لن نعرف على وجه الدقة صحة أو عدم صحة ما يتردد من شائعات في دوائر الأمم المتحدة في نيويورك حول صفقة سرية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن العراق قبل ان تجرى عملية التصويت على المشروع البريطاني الهولندي حول مصير العقوبات المفروضة على العراق. عندئذ سوف نرى ما اذا كانت موسكو ستلجأ الى استخدام (الفيتو) لنسف مشروع القرار الذي تعارضه بغداد بعناد . محتوى الصفقة السرية وفقاً للشائعات هو موافقة روسيا على التخلي عن تأييد العراق في مقابل موافقة امريكا على اطلاق يد روسيا في الشيشان, واذا صحت هذه الشائعات يكون مصير العراق قد ازداد تعقيداً على تعقيد على طريق مظلم ومجهول وبلا نهاية معلومة. ان مشكلة العراق الحقيقية ليست التنكر الروسي او التردد الفرنسي والصيني او حتى الاستهداف الامريكي الشرير. ان مشكلته هي سلبية الموقف العربي الرسمي. فالاطراف الداخلة في القضية العراقية تخوض في الحقيقة معركة مصالح محسوبة بدقة لدى كل طرف, لكن هذا لاينطبق على الدول العربية. روسيا وفرنسا والصين قوى كبرى لكل منها مصالح مباشرة في عراق المستقبل اذا اتيح له التخلص من العقوبات الاقتصادية لاستئناف مساره العادي في ساحة التجارة العالمية كدولة نفطية غنية, وتتطلع كل من هذه الدول الثلاث الى فرص واعدة في مجالات الاستثمارات النفطية مع فرص التعاقدات الضخمة المتوقعة في اطار برنامج مستقبلي طموح لاعادة اعمار العراق في القطاعات كافة. اما الولايات المتحدة فتتحرك ايضا بدوافع مصالح بعضها مباشر وبعضها غير مباشر وفي مقدمة المصالح المباشرة استمرار انتعاش مبيعات شركات انتاج السلاح الامريكية من طائرات وصواريخ وتجهيزات عسكرية اخرى الى الحكومة الاتحادية اما المصالح غير المباشرة فتتمثل في استمرار صفقات اسلحة امريكية ضخمة الى دول عربية تنظر الى تحرر العراق من العقوبات من منظور امني ذاتي بالدرجة الاولى. ان هذه المصالح كلها مشروعة وفقا لمبادىء التعامل بين الحكومات في الساحة الدولية, ولو كنت مواطنا روسيا او فرنسيا او صينيا او امريكيا لاعتبرت ان حكومتك تقوم بواجبها في صراع المصالح الدولي خير قيام. لكن هذا المنعطف لا ينطبق على الدول العربية التي تتبنى سياسة تأييد ثابت للموقف الامريكي تجاه العراق.. فهذه الحكومات تحدد موقفها بناء على الاجندة الامريكية لا بناء على اجندة ذاتية وطنية مما يفسر لنا امرين: اولا, ان تبرير هذه الحكومات لموقفها ضعيف النبرة.. فهي تتعلل في معارضتها لرفع العقوبات عن العراق بضرورة استيفائه لقرارات الشرعية الدولية, مع ان الدول القيادية في مجلس الامن الدولي التي ترسم قرارات هذه الشرعية هي الآن منقسمة على نفسها, وثانيا, تعمد بعض الحكومات العربية الى السرية في تعاطيها مع واشنطن في الشأن العراقي وكأنها ليست واثقة من صحة موقفها بالمعايير الوطنية. ان المنطق العربي العام يتطلب نظريا عودة العراق الى الساحة السياسية الاقليمية والدولية لان الوطن العربي يواجه راهنا اخطر الظروف على الاطلاق في مسار الصراع العربي الاسرائيلي حيث ان المطروح هو الحلقة الاخيرة الحاسمة من المسلسل التي تتضمن فيما تتضمن تقرير المستقبل النهائي للشعب الفلسطيني والمستقبل النهائي للقدس مع تحديد مسار علاقة الامة العربية مع الدولة الاسرائيلية اليهودية: في اي اتجاه؟ وبأي كيفية؟ ولولا ان هناك دولا عربية تفضل الالتزام بالاجندة الامريكية لغيرت هذه الدول سياستها تجاه العراق في اتجاه مضاد.