حتى هذه اللحظة, ما زالت قنواتنا التلفزيونية الفضائية, تصر وبشكل يدعو للعجب احياناً واثارة الاعصاب احياناً اخرى على الاستمرار في حالة ضبابية الاهداف التي تسعى لتحقيقها, والرسالة التي نذرت نفسها لها, ولأجلها تنفق الدولة كل هذه الملايين لهذه القنوات حيث يتجلى سوء فهم شديد وانقطاع واضح بين القنوات والجمهور بسبب هذه الضبابية . وسوء الفهم الذي نتحدث عنه هنا يأتي من خلال كمية ضخمة من الاعتراضات والانتقادات التي يوجهها الجمهور المعني برسالة القنوات الفضائية (في حالة وجود رسالة) وكذلك اصحاب الرأي في المجتمع لبرامج هذه القنوات المحلية, لانهم (الجمهور) يتصورون ان اهدافاً عظمى لهذه القنوات, وقد ثبت وبالدليل القاطع ان هذه الاهداف مجرد اوهام لا اساس لها من الصحة. هذه الانتقادات تصلنا عبر الهاتف والفاكس والبريد الالكتروني ونطالعها يومياً في صحافتنا المطبوعة عبر أعمدة وزوايا الرأي, ولا ندري فيما اذا كان يصل مثلها الى مسئولي القنوات الفضائية المعنيين بالأمر ام لا, كما لا ندري مدى متابعتهم لما يكتب عن قنواتهم وكيفية تعاطيهم وتفاعلهم مع هذه الانتقادات التي نرى انها تتراوح بين الغضب والاحتجاج حد السخط احياناً! الاشكالية الكبرى في تلفزيوناتنا المحلية انها تصر على العمل بمبدأ الاستيراد, والاستيراد فقط, الا فيما يتعلق بما يسمى بالدراما العربية, والاستيراد التلفزيوني عندنا يشمل كل صغيرة وكبيرة بدءاً بالافلام والمسلسلات والبرامج الثقافية وغير الثقافية وانتهاء بالمذيعات اللبنانيات تحديداً!! حيث يعتقد مسئولو التلفزيون ومذيعاتهم المغناجات ان استقطاب الجمهور وجذبه للشاشة لا يمر الا عبر وسيلة واحدة فقط هي اللعب على وتر الغرائز والتفاهات بعرض اكبر قدر ممكن من جمال ودلال المذيعة التي تجتهد من اجل تدليل المشاهد والحديث معه بدلع مبالغ فيه سيرا على مبدأ (دلل ابقارك كما يفعل الهولنديون)!! ان اللعب على وتر تدليل المشاهد والعبث بذهنه (واستعباطه) ببرامج هزيلة مقلدة شكلا وديكورا وحوارا ومضمونا ( هذا في حالة وجود المضمون), ( ضلالة) اقتحمت كل برامجنا الفضائية بضرورة وبغير ضرورة. وهذه الضلالة ابتدعتها باحتراف احدى مذيعات القنوات التجارية عندما اطلقت عبارتها الشهيرة: حلوين طيبين... بنحبكم!! اليوم نحن نتحدث عن اعمال درامية عربية كبيرة تنتجها التلفزيونات المحلية بمناسبة شهر رمضان, وهذا جيد ومفهوم في سياق التنافس الذي تشهده التلفزيونات العربية بهذه المناسبة, لكن الامر الاكثر اهمية والسؤال الجوهري عن: ماذا قبل رمضان وبعد رمضان؟ وهل الدراما هي الفن التلفزيوني الوحيد الذي يهم المشاهد, ام ان المشاهد العربي تحول الى كائن درامي في رمضان, ومدمن برامج فنية قبل وبعد رمضان حسب تخطيط هذه القنوات؟ لقد قلنا وكررنا ان الحياة والمجتمع والناس لديهم آلاف القضايا المهمة التي تحتاج لان يجهد التلفزيون نفسه كي يعرضها, وهذا بطبيعة الحال يستلزم وجود مذيعين ومعدي برامج على جانب من الحرفية العالية والالمام والثقافة ومعرفة تفاصيل الحياة والمشهد الاجتماعي العام, كي يستطيعوا الولوج الى قلب الاحداث والتماس معها ونقلها للجمهور تماما كما يفعل (السنعوسي) في برنامجه المشهور في تلفزيون الكويت. اما ان نظل نقتات هذه البرامج التافهة التي لا تقدم بل تؤخر كثيرا وربما تسبب عاهات عقلية للناس, فهذا ما يجعلنا نقول لمسئولي التلفزيون .. حرام عليكم يكفي ما شاهدناه حتى الآن. وبالتأكيد فان مذيعات ومذيعين وكذلك معدين بدون هم وطني وبلا رؤية واضحة وبلا هوية من الاساس وبلا ثقافة عالية لايمكنهم سوى انتاج برامج استضافة احلام وفاطمة وراغب علامة و .. هلم جرا, وكأن هؤلاء هم كل همنا وقضيتنا ومتعتنا ومنتهى احلامنا .. انه منتهى القصور ومنتهى السذاجة ايضا .. ومنتهى الاستعباط للمشاهد. عائشة إبراهيم سلطان