراتية المسلمة بين ما تؤمن به من قيم محافظة وبين من يحاول من الابناء الدارسين وقف مناهج واساليب وتوجيهات وقيم وتقاليد تلك المدارس او الجامعات والكليات, رفض تلك القيم وتغييرها بأساليب تحررية تلغي دور المجتمع المحافظ وتكون مدخلا خطيرا لتفكك اهم مرتكزاته الاساسية, وهناك امثلة عديدة على ذلك. يقول د. راشد السهل: ان الابناء هم في حقيقة الامر ضحية لهذا التناقض وهذا الاسلوب التحرري الذي تتبعه المدارس الاجنبية, حيث يصبح الابن في وضع قيمي متناقض وجدانيا وعقليا وسلوكيا, نتيجة للاختلاف الكبير بين واقع المجتمع الاسلامي الذي ينتمي اليه وواقع المدرسة الاجنبية التي يدرس بها حيث انهم يعيشون صراعا وجدانيا, فهم من جهة يستمعون الى توجيهات الاباء والامهات ويرون اسلوب التقيد والمحافظة في سلوكيات البيت والاسرة والمجتمع ويريدون كسب رضا الاسرة, ومن جهة اخرى يعايشون مجتمعا مدرسيا مختلفا في قيمه ومعتقداته. وهذا الوضع يؤدي الى ما يسمى في الدراسات النفسية (بصراع القيم) وهو يحدث عندما يجد الانسان نفسه, خاصة في سن المراهقة, يعيش في جو متناقض بين ما يحمله من قيم وما يمارسه من سلوك. ان تجربة الاختلاط بين الجنسين في بعض مدارس وجامعات الدول العربية احدثت نوعا من الانحراف السلوكي, وان اغلب الانحرافات السلوكية التي حدثت داخل تلك المدارس المختلطة كانت تتركز في (التحرش الجنسي) . ان الكثير من الدراسات العلمية قد اكدت على ان التحرشات الجنسية يتعاظم خطرها في المدارس والجامعات المختلطة مهما كان اسلوب الاختلاط, لذلك بدأت بعض المدارس والجامعات البريطانية والامريكية, وبعد دراسات مستفيضة استغرقت ما يقارب 30 سنة, (منع الاختلاط) بين الجنسين في مدارسها وجامعاتها وكلياتها, وهذا رد قوي وبليغ على دعاة التغريب من اصحاب الفكر العالمي والالحادي والمادي والذي لا هم لهم الا نشر (ثقافة الاختلاط) عبر قنوات اعلامية وثقافية وتعليمية ومجلات اباحية عديدة وترويجها بكل الطرق على انها نوع من التقدم والتحضر والوصول الى اعلى المراتب الحضارية, وانها تساعد علي تهذيب النفوس وتهجين الطباع بحيث يتربى الشباب على احترام الجنس الاخر. وهذه الكلمات (المسمومة) هي التي ادت الى انتشار الفساد الاخلاقي والانحراف الاجتماعي في العديد من المجتمعات مما دعا بعضها الى مراجعة الاختلاط في مجتمعها, فهذه تركيا اليوم تراجع مخاطر الاختلاط في مجتمعها بعد ان تبين لها ان المرأة المتزوجة تقضي قرابة 70% من وقتها في العمل بين زملاء المهنة من الرجال و 30% فقط مع زوجها وابنائها, وهذا الامر احدث نوعا من الخلل في علاقتها بزوجها حيث كثرت حالات الانفصال واهمال بيت الزوجية والانحرافات السلوكية. وعندما زارت الصحيفة الاميركية (هيليسان ستانسيري) القاهرة وامضت فيها عدة اسابيع, كتبت موجهة كلامها للمجتمعات المسلمة تقول: ان القيود التي يفرضها مجتمعكم على الفتاة صالحة ونافعة لهذا انصحكم بأن تتمسكوا بأخلاقكم وتقاليدكم, امنعوا الاختلاط وقيدوا حرية الفتاة فهذا خير لكم من اباحية وانطلاق ومجون اوروبا, (امنعوا الاختلاط) فقد عانينا منه الكثير ان ضحايا