اذا صحت تقارير صحف غربية عن امتلاك ياسر عرفات أو السلطة الفلسطينية أموالاً قدرها خمسة مليارات استرليني مودعة في مصارف غربية, فتلك شطارة من عرفات أو السلطة يستحق كل منهما أو كلاهما الشكر عليها, لأن الجهاد بالمال من أنواع الجهاد المقدرة, كما أن الجهاد من أجل جمع الأموال يسبق, اضافة الى ان الحفاظ على الأموال وعدم تبديدها جهاد آخر مقدر . وهكذا فان هذه التقارير شهدت لعرفات من حيث ارادت الاساءة اليه, حتى وهي تخلو من الصحة خاصة فيما يتعلق بالرقم, اذ لو كان عرفات يملك فعلاً مثل هذا المبلغ الضخم لما احتاج الى مساعدات من الكرماء واللؤماء معاً, كما ان المخابرات الغربية مجتمعة أو منفردة لن تعدم وسيلة لمعرفة الحسابات السرية لعرفات ولأرصدته فيها, ولكانت قد فضحته قبل الصحف, ما يجعل الشكوك تحوم حول هذه التقارير وتسريبها في هذا الوقت بالذات, حيث مفاوضات السلام محلك سر. مع ذلك فلا أحد يشك على الاطلاق في امتلاك عرفات بوصفه رئيساً للثورة الفلسطينية سابقاً وللسلطة حالياً لأموال قد تصل الى عدة مئات من الملايين في أسوأ تقدير, ذلك لأن الثورة قضت عمرها وهي تتلقى مساعدات وتبرعات من دول وأفراد على السواء, ما يجعل امتلاكها الآن لمبالغ مالية صحيحاً, غير ان تقارير الصحف الغربية فيها مبالغات واضحة, اكثر ما يقصد منها, من بعد الاساءة للسلطة, وقف المساعدات عنها فيكون الطرف الرابح اسرائيل. وبما أن هذه التقارير المزعومة تنشر في أعقاب الحديث عن الفساد الفلسطيني, الذي يتهم فيه أفراد ومسئولون على علاقة بالثورة سابقاً وبالسلطة حالياً, فان الشبهات حولها تزداد لحمل الدول المانحة وغيرها على وقف مساعداتها والتزاماتها تجاه السلطة التي تحتاج لأموال لتعمير وبناء ما دمره الاحتلال الاسرائيلي, فيكون تصديقها عربياً على الأقل أسوأ الشرور الذي يمكن ان تتعرض له السلطة, وهو ما يريد تحقيقه من يقف وراء مثل هذه التقارير. غير أننا لا ندافع عن السلطة الفلسطينية وأجهزتها, فهذه تدافع عن نفسها بما تملك من وسائل اعلامية وأجهزة ادارية وغيرها, كما أننا لا نستبعد الفساد عن بعض مسئوليها, خاصة انها تعترف بذلك وتقدم مسئولين فيها للمحاكمات بتهم الفساد وتلاحق آخرين بتهم تبديد أموال أو اساءة استخدامها أو اختلاسها وما الى ذلك من تهم, فتكون السلطة بمثل هذه الملاحقات, تحارب الفساد ولا تقره. مع ذلك فان السلطة تحتاج الى مزيد من الشفافية فيما يتعلق بالأموال العامة, خاصة أن هذه حتى الان حصيلة مساعدات وتبرعات, لذلك فان تصرفها على سبيل المثال مع جماعة (بيان الفساد) مؤخراً, حيث تعرض بعضهم للضرب والقمع ورد الفعل العنيف غير مبرر على الاطلاق, اذ كان يمكن للسلطة أخذ بيانهم على محمل الجد والتحقيق فيه عن طريق المؤسسات التشريعية والقضائية, لكي تظهر الحقيقة على الملأ, بدلاً من مهاجمة موقعي البيان بطريقة عدوانية تسيئ للسلطة وتشكك في ذمتها أكثر مما تبرئ ساحتها. ونختم بأن الفساد المالي في السلطة غير مستبعد, فالفساد آفة العصر ولا توجد دولة اليوم تخلو منه, غير أن العبرة هي في قدرة السلطة على ملاحقة الفساد ومحاربته ووقفه, وذلك لا يتم الا باعتماد الشفافية والمصارحة وتفعيل المؤسسات الرقابية والتشريعية من البرلمان إلى أجهزة القضاء, وهو ما يمكن وحده أن يحمي سمعة السلطة من التقارير الغربية التي يقول بعضها الحق فيريد منه باطلاً. عبدالحميد أحمد