تابعت في دمشق مؤخرا وعلى مدار ثلاثة ايام متواصلة اعمال المؤتمر العاشر للاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب, وهو منظمة قومية عربية, تضم في عضويتها الاتحادات العمالية القائمة في البلدان العربية, وقد تأسس الاتحاد في العام 1956, وتابع على مدار نحو اربعة عقود ونصف العقد من السنوات اهتماماته , ليس بشئون العمال العرب وقضاياهم الخاصة, بل اضافة الى ذلك اهتم بصفة خاصة بالشئون والقضايا العربية العامة السياسية والاقتصادية, فكان في جدول اهتماماته اهتمام بالقضية الفلسطينية وبالصراع العربي ـ الاسرائيلي جنبا الى جنب مع اهتمامه بقضايا التنمية والتقدم الاقتصادي العربي. وقد حضر المؤتمر ممثلون عن الاتحادات العمالية العربية المنضوية في اطار الاتحاد, كما حضره ممثلون عن اتحادات عمالية اجنبية واقليمية ودولية الى جانب ممثلين عن منظمات عربية ودولية بينها جامعة الدول العربية ومنظمة العمل العربية وقرينتها منظمة العمل الدولية. وبطبيعة الحال, فقد تعددت وتنوعت الموضوعات التي طرحها وناقشها حضور واعضاء المؤتمر وفيها موضوعات داخلية تهم الاتحاد, واخرى خارجية تتصل بالقضايا التي تهمه او تتصل بميادين عمله, غير ان اهم ما كان مطروحا في موضوعات ومناقشات المؤتمر العامة, كان موضوع العولمة, حيث اشار اليه او قاربه اغلب المتحدثين في كلماتهم او في مداخلاتهم, الامر الذي يكشف اهمية الموضوع وخطورته في ذهن الذين حضروا او بالنسبة للجهات التي يمثلونها, وهم يعكسون قطاعا واسعا من الرأي العام العربي. والاهتمام بموضوع العولمة وخطورتها في اطروحات المشاركين في اعمال مؤتمر العمال العرب, انما هو مستند خصوصا الى النتائج السلبية لظاهرة العولمة, والتي اخذت تظهر تباعا في العالم وخصوصا في البلدان النامية ومنها الدول العربية, ولاسيما في الجوانب المتصلة بالاقتصاد وبالعمالة والتقدمات الاجتماعية في هذه البلدان. ان الاهم في التأثيرات السلبية للعولمة على اقتصادات البلدان النامية ومنها البلدان العربية, هو فتح اسواق تلك البلدان امام السلع والخدمات القادمة من الاسواق الدولية, مما يؤدي الى تأثيرات سلبية على السلع والخدمات المحلية لعدم قدرة الاخيرة على المنافسة لارتفاع تكاليفها من جهة وهبوط مستواها بسبب تخلف قوى وادوات الانتاج, الامر الذي يؤدي غالبا الى مزيد من الانهيارات في الاقتصادات المحلية في قطاعاتها الانتاجية منها والخدمية, وهو ما سوف يكون في نتائجه المزيد من العاطلين عن العمل, مما يراكم مشاكل اقتصادية واجتماعية جديدة للبلدان النامية, وهي بالاصل لديها مشكلات اقتصادية واجتماعية كثيرة. وبين التأثيرات السلبية للعولمة في البلدان النامية جوانب اخرى, ومنها تزايد استخدام الاتمتة في الانشطة الاقتصادية والخدمية, والتي تعني في احد جوانبها الحاجة الى ايد عاملة متطورة الامكانيات والخبرات, وهو طموح لايتوافق مع واقع القوى العاملة الراهنة في هذه البلدان والموصوفة بالتطور المحدود والخبرة التقليدية, واذا كان من الممكن توفير الخبرات والامكانيات الجديدة المناسبة للاتمتة, فلاشك ان الاتمتة سوف تدفع الى الاستغناء