الصلح خير, وكل صلح يستوجب الفرح والتأييد, فاذا كان هذا الصلح في بلد عربي أو بين بلد عربي وآخر بينهما ما صنع الحداد, فان الصلح يصبح ذا قيمة سياسية عالية ويفتح الآمال أمام المواطنين العرب كلهم, لا أمام مواطني البلدان المعنية فحسب, ذلك لأن المواطن العربي شبع من الخلافات حتى فاضت عن حاجته وطاقته وفهمه أيضاً , فبات يترقب الصلح مهما كان مستواه. وبما أنه لا توجد بوادر ونحن في نهاية العام على صلح بين الدول العربية, ثنائياً أو جماعياً, ينهي خلافات مزمنة ويقرب بين الاشقاء, فان صلحاً أو أكثر في بلد عربي أو أكثر, هلت تباشيره مع اقتراب العام من نهايته, ظهر أولا في الجزائر حيث رئيسها رفع شعار الوئام الوطني, وظهر تالياً في السودان باتفاق (نداء الوطن) . ونبقى مع الصلح السوداني الأحدث الذي جمع الرئيس البشير مع قطب المعارضة الصادق المهدي في جيبوتي وأسفر عن اتفاق على حل سياسي شامل في السودان وعلى آلية لهذا الحل يعتمد نظاماً فيدرالياً ورئاسياً وديمقراطياً, الى اخر ما اشتمل عليه الاتفاق القابل للجدل والخلافات, الا أن الترحيب بالخطوة واجب, ذلك لأن السودان لا يستحق بما يملك من ثروات طبيعية وبشرية وموقع جغرافي ومساحة وغير ذلك من امكانيات تنموية حقيقية, خلافات بين أبنائه تمزق وحدته وتضعف مقاومته وتهز وجوده السياسي كدولة عربية وافريقية ذات أهمية من نوع ما. وهاجمنا سابقاً نظام البشير الذي انقلب على الديمقراطية في السودان وسلبها من الشعب وتحالف مع جبهة الترابي وقمع المعارضين واستفرد بالحكم, الا أننا اليوم يمكننا ان نشيد بهذا النظام في حالة اقترابه من المعارضة والعمل معها على حل الخلافات الداخلية بالطرق السلمية, بما في ذلك حل مشكلة الجنوب الدامية, على قواعد ديمقراطية لا تسلب الاخر حق الرأي والمشاركة, فاذا نجح في ذلك يكون قد اسدى للسودان خدمة جليلة ويكون نظاما في مستوى المسئولية التاريخية والوطنية. ولا حل طبعاً في السودان, كما في أي بلد عربي آخر, الا بالديمقراطية التي تضمن التعددية والتداول السلمي للسلطة واحترام حقوق الأقليات وغير ذلك من مبادئ تراعي ظروف البلاد وخصوصيتها ومصالحها العليا, مما نعتقد ان جميع اطراف المعارضة السودانية تنادي به وتدعو اليه وتسعى لاقراره وهو ما يشكل خلافها الرئيسي مع النظام, فاذا أقر النظام هذه المبادئ او حتى جزءاً منها في المرحلة الحالية, يكون الطرفان قد خطوا الى الأمام باتجاه بعضهما البعض والى منتصف طريق الحل النهائي. والمهم طبعاً من منتصف الطريق المؤدي الى حل نهائي هو وقف الحرب الأهلية في البلاد, لأنه لا أحد يمكن ان يستمع الى صوت العقل تحت قعقعة السلاح, كما أن البناء السلمي مطلوب أكثر من غيره وهذا لا يمكن ان يتم الا في حالة السلم حيث يتاح لمؤسسات البلاد الشرعية واجهزتها أن تعمل وتتطور, بما في ذلك المؤسسات الديمقراطية كالبرلمان والمجالس الأخرى. غير ان هناك معارضة من المعارضة السودانية لاتفاق (نداء الوطن) , لأن الصادق المهدي خرج على مقررات متفق عليها مع المعارضة كما ترى, مع ذلك يمكن لهذه المعارضة ان ترى جوانب ايجابية في اتفاق المهدي مع البشير فتعمل على تطويره, اذ لا يعقل ان يكون المهدي قد عقد اتفاقاً على حساب بقية المعارضة, كما لا يعقل ان يكون النظام يناور ويداور بمثل هذا الاتفاق شبه التاريخي, فنختم بما نعرف, وهو ان السوداني اعرف منا وادرى بشئون بلده ونظامه ومعارضته أيضاً, وان كان من واجبنا ان نذكر فحسب بأن الصلح خير, والخير فيمن يفتح باباً للصلح. عبدالحميد أحمد