قد لا يعلم الكثيرون, ان ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية, الذي وضعته وتبنته عند انشائها عام 1964, لم ينص على اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة, وكان تركيزه في الاساس على تحرير فلسطين, باعتبارها وشعبها, جزءا لا يتجزأ من الامة العربية . وحتى عندما تبنت المنظمة لاحقا, هدف اقامة الدولة الفلسطينية, تلبية لطموح فلسطيني مشروع, وانسجاما مع عصر الدولة العربية القطرية, وادرجته في برنامجها المرحلي الصادر عن المجلس الوطني الفلسطيني, جاء الهدف تاليا, وليس سابقا لهدف عودة اللاجئين, وتقرير المصير, فقد تمحور البرنامج المرحلي, أو ما سمي ببرنامج الاجماع الوطني, الذي اقر في النصف الاول من السبعينيات, حول ثلاثة اهداف, العودة, وتقرير المصير, واقامة الدولة المستقلة, اي ان هدفي تحرير الارض, وعودة اللاجئين كانا مقدمين على تقرير المصير واقامة الدولة, حتى يتمكن الشعب من ان يقرر مصيره بحرية على ارضه بعد دحر الاحتلال عنها. لكن ما نشهده اليوم في الخطاب السياسي الفلسطيني, مخالف لما درج عليه هذا الخطاب سنوات طويلة, فهو يعيد ترتيب الاولويات, ويكاد يسقط بعضها, ويجعل من الدولة هدفه الاول, بل الاوحد, مختصرا فيها, وبها, كل الاهداف. ومن الملفت للنظر, ان التشدد الاسرائيلي تجاه مسألة الدولة لم يعد كما كان, فهو وان لم يصدر عنه ما يفيد موافقته الرسمية على اقامة الدولة الفلسطينية, الا ان مؤشرات عديدة, تصدر عن مسئولين اسرائيليين عديدين, لم تعد تعارض الدولة الفلسطينية, كما ان مؤشرات مماثلة, صدرت عن مسئولين في الادارة الامريكية, مما يوحي بتوافق الطرفين حول المسألة, بينما بقي التشدد الاسرائيلي على ما هو عليه في مسألتي الانسحاب من كامل اراضي الضفة والقطاع, وازالة المستوطنات, واما عودة اللاجئين فان الجانب الاسرائيلي يعتبر الاقتراب منها, أو مجرد الحديث فيها من المحرمات. يتضح من الموقفين الفلسطيني والاسرائيلي, ان الدولة ستكون نقطة التقابل التي يتم اللقاء عندها بين الاتجاهين الفلسطيني والاسرائيلي, وستكون عنوان المساومة والمقايضة على الاهداف الاخرى, وسيجد الطرف الاسرائيلي في اللهفة الفلسطينية على اقامة الدولة, فرصة لاغراء الجانب الفلسطيني بها, وابتزازه فيما عداها, خاصة بعد ان قبل الطرف الفلسطيني في اتفاقات شرم الشيخ الاخيرة, ان يتنازل عن حقه في الاعلان من جانب واحد عن اقامة الدولة, وربط ذلك بنتيجة مفاوضات الحل النهائي, اي رهنها بموافقة الجانب الاسرائيلي. اما حدود هذه الدولة ومساحتها, فهي مقررة سلفا عند الجانب الاسرائيلي, وتدور حول خانة الـ 40% من مساحة الضفة الغربية, وان تسامح وتنازل فقد يرفعها إلى خانة الـ 50%, واما شروط السيادة التي سيمنحها لها, فهو يعلن مسبقا انه لن يتخلى عن بقائه سلطة مقررة على معبري الحدود مع مصر والاردن, ويتبعهما المعابر البحرية والجوية, فضلا عن سلطته على حركة التنقل بين شطري الدولة العتيدة, الضفة والقطاع, ويلحق بذلك سيطرته على المياه, وتحكمه في الاقتصاد, وقد جاءت تصريحات باراك الاخيرة التي تنفي انطباق قرار مجلس الامن رقم 242 على اراضي الضفة والقطاع, وباعتباره حين صدوره عام ,1967 كان يخص دولا ذات سيادة, لتعزز استنتاجنا لمفهوم الدولة الفلسطينية, وحدودها في السياسة الاسرائيلية وخرائطها الجغرافية