الاختلاط يملأون السجون والارصفة والبارات والبيوت السرية ان الحرية التي اعطيناها لفتياتنا وابنائنا جعلت منهم عصابات احداث ومخدرات ورقيق (المسلمون ـ عدد 596). ويكفي ان نذكر هنا ما كتبه قاسم امين اول من دعا الى تحرير المرأة في جريدة (الطاهر) معترفا حيث يقول: لقد ادركت الان خطر هذه الدعوة بما اختبرته من اخلاق الناس, فلقد تتبعت خطوات النساء في كثير من احياء العاصمة والاسكندرية لأعرف درجة احترام الناس لهن وماذا سيكون شأنهم معهن اذا خرجن حاسرات, فرأيت من فساد اخلاق الرجال بكل اسف ما حمدت الله على ما خذل به دعوتي واستنفر الناس الى معارضتي, رأيتهم ما مرت بهم امرأة او فتاة الا تطاولوا عليها بالسنة البذاءة ثم ما وجدت زحاما في طريق فمرت به امرأة الا تناولتها الايدي والالسن جميعا) .. الاستعمار اللغوي لابد ان نعترف وبكل صراحة بأن لغتنا العربية قد شهدت في السنوات الاخيرة تراجعا شديدا وخطيرا, في جميع مجالاتنا التعليمية والثقافية والاعلامية والاجتماعية والاقتصادية والدينية, واصيبت بحالة شديدة من التأكل والاضمحلال وفقدان (الذاكرة اللغوية) , ولم تعدلها في موطنها الام تلك المكانة من الاهتمام والرعاية والمحبة والاعتزاز مما جعلها تصل الى ان تصبح (لغة ثانية او ثالثة او رابعة) في الكثير من البلدان العربية, وقد يكون هذا التراجع حلقة من حلقات مظاهر الابتعاد الذي اصاب اللغة العربية منذ مطلع القرن التاسع عشر حيث تمثلت تلك الردة في عزلة اللغة العربية عن تدريس العلوم الحديثة. ومما زاد الامر حدة تزايد اعداد ونفوذ المدارس الاجنبية والجامعات والكليات الاجنبية والمعاهد اللغوية في الدول العربية, وخاصة الخليجية بسبب وجود نسبة كبيرة من العمالة الوافدة والشركات الاجنبية والمصارف المالية والمؤسسات الخاصة التي تنحصر التعاملات معها في اللغة الانجليزية, وشيئا فشيئا وجدنا اللغة الانجليزية مع بعض اللغات الاجنبية تغزو اللغة العربية في عقر دارها في تصادم حضاري شديد وغير متكافئ, ومن هنا بدأت تبرز في مجتمعنا مشكلة لغوية خطيرة يدور مضمونها في صراع عنيف بين اللغة العربية بما تملكه من مقومات تراثية وروحية وثقافية وحضارية, وبين اللغات الاجنبية المختلفة بمضامينها ومقوماتها الثقافية والسياسية والايديولوجية, خاصة في المحيط التعليمي حيث تعيش في صراع (مرير) ودائم مع اللغة الاجنبية لغة التعليم (المفروضة) , وتعاني من داخل بغيض متواصل من هذه اللغات الاجنبية. واخطر ما في هذا الصراع انه غير متكافئ فالدوافع للاهتمام باللغة الاجنبية والاتجاه لتعلمها متعددة وقوية والساعات المقررة لتدريسها كثيرة, ومتواصلة وفترات ممارستها وتلقيها مكثفة وطويلة, بينما الاهتمام باللغة العربية ضعيف والساعات المقررة لتدريسها والتدريب عليها قليلة ومحدودة الاثر. لقد حاربت الدول العربية الاستعمار اللغوي الذي اسهم بشكل كبير في تكريس قيم التهميش والاستئصال اللغوي وبناء (ثقافة الحقد والانانية) المرتبطة بسياسة التميز اللغوي نفسه وهو مدخل خطير استخدمه الاستعمار لتهميش التيار الوطني الراعي للتعريب. وبعد ان حصلت تلك الدول