البداية لابد ان تكون اسقاط الديون المتراكمة على الدول النامية, ودفع التعويضات عن سنوات النهب والاستغلال وتخصيص نسبة معقولة من دخل الدول المتقدمة لتأهيل اقتصاديات الدول النامية للمنافسة القاسية حتى لاتتحول (العولمة) الى فخ منصوب لمصلحة الاقوياء فقط . مهما كانت نتائج اجتماعات منظمة التجارة العالمية وسواء كان مصيرها الفشل التام كما حدث بالفعل, او حتى لو انها نجحت في المرور الصعب من ازمتها كما كانت تتوقع الولايات المتحدة الامريكية فإن ماحدث في مدينة (سياتل) الامريكية داخل هذه الاجتماعات او خارجها هو علامة على بداية مرحلة جديدة في العلاقات الدولية لعل اولى سماتها السقوط الكامل لنظرية المفكر الامريكي (هنجتون) عن سقوط الحضارات التي تبشر الجميع فيها بأن الصراع في العالم قد انتهى بسقوط الشيوعية وانتصار الرأسمالية انتصارا كاملا. فها هو الصراع يتأجج والقوى الرأسمالية تختلف فيما بينها ثم تختلف مع باقي دول العالم من (الغلابة) الذين كتب عليهم ان يدفعوا ثمن كل تطور عالمي وان يكونوا اول ضحاياه. بعد سقوط الاتحاد السوفييتي كانت البشرى بالنظام العالمي الجديد الذي تكرس بعد ذلك وبرز دوره في حرب الخليج الثانية لتصبح امريكا هي الحاكمة الوحيدة التي تفرض كلمتها على العالم كله. وبدأ تيار (العولمة) يجتاح كل شيء امامه ومع توقيع اتفاقيات منظمة التجارة العالمية الاخيرة عام 1994 اكتملت فعالية الثالوث الذي يسيطر على اقتصاد العالم (صندوق النقد الدولي) والبنك الدولي, ومنظمة التجارة العالمية. وكان الوعد ان ذلك سيأتي بالخير للعالم كله, وان فتح الاسواق امام التجارة سيزيد من رفاهية الانسان, وسيعطي الفقراء فرصة اللحاق بالاغنياء, وكان من المفترض ان تزداد مكاسب التجارة لتصل مع اكتمال ازالة الحواجز الجمركية بين دول العالم في نهاية 2005 الى حوالي 430 مليار دولار. ومع ان نصيب امريكا وأوروبا من هذه المكاسب يصل الى حوالي 70%فإن الدول النامية اكتشفت في منتصف الطريق ان المكاسب التي وعدوها بها لم تصل اليها, واكتشفت ان المطلوب منها الآن ان تصارع في ظروف غير مواتية لمجرد البقاء على الحياة, بينما الصراع الحقيقي يدور بين اوروبا وامريكا من اجل تعظيم المكاسب لكل منهما. وهكذا اشتعل الموقف في اجتماعات (سياتل) بالولايات المتحدة الامريكية التي تريد إلغاء الدعم للصادرات الزراعية في أوروبا لتستطيع زيادة حصتها من هذه الصادرات والتي تبلغ 19% في مقابل 46% لدول اوروبا التي تتمسك باجراءات الحماية لمزارعيها. واذا كان هذا هو الصراع الاساسي بين امريكا وأوروبا في هذه الجولة, فإن الأمر يختلف مع الدول النامية التي دخلت طريق (العولمة) على امل التخلص من فقرها, فإذا بأوضاعها تزداد سوءاً وسط منافسة غير عادلة مع الدول الصناعية المتقدمة, التي لا تكتفي بتقدمها وانما تفرض اجراءات حماية لصناعاتها وزراعتها حتى لا تستفيد الدول النامية من الميزة النسبية التي تتمتع بها وهي انخفاض التكلفة وبالتالي انخفاض الاسعار. لقد كشفت اجتماعات (سياتل) عن الوجه