فلنتوقف عند رمضان المبارك كشعوب عربية مسلمة, افرادا وجماعات, رجالا ونساء بأمل ان نحظى بالتشريف الالهي بالتوبة والغفران. لكن الله تعالى لن يغير من حالنا, وبالتالي لن تغشانا رحمته اذا لم نغير ما بأنفسنا.في ظل العصر الامريكي الصهيوني تعيش شعوب الامة العربية حال اضمحلال حضاري. والشعوب تلقي باللائمة على الانظمة , تحملها مسئولية الاستسلام الشامل لارادة الولايات المتحدة ومسئولية المصانعة والمداهنة مع الدولة اليهودية حتى صار الوجود الامريكي في العالم العربي حالة استعمارية مغلفة والتقبل السياسي التدريجي للتوسع الاسرائيلي (موضة الزمن) . ولكن... هل توقفنا كشعوب وافراد لنسائل انفسنا اولا؟ فالانظمة لا تجد سببا وجيها لتغيير سلوكها طالما ظل هذا السلوك مقبولا ضمنا على الصعيد الشعبي إما على سبيل الخوف او السلوك السلبي او اللامبالاة ـ او حتى الرضى. والشرط الاول للمساءلة الذاتية الجماعية هو ان نعترف اولا لانفسنا بأننا شعوب مهزومة ليس فقط بمفهوم القوة المادية وانما, وهذا هو الاخطر, بالمفهوم الثقافي السلوكي. ومن شروط التوبة النصوح الاقرار بالذنب اولا. وعلى هذا النحو فانها ليست بالدرجة الاولى هزيمة خارجية وانما هي هزيمة داخلية في الاعماق وربما تكون بهذا المفهوم هزيمة طوعية. اننا نرى مثلا حملة امريكية منظمة ومتعددة الجوانب ضد الاسلام والمسلمين تتخذ اساليب متنوعة تتفاوت ما بين الهجوم الاعلامي الصريح والتشكيك (العلمي) الخفي في مبادىء الاسلام. وقبل بضعة ايام شاهدت ندوة كبيرة في إحدى الفضائيات العربية الخارجية موضوعها (المسلّمات) في المجتمعات العربية وشارك فيها نحو ستة مفكرين عرب من اكاديميين وصحفيين. كانت الندوة من اولها لآخرها... وقد امتدت لساعات دعوة مغلفة الى شباب المسلمين العرب للتخلي عن مدونة السلوك الاجتماعي بالمفهوم الاسلامي كمرجعية اصيلة... وفي وجه آخر كانت ايضا دعوة مغلفة للشباب المسلم لاتخاذ المعايير الثقافية الغربية كمرجعية بديلة. ومع تعاقب المتحدثين كان من الواضح ان عبارة (المسلمات) مقصود بها معايير السلوك بالمفهوم الاسلامي, كالاحوال الشخصية مثلا في قضايا الزواج والطلاق والميراث باعتبارها (مسلمات) بائدة في عصر العولمة الثقافية. والمؤسف ان قطاعات واسعة في الشعوب العربية, وخاصة في اوساط النخب الثقافية, صارت تعتبر المعيار الغربي للقيم وكأنه المرجعية النهائية التي تقاس بناء عليها قواعد السلوك كما يحددها الاسلام... لا العكس. ان من السهل ان نسجل على بعض الانظمة العربية إدانة بشأن سلبيتها تجاه الحملة الامريكية متعددة الجوانب التي تستهدف طمس الهوية الاسلامية في المجتمعات العربية لكن قبل ان نفكر في إدانة انظمة او اي طرف آخر يتعين علينا ان ندين انفسنا اولا كقطعات جماهيرية نرى ونسمع دون ان ننفعل شعوريا. وليس مطلوبا منا الآن اشعال ثورات شعبية. ان المطلوب اساسيا وابتدائياً هو ان نغير ما بأنفسنا في مسار الحياة اليومية: ان نستنكر بقلوبنا اولا فنغضب لله بهدف ان ننتصر لانفسنا بازالة كل اثر لمشاعر الانهزام الوجداني الداخلي. ولن نستطيع ذلك الا اذا حكمنا الله في كل خطوة من آلاف خطى الحياة اليومية للفرد. يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (لا يقدم احدكم على شيء حتى يعلم حكم الله فيه) . فالمطلوب هو ان نبقي ذكر الله تعالى شاخصا في ذاكراتنا على الدوام فيسأل الواحد منا نفسه في كل خطوة وأي وقت يهم بها: هل هذا يرضي الله ام يغضبه... ومن ثم ينصرف على اساس الاجابة. ولكي نعرف الاجابة الصحيحة عن كل خطوة تفصيلية علينا اولا ان نعلم انفسنا كتاب الله وسنة رسوله. ان الامية الحرفية المنتشرة في الوطن العربي ظاهرة قبيحة بما يكفي... لكن اسوأ منها الامية الدينية لدى المثقفين. أحمد عمرابي