استقلالها من نيران الاستعمار وقبضته الحديدية قامت بحركة تعريب واسعة وضخمة بهدف ازالة كل ما يتعلق بمخلفات الاستعمار اللغوي الذي تم تكريسه في مجتمعاتنا العربية, وبعد 501 سنة من عمر الاستعمار البغيض بدأت بوادر الاستعمار اللغوي تظهر تدريجيا من جديد متمثلة هذه المرة في التعليم الاجنبي وبعض المؤسسات والشركات الخاصة, تحت ستار ومسميات واهداف متعددة مرة في صورة نشر التعليم ومرة في صورة التبادل التجاري والصناعي والتكنولوجي ومرة ثالثة في صورة تبادل ثقافي واعلامي وسياحي, وكلها في حقيقة الامر تندرج تحت لواء واحد وهو اعادة الاستعمار اللغوي الى مجتمعاتنا العربية من جديد. واصبحت المشكلة اللغوية حقيقة واضحة واصبح بينها وبين اللغات الاجنبية الغازية صراع عنيف وشديد, عبر عنه احد الصحفيين بعد زيارة خاطفة لدول الخليج العربي في مقال مخيف تحت عنوان (الارض بتتكلم انجليزي) , حتى اصبح الكثير منا يتوقف فجأة عن مواصلة الاستمرار في الحديث ويعلن دون خجل انه غير قادر على مواصلة شرح افكاره باللغة العربية ويسألك عن المعنى المقصود او المرادف لهذه الكلمة او هذا المعنى او تلك الجملة لأنه لا يستطيع استحضار المرادف لها باللغة العربية وقد تكون هذه الجملة او تلك الكلمة في غاية السهولة, وهذا الداء اصاب الكثير من الطلاب الدارسين وبخاصة ممن يتلقون تعليمهم في المدارس والجامعات والكليات التي تدرس باللغة الانجليزية.. وقد اشار سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الاعلام والثقافة الى خطورة انتشار مثل هذه الظاهرة في حديثه عن المشكلة التي تواجه الشباب المواطن في الاقبال على العمل الاعلامي قائلا انها تتركز في مشكلة ضعف اللغة العربية وخاصة مع طلبة كليات التقنية, ثم اضاف قائلا صحيح اننا نستطيع استغلال عدد من الطلبة في العمل (التقني) ولكن نحتاج الى عدد لا بأس به في العمل الصحافي او التجريدي, واذا لم يكن عند الطلبة المام كاف وجيد باللغة العربية سوف ينعكس ذلك بالتالي على المؤسسات الاعلامية وهذا ما يحدث الان. وخطورة انتشار مثل هذه الظاهرة (ضعف اللغة العربية) وصلت الى درجة ان ناشد وبشدة د. عبد العظيم رمضان في خطاب مفتوح وزير التربية والتعليم المصري د. حسين بهاء الدين بتدخل على وجه السرعة لانقاذ اللغة العربية مما اصابها في المؤسسات التعليمية قائلا: (انني اصبت بهزة نفسية عنيفة بعد تصحيحي اوراق اجابات الطلاب في الامتحان وكان سبب الاهتزاز هو المستوى المتدني للاجابات لدرجة مخيفة, وكان احساسي هو ان اللغة العربية قد توفيت الى رحمة الله وعلينا ان نبحث عن لغة اخرى اذا اردنا ان نتفاهم فيما بيننا كبشر, فخط الكثيرين من الطلبة الجامعيين يقترب كثيرا من خط اطفال السنة الاولى الابتدائي والغلطات الاملائية هي الاصل في الكتابة اما الاخطاء النحوية فحدث عنها ولا حرج, والعجز عن التعبير سائد بين الجميع حتى لنشعر بأن الطلبة قد اصيبوا بعاهة (العيي) في النطق وكنت افرح اذا وجدت طالبا يستحق النجاح كما لو كنت قد عثرت على طه حسين اخر, ومن هنا فاني اناشد د. حسين بهاء الدين ان يعيد الى المدارس حصص (الخط) و(الانشاء) باعتبارها علوما اساسية لا ينتقل التلميذ الى السنة الاعلى بدون النجاح فيها, وان يضرب بيد من حديد على ايدي بعض مدرسي اللغة العربية الفاشلين وكل من يتلاعب بمصير اللغة العربية..) . وشخص الشاعر فاروق جويدة حالة الضعف التي وصلت اليها اللغة العربية من خلال تجربته الشخصية قائلا: لقد شاركت في الامتحان الشفوي لامتحان كلية دار العلوم ووجدت الطلبة الذين سيكونون مدرسين بعد شهر لا يعرفون اللغة العربية ولا يتقنونها, واذا كان الذي سيدرس اللغة العربية لا يعرفها فكيف نحكم على هذا الجيل ان لغته صحيحة وجميلة؟ وهذه المشكلة لا تخص الجيل الجديد من الشباب فقط بل انها اصبحت تشمل الجميع. الدراسات الميدانية وفي دراسة ميدانية حول اهتمام طلاب المدارس الخاصة باللغة العربية في المدارس الاجنبية, بينت خطورة الوضع الذي وصل اليه مستوى تعليم اللغة العربية في هذه المدارس الاجنبية على حساب تعليم العلوم باللغة الانجليزية, حيث اشارت النتائج الى وجود تفاوت كبير بين من يجيدون استخدام اللغة الانجليزية ومن يستخدمون اللغة العربية, حيث بلغ من يجيدون استخدام اللغة الانجليزية قراءة 60% مقابل 16,5% لمن يجيدون القراءة باللغة العربية و 60% منهم يجيدون الكتابة باللغة الانجليزية مقابل 15,5% لمن يجيدون الكتابة بالعربية و 52,7% يجيدون المحادثة والقراءة والكتابة باللغة الانجليزية مقابل 39% من الطلبة الذي يجيدون المحادثة والقراءة والكتابة باللغة العربية. وأكدت تقارير موجهي مادة اللغة العربية الميدانية ان الكثير من الطلبة في بعض المدارس الخاصة وبالاخص الاجنبية منها, وصلوا الى مراحل متقدمة من الدراسة وهم لا يستطيعون كتابة جملة واحدة مفيدة او قراءة سليمة وواضحة. ولقد نبه الكثير من الدراسات العلمية والتي تختص برصد مخاطر وتأثيرات تدريس العلوم باللغات الاجنبية, الى خطورة الاستمرار في تدريس العلوم بلغات غير وطنية على فكر المجتمع ومسيرته العلمية والتعلىمية. فقد اشارت نتائج مؤتمر تطوير التعليم الجامعي الذي عقد في جامعة القاهرة بصراحة الى هذه المخاطر والسلبيات, حيث حذر د. محمد سليم رئيس مركز بحوث الدراسات الاسيوية من خطر انتشار ظاهرة تدريس العلوم باللغات الاجنبية على فكر المجتمع الابداعي, واكد على ان هذا السلوك يعد بصريح العبارة اعتداء مباشرا على الهوية الثقافية واللغة القومية, وان الاستمرار في انشاء هذه الاقسام والجامعات التي تدرس العلوم باللغات الاجنبية قد يهدد السلام الاجتماعي ويكرس في المجتمع نوعا من الدونية, وهذه الدونية كما تحدث عنها د. احمد المعتوق في دراسته عن الحصيلة اللغوية تعني ان ينشغل الطلبة بدراسة المواد العلمية ويكرسون كل اهتمامهم على اللغة الاجنبية, على اساس انها اللغة المعتمدة في دراسة هذه المواد وممارستهم لهذه اللغة على مستوى واسع في القراءة والكتابة والحديث والمناقشة والحوار مع اساتذتهم والمشرفين الاكاديميين وغيرهم من الموظفين الرسميين, الى جانب المؤثرات الخارجية الاخرى التي تغريهم وتدعوهم الى الاحتفاء بها. كل هذه العوامل تعمل على التقليل من فرص استخدام الطلبة