عن اعداد متزايدة من العاملين الحاليين بفعل عمليات التحديث والتطوير للانشطة الاقتصادية الانتاجية والخدمية. ويترافق التطوران السابقان مع تطورين اخرين, الاول منهما, يتمثل في التركيز على التوجه الى خصخصة المؤسسات الانتاجية والخدمية, بما فيها تلك التي تتبع الدولة, والقيام بتحويلها الى الملكية الخاصة, وتشجيع القطاع الخاص للدخول في كل مجالات الاستثمار, غير ان امرا كهذا له مشاكله في حالة اكثر البلدان النامية والعربية خصوصا من حيث عزوف القطاع الخاص عن الانخراط في مجالات استثمارية طويلة الدورة الانتاجية, او ضعيفة المردود الربحي, مما سوف يجعل هذه المجالات دون استثمارات, ويجعل اقتصادات تلك البلدان غير متكاملة الجوانب ويوقعها في المزيد من المشاكل. اما التطور الآخر الذي تشهده البلدان النامية والدول العربية خصوصا, هو وثيق الصلة بظاهرة العولمة, فيبدو مجسدا في تراجع برامج التقدمات الاجتماعية التي تتابعها الدولة, ويشمل التراجع برامج الثقافة والصحة والتعليم والاسكان وغيرها الى درجة يمكن القول معها, ان الدولة تتحول شيئا فشيئا عن مسئولياتها الاجتماعية, لتصير مجرد اجهزة ادارية وتنفيذية وهو نوع جديد من الدولة, يختلف حتى عن الدولة وما تقوم به في الغرب وفي الولايات المتحدة, التي تطبق انظمة للرعاية الاجتماعية من منظورها الخاص. لقد فتح تراجع برامج التقدمات الاجتماعية التي تقوم بها الدولة في البلدان العربية ابوابا لمزيد من التدهور, بل الى المزيد من المشاكل والصعوبات الحياتية امام اوسع الفئات في المجتمعات العربية, مما ساهم, وسوف يزيد من تفاقم المشكلات الاجتماعية, واضعا هذه البلدان امام مستقبلات مفتوحة. لقد بدت العولمة في تجلياتها وما يرافقها من تطورات ذات تأثيرات سلبية على اقتصادات ومجتمعات البلدان العربية, وكأنها تقود تلك البلدان الى الكارثة المحتمة, نتيجة الروابط الوثيقة ما بين تدهور الواقع الاقتصادي الاجتماعي وما يفرزه من عدم استقرار وصراعات سياسية من شأنها ان تهدد اسس المجتمعات بالانهيارات, وهو بين اساسيات الخوف من العولمة ومن نتائجها واثارها السلبية. ان المشكلة الاساسية للخوف من العولمة, تكمن في الفرضيات التي ترافق العولمة, حيث مطلوب من البلدان النامية ومنها العربية, ان تكون مجرد مستقبل مطيع لما يقرره الآخرون من الدول المتقدمة, والمؤسسات الدولية, وما تبعثه اليها من اوامر ومن ذلك القول بفتح الاسواق امام حرية التجارة, والتوجه الى الخصخصة وخفض التقدمات الاجتماعية, وتقليص دور الدولة في رعاية المجتمع, لكن دون ان يرافق ذلك تقديم المساعدة في احداث تبدلات ملموسة في تلك البلدان, تبدلات تطال البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية قليلة التطوير والمتدهورة عموما, تبدلات تدفع الى تقدم اساسي في البلدان النامية يجعلها تشارك بصورة عملية في الحياة البشرية المعاصرة, وهو الامر الذي يفترض انه يجسد جوهر العولمة, ومنها ان يصبح البشر والدول جميعا حاضرين في عالم واحد بالفعل وبالقول, وعدا ذلك, فان الخوف من العولمة سيظل قائما وموجودا, بل انه سيظل مشروعا في الكثير من جوانبه.