شهدت الجزائر أول حادث من نوعه في عهد الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة عندما اغتال مسلحون الرجل الثالث في الجبهة الاسلامية للانقاذ المحظورة عبدالقادر حشاني أحد أبرز قادة الجيل الثاني لجبهة الانقاذ بعد توقيف مسئوليها عباسي مدين وعلي بلحاج في يونيو عام 1991م . رفضت الجماعات الارهابية المسلحة بزعامة عنتر زوابري وحسن خطاب المسار السياسي الأمين الذي ينتهجه الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة منذ انتخابه رئيسا للجزائر, حيث لقيت سياسته ترحيب واستحسان العديد من التيارات والشخصيات الاسلامية على رأسها عبدالقادر حشاني وأحدث مسعى الرئيس الذي عرف بـ (قانون الوئام المدني) شرخا وتصدعا داخل الجماعات المسلحة بين المحافظين المتشددين الذين يتزعمهم الجناح المسلح المعروف بالجماعات الارهابية وتيار التجديد الذي يتزعمه كثير من الدعاة والمعروف باسم تيار (الجزأرة) والذي يتبنى التعامل مع الوضع بهدوء والذي يتزعمه حشاني, فما خلفية الصراع داخل التيار الاسلامي؟ بعد مؤتمر الوفاء الذي أقيم (بباتنة) في عام 1991 صَعَد تيار الجزأرة بسرعة, وقفز اسم حشاني إلى الواجهة بعد سجن كل من عباس مدني وعلي بلحاج, وصارت الأمور بين يدي حشاني في ظرف تميز بالعنف بعد الغاء السلطة الجزائرية الانتخابات التشريعية التي لعب حشاني دوراً كبيرا فيها, وبعد الغاء نتائج تلك الانتخابات في عام 1992. حشاني والجيش وجه حشاني بيانا إلى الجيش يدعوه إلى التمرد ومساندة الجبهة الاسلامية, ونشر البيان في الصحافة وكلف ذلك حشاني السجن في الثالث والعشرين من يناير 1992, وبقي في السجن حتى يوليو 1997, وشارك حشاني في 1994 و1995 في المفاوضات التي جرت بين ممثلي رئاسة الجمهورية وقادة الانقاذ المسجونين, لكن هذه المفاوضات لم يكتب لها النجاح, فبقي حشاني في السجن, واستمر هذا الوضع على حاله حتى صيف 1997, إذ كانت السلطة الجزائرية أوشكت على التوصل إلى اتفاق مع الجيش الاسلامي للانقاذ (الجناح المسلح لجبهة الانقاذ المحظورة) على إعلان هدنة لعملياته الارهابية. وفي اطار المفاوضات بين الطرفين تقرر إطلاق حشاني ثم زعيم الجبهة عباسي مدني, وحُول حشاني في يوليو 1997 إلى محكمة الجنايات بالعاصمة التي دانته بجرم الدعوة إلى العصيان, خرج حشاني بعدها من السجن صباح 8 يوليو لكن علاقته سرعان ما ساءت مع قادة جيش الانقاذ وتحديدا مع مدين مرزاق, إذ جادل حشاني بأن أي اتفاق بين السلطة وجبهة الانقاذ لابد ان يحظى بغطاء سياسي وان السلطة يجب ان تتفاوض مع الجناح السياسي لا مع الجناح العسكري, كما حاول حشاني منذ خروجه من السجن, وبعد خلافه مع الجناح العسكري لجبهة الانقاذ التحرك سياسيا بالتنسيق خصوصا مع عبدالحميد مهدي الأمين العام الأسبق لجبهة التحرير الوطنية, وأحمد طالب الابراهيمي وزير الخارجية الأسبق والمحسوب على التيار الاسلامي, واعادة الاتصال بقواعد الانقاذ في المناطق, فقام بجولات عديدة كان يرفض خلالها ان يتنقل بسيارة تؤمنها له السلطات الجزائرية, وتزامنت تحركاته عبر المدن الجزائرية, مع إعلان الجماعات الارهابية في شهر اكتوبر الماضي انها ترفض المصالحة الوطنية, وأكد بيانها (انه لا حوار ولا مصالحة ولا عَقْد ذمة مع السلطة ومن رضِي بذلك أو سار معهم ردة) وربما تكون كل هذه الأحداث ولا سيما محاولة حشاني تجاوز التيار العسكري لجبهة الانقاذ المحظورة والذي تورط في العنف والاغتيالات واعادة ترتيب بيت الحزب المحظور وفق منظور حديث, قد اغضب الجماعات المسلحة لتدبر عملية اغتياله.. ومن جهة اخرى هناك صراع حقيقي داخل قيادات الجبهة حاليا, فهناك مجموعة احمد مراني وزير الشئون الدينية الجزائري الاسبق والتي تضم 14 عنصرا, وهناك مجموعة حشاني التي تضم ابرز قيادات الجبهة كجحدي وقمازي وعبدالقادر عمر, في حين هناك طرف ثالث يدعو الى الهدنة بين الطرفين ويتزعمه كل من بوخمخم وعزوز زبدة اللذين اكدا في اكثر من مناسبة ان عباسي مدني لايزال هو الرجل الاول ورئيس الجبهة, وفي ظل الصراع داخل اجنحة الجماعات المسلحة والحزب المحظور حاول حشاني ايجاد نوع من التوافق بين السلطة الحالية والتيار الاسلامي والقيام بدور الوسيط