للغتهم الاصلية او فرص التمكن منها, وتعينهم على النظرة الدونية الى هذه اللغة على انها اللغة الاقل شأنا والاقل جدارة بالاهتمام فتزيد من جهلهم بها وبمكانتها ودورها في عملية البناء الحضاري, وتقلل من احترامهم لها ومن العناية بها وتضعف من سعيهم او من حماستهم لتطوير مهاراتهم فيها, وهذا الامر هو الذي دعا د. محمد سليم الى ان يطالب المجلس الاعلى للجامعات باعادة النظر في هذه الاقسام والجامعات التي تدرس منهاجها باللغات الاجنبية قبل حدوث فتنة اجتماعية. ان سبب التقدم الصناعي في بعض الدول الاسيوية في السنوات الاخيرة يرجع الى ان هذه الدول تدرس العلوم النظرية والتطبيقية باللغة الوطنية حتى يستطيع الطلاب استيعاب اكبر قدر ممكن من المواد والمناهج العلمية, وقد تبين من خلال الدراسات العلمية ان نسبة الاستيعاب عند الطلاب الذين يدرسون علومهم باللغات الوطنية وصلت الي اكثر من 80%, مقابل انخفاض نسبة الاستيعاب في حالة تدريسها باللغات الاجنبية حيث يتكرس ذهن الطالب وجهده في محاولة فهم معاني الكثير من المفاهيم والجمل والكلمات والمصطلحات وهذا الامر قد يشكر عائقا كبيرا في الفهم الكلي للمعنى المطلوب. الامر الاخر الذي كشفت عنه هذه الدراسات هو ان اعضاء هيئات التديس الذين يدرسون علومهم باللغات الاجنبية يكرسون جهودهم في الترجمة, ولا يقومون بأي ابتكار او تأليف, وان تغلب الاهتمام باللغة الاجنبية وبخاصة في مجالات تعلم العلوم أدى الى تقليص حركة التأليف والتصنيف باللغة الاولى (اللغة العربية) والاعتماد على المؤلفات والمقررات المدونة باللغات الاجنبية في كثير من الجامعات والمعاهد العلمية العربية والى ضحالة وقصور وافتقار الى الاصالة في كثير من الصادرات والبرامج الاعلامية والتثقيفية. وقد لاحظ د. السيد مصطفى وكيل كلية الهندسة بجامعة حلوان انه رغم وجود 17 كلية هندسة في مصر تدرس الهندسة باللغة الانجليزية, الا انها لم تنجح حتى الان في صناعة سيارة مصرية وارجع سر هذا التخلف الى رفض تعريب الدراسة بكليات الهندسة والعلوم والطب, واكد ان استمرار تدريس هذه العلوم باللغات الاجنبية يضر بالتقدم العلمي, واذا اردنا نوعا من الابتكار والابداع والاختراع فلابد من تدريس جميع العلوم في مدارسنا وجامعاتنا باللغة العربية. ويقول د. عبد الله الغفاري نائب رئيس مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية: عندما نعلم طلابنا بلغات اجنبية ونهمل لغتنا العربية فانه سيحدث انفصال بين التفكير وبين لغة العلم, فالعامل الذي يعمل على (الة) اذا لم يعرف اسرارها ودقائقها بلغته الام فانه لن يستطيع ان يقوم بصيانتها بطريقة جيدة ولن يستطيع ان يقرأ (الكتالوج) بطريقة مناسبة ولن يستطيع توظيفها لخدمة بلادنا بطريقة افضل وتطويرها. وهذا في نظري سبب مهم جدا لتدخلنا حتى الان عن ان تكون لنا صناعة تكنولوجية او تقنية وطنية حديثة. ان احدث دراسة صدرت عن الامم المتحدة اكدت على امر هام جدا وهو ان (التكنولوجيا والتقنية الفنية) تتعمق فقط عندما يكون تدريسها باللغة القومية, وان ما حدث في اليابان من تطور تكنولوجي كان سببه الاساسي ان