جولة مادلين اولبرايت في المنطقة تأتي وسط اجواء ضاغطة على المواقف العربية, ويخشى لذلك ان تؤدي إلى مزيد من التنازلات في الصف العربي, أو إلى تجميد الحال على ما هو عليه حيث حالة الضعف والعجز التي تشل الفعل لدى الاطراف العربية, بينما تمضي اسرائيل بسرعة في عمليات الاستيطان والتهويد والمبادرة الهادفة لفرض التسوية بالصيغة الاسرائيلية على كل الجبهات . فعلى المسار الفلسطيني تصاعد الاستيطان في الارض المحتلة إلى درجة تكاد تصادر اي حل نهائي ممكن, حيث تتم مصادرة كل الاراضي والمواقع المفيدة والمنتجة وابتلاع المقدسات, وهذا ما دفع السلطة الفلسطينية إلى الاضطرار للتوقف عن التفاوض, وبدل ان يؤدي ذلك إلى مراجعة لدى المفاوضين الاسرائيليين فان اسرائيل اعتبرت موقف الفلسطينيين مجرد عقبة ومناورة تسبق وصول اولبرايت. لكن الوقائع على الارض تؤكد ان اصرار اسرائيل على التهام الاراضي والموارد, لم يؤد فقط إلى ارباك السلطة الفلسطينية التي راهنت على منهج اوسلو, وانما ادى ايضا إلى اظهار عجزها تجاه اسرائيل امام شعبها الذي لم يحصد من التسوية إلى الان الا العسف والقهر الامني والمصاعب الحياتية ونمو مظاهر الفساد في المجتمع, مما دفع إلى تململ شعبي واضح, وقد عبر هذا التململ عن نفسه بما سمي (بيان العشرين) الذي شكل بدوره آلية استقطاب وانقسام خطيرة في الشارع الفلسطيني. اما على المسار السوري واللبناني, فان اسرائيل تناور بين احاديث الانسحاب من جنوب لبنان, وبين الالاعيب حول (وديعة رابين) المتعلقة بالانسحاب من الجولان, وبين المزيد من التسلح والتهديد بالحرب والاعتداءات الجوية الفعلية المتواصلة في البقاع وجنوب لبنان, ساعية بذلك إلى الحصول على اقصى تنازلات من الجانبين السوري واللبناني. والخطير ان جولات المبعوثين الامريكيين السابقة سعت دائما اما إلى ترسيخ مراكز القوة التفاوضية الاسرائيلية وانتزاع مزيد من تنازلات العرب, أو إلى الاكتفاء بتوليد آليات تساهم بالمزيد من زعزعة المواقف العربية, وذلك لان الضعف العربي يغري باستنزافه لمصلحة الحليف الاسرائيلي. ولن يستطيع العرب بالتالي تغيير هذه المسارات الضارة الا باعادة حساباتهم, والاستعجال بتحريك آليات التضامن القادرة على رفع الظلم والقهر الاسرائيلي, وعلى اقناع واشنطن ان لا سبيل لاستقرار المنطقة الا باستعادة كاملة للحقوق العربية المشروعة.