القبيح للعولمة, بعد طول حديث عن وجهها الجميل ومزاياها الفريدة. اليوم يدرك العالم ان من بين ستة مليارات فرد يعيشون على الارض هناك 1.3 مليارنسمة يعيشون بأقل من دولار واحد في اليوم, وثلاثة مليارات يعيشون بأقل من دولارين في اليوم. اي ان ثلثي سكان العالم يعيشون في فقر تام. والمشكلة الآن ان نظام (العولمة) لم يقدم شيئا لهؤلاء, بل على العكس فإن ما يجري على الساحة العالمية كلها يكرس اوضاع الظلم الاقتصادي للدول.. وللأفراد. على مستوى الدول فقد أصبح واضحا ان (العولمة) بأوضاعها الحالية تفتح الباب لكي يزداد الاغنياء غنى, ولكي تزداد ايضا معاناة الفقراء. وكل ما يجري الآن هو لصالح الدول القوية ولصالح الشركات متعددة الجنسيات التي يملكها العالم المتقدم وتفرض سطوتها على العالم كله. وعلى المستوى المحلي ساهمت (العولمة) في زيادة تركيز الثروة في ايدي اقلية صغيرة في كل دولة وعلى حساب الاغلبية التي ازدادت معاناتها. وهكذا اذهبت المكاسب التي تحققت من ازدياد التجارة العالمية الى جيوب هذه الاقلية, ولم تنتفع بها الشعوب.. فاذا اضيف الى ذلك ان (العولمة) باعتمادها على الشركات العملاقة والاستغناء عن الوحدات الانتاجية الصغيرة قد ادت الى زيادة البطالة وارتفاع عدد العاطلين, كما أدت الى فرض شروط عمل تنزع كل المزايا التي كان العمال (خاصة في الدول المتقدمة) يتمتعون بها. الآن الكلمة للاقوياء (رأس الشركات العملاقة) وعلى العمال ان يعملوا ساعات اكثر وان يقبلوا بأجور اقل.. والا فطابور الباحثين عن عمل طويل. هذا الاحساس بالخطر لدى الغالبية العظمى من العمال في الدول المتقدمة هو اهم ما تواجهه الحكومات الغربية والشركات العملاقة. صحيح انهم ضربوا الحركة العمالية وأضعفوا النقابات, وصحيح انهم يهددون بنقل نشاطهم الى دول اخرى تعطيهم ميزات اكثر, وصحيح انهم قاموا بالفعل بالاستثمار في دول فقيرة لكي يستفيدوا من الأجور الاقل لعمال هذه الدول.. ولكن ذلك كله ادى الى تزايد الشعور بالخطر لدى العمال في الدول المتقدمة, وكان ذلك احد الاسباب التي جعلت العمال يخرجون الى شوارع مدينة (سياتل) الامريكية والى شوارع مدن اخرى اوروبية في الوقت نفسه يهتفون (البشر قبل الارباح) ., ان المظاهرات التي قامت تعود لأسباب كثيرة, وشارك فيها انصار البيئة مع دعاة حماية الحيوانات.. جنبا الى جنب مع قوى اليسار واليمين, ولكن المهم في هذه المظاهرات جانبان.. الجانب الأول يتعلق بالخلافات بين المصالح المتناقضة للدول الرأسمالية مثلما يحدث في معركة الصادرات الزراعية بين اوروبا وأمريكا, والجانب الآخر هو ثورة العمال ضد الشركات متعددة الجنسية وما أدت اليه سياسة العولمة من الاضرار بحقوق العمال والانحياز لاصحاب رأس المال الذين بدأوا يستفيدون من انهيار الحدود وإلغاء الجمارك لينقلوا نشاطهم الى الدول الاخرى سعيا وراء المزيد من الارباح, بعد ان اصبح عامل المصالح الوطنية في خبر كان. هذان العاملان سيظلان يلقيان بظلالهما على الساحة العالمية, خاصة مع التطور العلمي الهائل الذي يقلص