المعدة. من هنا يتضح ان الجانب الفلسطيني لن يحصل في مفاوضات الحل النهائي الا على اقل القليل اضافة لما بين يديه من اراض, ولن يضاف له الكثير من شروط السيادة على ما يتمتع به الان من سلطات الحكم الذاتي, بينما سيكون الثمن الذي يدفعه مقابل اطلاق اسم الدولة على سلطته باهظا, فسيناريوهات الحل الاسرائيلي لقضية اللاجئين والقدس والاستيطان معلنة, وكلها تنكر حق اللاجئين في العودة إلى اراضيهم وممتلكاتهم, بل تنكر على السلطة الفلسطينية حقها في استيعابهم في مناطقها الا وفق شروط تضعها اسرائيل وتتحكم فيها, وباعداد محدودة, وعلى مدى قد يمتد عقودا من السنين, وتظل قضية توطينهم وتأهيلهم حيث يقيمون هي السياسة التي تعمل على تنفيذها اسرائيل, وتدعمها فيها الادارة الامريكية عبر ضغطها على البلدان المضيفة, والقدس التي تعدنا بها اسرائيل لا علاقة لها بقدس العرب والمسلمين, لا تاريخيا ولا جغرافيا, واما الاستيطان, فقد تقلص الحديث عنه, وتنازل تدريجيا من ازالة الاستيطان, إلى وقفه أو تجميده, إلى ازالة العشوائي منه فقط. ولا يتورع الجانب الاسرائيلي عن الاعلان ان موافقته على الدولة ـ حتى بشروطه ـ مرهونة بالتزام الطرف الفلسطيني بالتنازل عن بقية الحقوق, وهو ما سيقود إلى الغاء كل قرارات الامم المتحدة المتعلقة بقضية فلسطين, اي افقاد الجانب الفلسطيني سند الشرعية الدولية وقراراتها, التي كان يتسلح بها لدى المجتمع الدولي في نضاله من اجل حقوقه الوطنية. بذلك تغدو الدولة الفلسطينية نقيضاً للاهداف الوطنية, أو بديلا عنها, أو مقايضة عليها, بينما هدف الدولة في الخطاب السياسي لاي حركة تحرر, هو الخطوة الاخيرة في المشوار النضالي, وتتويج للاهداف, وتجسيد للحقوق الوطنية. والمشكلة, ان الطرف الفلسطيني, يدرك مدى الخسارة التي ستلحق به في الاتجاهين, في حجم الدولة, وطبيعتها, وشروطها السيادية, وفي الثمن الباهظ الذي سيدفعه للحصول عليها, ومع ذلك يمضي في رهاناته, متدثرا بشعارات أشك ان كان هو نفسه مقتنعاً بإمكانية تحقيقها, وغير مقدر لحجم الصدمة التي سيسببها لشعبه حين تنكشف الحقائق, حيث لن تجدي كل التبريرات في تسويق المحصلة الهزيلة لهذه المعادلة. لقد برر المفاوض الفلسطيني اتفاقات المرحلة الانتقالية بأنها مجرد اعلان مبادىء, سيمكن الجانب الفلسطيني من تحقيق موطىء قدم على الارض الفلسطينية, يمكنه من مواصلة النضال لتحقيق مجمل اهداف النضال الوطني الفلسطيني. ورد على منتقديه بأن الحساب يكون عند نهاية مفاوضات الحل النهائي, حيث رحلت جميع القضايا الاساسية لهذه المفاوضات. وسواء جرى القبول بتلك التفسيرات في حينها, أو تم السكوت عليها, على غير رضا, فقد مرت سنوات المرحلة الانتقالية, وبدأت مفاوضات الحل النهائي, واقتربت لحظة الحسم, أو لحظة الحساب, وهو ما يجعلنا نستبق بالتنبيه, لان المؤشرات والمعطيات الراهنة تؤشر على ماهو قادم, وهو لا يوحي بأنه بشير خير. وحتى لا تجري اساءة تفسير ما ذهب اليه من قبل من يتصيدون المواقف, وفهمه على انه رفض لمقولة الدولة الفلسطينية, فإني اعيد التأكيد ان حق الشعب العربي الفلسطيني في دولة فلسطينية مستقلة, كامل الاستقلال, على ارضه فلسطين, وعاصمتها القدس العربية, هو حق مشروع يستحقه, ويليق بنضاله وتضحياته, لكن هذه الدولة جزء من حقوقه الوطنية, وليست بديلا عنها, أو نقيضا لها.