بينهما. طريق الحوار.. لا غير واستغل حشاني التخفيف على نشاطه وتحركاته السياسية, فوقع بيانا في شهر يونيو الماضي مع ثلاثة قياديين آخرين من جبهة الانقاذ المحظورة دعا فيه الرئيس بوتفليقة الى حل تفاوضي مع الجبهة.. وذهب بعيدا في تحركاته السياسية عندما انضم الى مجموعة السلم والمصالحة التي تضم شخصيات جزائرية بارزة من بينها الرئيس الاسبق عبدالعزيز بلخادم.. وعندما اطلق الرئيس بوتفليقة نداء المصالحة والوئام الوطني في الجزائر كان حشاني احد ابرز المؤيدين له والداعين الى ان تمتد مسيرة المصالحة لتشمل كل القوى بما فيها جبهة الانقاذ المحظورة بعدما اعلن جناحها العسكري هدنة مع السلطات الجزائرية كتعبير منه عن حسن نيته في المشاركة في صنع السلام الحقيقي. وازدادت قناعتها بالسلم عندما جاء عبدالعزيز بوتفليقة الى الحكم بمشروع شامل لاخراج الجزائر من ازمتها السياسية والامنية الراهنة ودعا الجماعات المسلحة الى القائها للسلاح وتسليم عناصرها الملطخة اياديها بالدماء الى السلطات بينما تستفيد العناصر غير المتورطة في القتل والاغتصاب من عفو شامل, وسلمت المئات من عناصر الجماعات المسلحة نفسها الى السلطات العسكرية الشيء الذي خلط اوراق قيادات جماعاتها فراحت تعلن حربا شعواء على جميع العناصر التائبة والشخصيات الاسلامية التي اعلنت تأييدها لمسعى الرئيس بوتفليقة, بل اكثر من ذلك كله اشتعلت حرب بين العناصر المتشددة الرافضة لإلقاء سلاحها والعناصر الراغبة في الاستسلام, وتحدثت اخبارالاعلام عن سقوط العشرات جراء هذا الاقتتال.. كما يظهر بجلاء ان الجماعات المسلحة فقدت الكثير من قواعدها بعد تسليم عناصرها انفسهم الى السلطات العسكرية وكان من الطبيعي ان تتبنى آخر ورقة تمتلكها للفت نظر الرأي العام الجزائري والدولي على انها لا تزال تتحكم في مواقعها الميدانية الدليل انها تمكنت من قتل حوالي 500 جزائري خلال اربعة اشهر فقط!! وترغب في المزيد خصوصا مع حلول شهر رمضان المبارك الذي تحول من شهر مبارك الى شهر مخيف لدى الجزائريين والجزائريات, حيث تكثر فيه المجازر بطرق بشعة كما حصل في السنوات الماضية ويتمنى الجزائريون ألا تتكرر مثل هذه المجازر خلال شهر رمضان المقبل. ضرب قانون الوئام ويعرف الرئيس الجزائري ما تريده الجماعات المسلحة من خلال تصعيدها في اعمال العنف, واختيارها الشخصيات السياسية المعروفة في الوسط الجزائري والدولي وهو ما اعلنه عند زيارته ايطاليا مؤخرا حيث قال ان قانون الوئام المدني مستهدف من الجماعات المسلحة التي تسعى جاهدة لإفشال مسار السلم والمصالحة الوطنية لكنها لا تستطيع ايقاف عجلة السلم التي اختارها الشعب الجزائري عندما قال نعم للوئام المدني. لاجل ذلك يقف الرئيس الجزائري امام تحد كبير يتطلب مواجهته بحكمة وصبر كبيرين لانه مفتاح حلول الجزائر كلها.. فلا انعاش اقتصادي ولا استثمارات خارجية اذا لم يتحقق الامن الداخلي الذي يحرك عجلة التنمية, ويعرف الرئيس بوتفليقة ان المجازر الاخيرة وقتل الشخصيات السياسية ترمي ايضا الى افشال وابطال تحركات الجزائر الدولية التي كللت بنجاحات وانتصارات كبيرة خلال بضعة اشهر فقط تظهر في زيارات الرئيس الخارجية او زيارات الشخصيات والوفود الاجنبية التي عبرت جميعها عن ارتياحها لوضع الجزائر الداخلي الذي بدأ يعود الى عافيته التي افتقدها منذ سنوات. من هنا يتضح ان الجماعات المسلحة تلعب آخر ورقة لا تزال بيدها وتعتقد انها ستخسرها في النهاية لانها لم تعد تمتلك اي سند او قاعدة تستند اليها لان الجزائر دخلت فعلا مرحلة ما بعد الارهاب, كما لا نستبعد ان تصاعد الجماعات المسلحة عملياتها الارهابية خلال شهر رمضان كما فعلت العام الماضي بهدف ترهيب الشعب والتأثير على مسار الوئام المدني الذي منح الجماعات المسلحة مهلة لتسليم انفسهم تنتهي يوم 13 يناير المقبل لن يستفيدوا من عفو الدولة بعدها كما قال الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة عندها لن يتبقى امام السلطات سوى ان تشن حربا شاملة على هذه الجماعات لاجتثاثها من جذورها من اجل ضمان الامن للشعب الذي عانى الكثير وينتظر الاكثر من رئيسه الذي وعده بحل مشكلاته قريبا. * باحث وكاتب في العلاقات الدولية