الاعتماد على البشر في المصانع والمزارع لصالح الآلة والروبوت الذي يتطور بسرعة هائلة. ان البعض في الدول المتقدمة (يبشر) العمال بأن السنوات القليلة المقبلة ستشهد الاستغناء عن 80% من قوة العمل البشري لأن الـ 20% الباقية تكفي لادارة آلة العمل وبكفاءة كبيرة ومع رأسمالية متوحشة تضع الارباح قبل البشر, فإن الأمر سيتحول الى مأساة بكل معنى الكلمة. لكن المأساة الأكبر ستكون في الدول النامية التي تدخل في منافسة لم تستعد لها ولن تقدر على تكاليفها, ان ما حدث حتى الآن لهذه الدول في ظل (العولمة) لا يبشر بالكثير من الخير, فالديون ما زالت تثقل كاهلها, والدول الصناعية المتقدمة تغلق ابوابها امام الصادرات من الدول النامية بكل الحجج الممكنة وغير الممكنة, و40% من التجارة العالمية في يد امريكا واوروبا وأسعار المواد الاولية تنخفض والواردات تتضاعف من الغذاء أحياناً.. ومن السلاح في أحيان اخرى ولمصلحة المزارع الامريكي والاوروبي, او شركات السلاح العملاقة. إن المؤشرات تقول ان الصادرات الامريكية قد ارتفعت بين عامي 94 و98 مما سمح بتوفير 3.1 مليون فرصة عمل, وتراجع البطالة من 1.6% الى 5.4% والذي دفع الثمن هو الدول النامية التي زادت صادراتها من الاسلحة لتخوض حروباً بائسة, وتضاعفت صادراتها الزراعية, بينما وقفت لها الدول المتقدمة بالمرصاد لتمنع صادراتها الرخيصة من عبور الأسواق الاوروبية والامريكية. إن القاء نظرة متأنية على اقتصاديات دولة كمصر في ظل العولمة تعطينا مؤشرات هامة, ونختار مصر لأنها ـ وفقاً لشروط مؤسسات العولمة نفسها ـ حققت انجازاً كبيرا في الاصلاح الاقتصادي المطلوب من صندوق النقد والبنك الدولي, وتوالت عليها شهادات التقدير من هذه المنظمات.. ولكن ما هي المحصلة النهائية لهذا الاصلاح؟ ان مصر ـ بعد كل ما قدمت ـ ما زالت تئن بأعباء ديون خارجية تزيد على 28 مليار دولار, ورغم كل جهودها في ضبط الميزان التجاري فقد شهد العام الاخير ارتفاعاً في الواردات وانخفاضاً في الصادرات فزاد العجز الى 5.12 مليار دولار, وفي الوقت الذي انفتحت فيه اسواقها لتستورد الطبقة الجديدة التي نشأت في احضان العولمة طعام الكلاب واحذية القطط, اقامت امريكا الدنيا وأقعدتها بدعوى ان مصر تغرق الاسواق الامريكية ببضعة الاف من القمصان او المفارش, ومع تقدم برامج الخصخصة زادت ارقام البطالة بسبب عجز القطاع الخاص عن توفير فرص العمل المطلوبة سنوياً والتي تبلغ نحو نصف مليون فرصة عمل او بسبب الذين يخرجون عن طريق نظام المعاش المبكر من اعمالهم لتسهيل بيع وحدات القطاع العام للمستثمرين, ومع ازدياد برنامج الخصخصة تزداد المخاوف من السيطرة الاجنبية على قطاعات هامة في الاقتصاد بما يهدد الأمن القومي, وتزداد الضغوط الاجنبية لإلغاء كل القيود وفتح كل الأبواب حتى ولو ادى ذلك الى اغلاق آلاف المصانع وتشريد ملايين العمال. يحدث هذا في مصر التي تملك كل امكانيات التقدم وكل عوامل الاستقرار فكيف يكون الوضع في دول افريقيا التي تأكلها المجاعة وتعاني من كل امراض العصر وتتحمل ميراثاً من الضعف والفقر والمرض.. ومطلوب منها ان تتنافس مع امريكا واوروبا؟ ان الكل يدرك الآن ان (العولمة) وان كانت قد اصبحت قدراً مكتوباً على الجميع, فإنها تبدو غير قادرة على الاستمرار بأوضاعها الحالية التي تترك ثلثي سكان العالم في قبضة الفقر لينعم الثلث الآخر, والتي تقسم المجتمعات الى اقلية تزداد ثراء وأغلبية تزداد معاناتها يوماً بعد يوم, والتي تفتح الباب أمام اوضاع تتضاعف فيها معدلات البطالة وتتقلص الاجور والخدمات, وتتحول الشركات متعددة الجنسية الى ديناصورات تحكم العالم وتمتص دماء البشر. وبالطبع, فإن المجال ليس متاحاً لكي تفعل الدول النامية شيئاً في عالم يحكمه الاقوياء الا ان تسمع النصائح المعتادة عن تعظيم قدرتها التنافسية, والارتقاء بصناعاتها والحصول على التكنولوجيا المتقدمة. وأيضاً قد يكون بناء التكتلات الاقليمية سبيلاً لوقف التدهور في احوال الدول النامية, وزيادة القدرة على التفاوض والحصول على المكاسب وتحجيم الخسائر. لكن النقطة الأساسية ستبقى: وهي أن المنافسة غير عادلة, وبالتالي فإنها لن تؤدي الا لزيادة اختلال الاوضاع لمصلحة الاقوياء, ولا سبيل لمعالجة هذا الوضع الا بشيء من المعدل الذي يعيد الأمور لنصابها. ان الدول المتقدمة قد بنت نهضتها على استغلال الدول الاخرى عبر سنوات طويلة من الاستثمار والاستغلال, حرصت خلالها على ابقاء الاوضاع المتدهورة في هذه المستعمرات, ونزح ثرواتها لتبني حضارة اوروبا.. ثم امريكا. هذا التقدم الذي حققته الدول الغربية تم على حساب الشعوب الاخرى وعندما تفرض قواعد اللعبة الآن وهي في عز قوتها, فإن ذلك لا يعني الا ابقاء تخلف الدول النامية الى الأبد, واستمرار الدول الغربية في تقدمها وبصوت أكثر كثافة ولا يمكن ان يؤدي ذلك الى استقرار العالم مهما زاد الحديث عن الليبرالية وحقوق الانسان. ان خطوة هامة يجب ان تتم لتصحيح الاوضاع والبداية لا بد ان تكون اسقاط الديون المتراكمة على الدول النامية للدول المتقدمة بل ان الامر يستلزم ما هو اكبر من ذلك لتعويض سنوات النهب والاستغلال, ولوضع هذه الدول على طريق التقدم الحقيقي, وذلك بتخصيص نسبة معقولة من دخل الدول المتقدمة لكي تذهب الى الدول الثانية في شكل مساعدات اقتصادية وتكنولوجية ضمن برنامج لاعادة تأهيل اقتصاديات هذه الدول للمنافسة القاسية في ظل العولمة. لقد سبق ان تعهدت الدول المتقدمة بتخصيص نسبة تافهة لمساعدة الدول النامية ولكنها لم تفِ بتعهداتها, والمطلوب هنا اقرار ملزم ضمن اتفاق دولي يجسد كل الكلام الجميل الذي نسمعه عن حقوق الانسان وعن النظام العالمي الجديد الذي يفيد البشر جميعاً والذي تحول في النهاية الى (فخ) منصوب لمصلحة الاقوياء فقط. بهذا وحده يمكن ان نعيد التوازن بين مصالح الدول جميعها, ونمنح الدول النامية فرصة اللحاق بالعصر, ونستجيب للصيحة التي أطلقها المتظاهرون في شوارع مدينة (سياتل) والتي أظن انها ستكون بعد ذلك شعارا لكل الضعفاء في عصر العولمة.. تلك الصيحة التي طالب بعمق وايجاز بأن يكون (البشر قبل الارباح) .