تدريس الطلاب اليابانيين كان يتم باللغة اليابانية, بل ان كل تجارب الدول التي حققت انجازات عالية من التقدم والتطور والتكنولوجيا, مثل المانيا والصين والاتحاد السوفييتي وكوريا وفلندا وحتى اللغة العبرية في اسرائيل, تحقق لها ذلك التقدم عن طريق اعتمادها على لغتها القومية وليس لغة الاخرين, والفرنسيون عندما شعروا بأن اللغة الانجليزية بدأت تغزو لغتهم الفرنسية طالبوا باستقلال مقاطعتهم (كويبك) في شرق كندا غير مبالين بما قد يقعون فيه من فقر وركود في الاقتصاد ومحاربة الجيران, في سبيل المحافظة على لغتهم الفرنسية وانقاذها من غزو الانجليز, لأن اللغة ليست مجرد وسيلة تخاطب فقط بل هي وعاء للفكر ووعاء للعاطفة معا. فالفرد الكندي في مقاطعة (كويبك) لا يتحدث باللغة الفرنسية فقط بل انه يفكر بها ويشعر بها, حتى صارت روابط (كويبك) الثقافية والتعليمية مع فرنسا اقوى من روابطها مع عاصمة دولتها في كندا. والامريكيون رغم انهم دولة نمطية الا انهم خافوا من فرنسيي كندا على كيانهم ولغتهم, فسارعوا الى تحصين ولاياتهم الجنوبية بمنع ازدواجية اللغة في برامجها التعليمية والاكتفاء باللغة الانجليزية وحدها وحزفت من برامجها تعليم الاسبانية والفرنسية. وحتى الدانمارك والتي يبلغ تعداد سكانها (4 ملايين) نسمة نعتمد لغتها الوطنية كأساس في تعليم العلوم التقنية, ونحن اكثر من 250 مليون عربي ونستهين بلغتنا القومية ونعتمد على اللغات الاجنبية, ليس فقط في تدريس العلوم بل حتى في جميع معاملاتنا اليومية خاصة واننا نملك تجربة رائدة في دولة عربية (سوريا) حيث يتم تدريس كل المواد العلمية باللغة العربية, فلماذا لا نستفيد من هذه التجربة؟ ومما يزيد الموقف سوءا وخطرا ويبرز الخوف على مستقبل اللغة العربية لغة القرآن الكريم, هو تزايد اعداد الداعين الى تكريس اللغة الانجليزية على حساب اللغة العربية والهوية القومية والثقافية, دون الاكتراث بالاخطار التي اصابت اللغة العربية في وطنها الام. ومما يزيد من قوة هؤلاء الداعين الى سيادة اللغة الاجنبية هو الدعم الذي يجدونه من بعض النخب المثقفة, فهناك مثلا طائفة من الذين تلقوا تعليمهم في بلدان اجنبية فغلبت ثقافتهم الاجنبية على ثقافتهم العربية فانتابهم شعور بدونية هذه اللغة والاحساس بعجزها وتفوق الاجنبية عليها, فيسعون الى التخلص من لغتهم الاصلية. وهناك طائفة ممن تكون تعاملاتهم اليومية مع الشركات الاجنبية الداخلية منها والخارجية اما بحكم التعاملات التجارية او بحكم الوظيفة الادارية والاختلاط بافرادها الاجانب, فتكون المؤشرات الثقافية واللغوية شديدة ومتناقضة قد تؤدي الى خلق نظرة دونية الى لغتهم الرسمية وثقافتهم الوطنية. والطائفة الاخيرة هي من ضعفت حصيلتهم من اللغة العربية وصعب عليهم التعبير بلغتهم الرسمية وعجزوا عن التأليف والانتاج والاطلاع في ثقافتهم العربية, فيدفعهم جهلهم بهذه اللغة الى ان ينسبوا العجز والضعف والقصور عن مجاراة تطورات الحياة الى اللغة نفسها, هذا بالاضافة الى المصابين بعقدة الغرب المرضية فينتابهم بين الفترة والاخرى شعور وهمي بالانتماء الفكري الى مجتمع الغير.