في الأسبوع الماضي زار الكويت الدكتور غازي عبدالرحمن القصيبي, سفير المملكة العربية السعودية في المملكة المتحدة وايرلندا في اطار حصوله والدكتور فؤاد زكريا من مصر على جائزة الكويت غير الدورية التي تمنح لمن قدم خدمات ثقافية جليلة للكويت . احتفى الجسم الثقافي بغازي كما يجب ان يحتفى بمثله, وكان ضمن مظاهر هذا الاحتفاء لقاء على هامش الزيارة بالعاملين في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت, وهناك دار نقاش اعتقد أن بعض محاوره هي من حق المتابع للمشهد الثقافي أن يتعرف عليها, سواء هنا في الخليج أو على النطاق العربي, لأنها مهمة أولا, ولأنها جاءت من تجربة طويلة لمثقف قل ان يجتمع لغيره من الشعر وكتابة المقالة وسرد القصة من جهة وفهم عميق وموسوعي لمتغيرات العصر من جهة أخرى. والمحاور أربعة: المحور الأول: مستقبل الثقافة في عصر العولمة وقوى السوق, ومما قاله ان الثقافة اصبحت تجارة تدر على من يمسك بزمامها أموالا طائلة, فالولايات المتحدة تصدر من الثقافة (سينما وكتب وبرامج كمبيوتر وغيرها من الوسائل) بمبالغ تزيد كثيرا على ما تصدره من أسلحة ومعدات وأدوات فهي التي ترسم المشهد الثقافي وتقرر ثمنه ايضا, فأطفالنا يعرفون الآن ابطال العابهم اكثر مما يعرفون عنترة بن شداد, ويستطيع الطفل ان يحدثك عن هؤلاء بأكثر مما يحدثك عن كبار ابطال التاريخ, لانه ببساطة يشب على هذه الثقافة ويلتقطها في الاغنية واللعبة والفيلم. في الوقت الذي يضحى فيه ببساطة بالانفاق الثقافي في بلدان العالم الثالث, وبلداننا من بينها, عند أول بارقة ترشيد للإنفاق, وشد الأحزمة, ولاتجد من يدافع عن الإنفاق الثقافي أويبرره لعدم فهم قيمته من جهة, ولقصور في فعاليته من جهة أخرى. عقلية السوق سوف تقضي على الثقافة والنشاط الثقافي, ولنا في الاتحاد السوفييتي مثال, ففي الايام السابقة على تفكك هذه الدولة العظمى كانت الدولة ترعى الثقافة فازدهر كثير من تجلياتها وكانت المتاحف عامرة بالمقتنيات الفنية مثل متحف الارمتاج أو فرقة البلوشي, واليوم تموت الحيوانات من الجوع في حدائق الحيوان ولاتجد من يطعمها. في الغرب, وبسبب نظام ضرائبي يحابي ويتحيز لمن يتبرع للثقافة ويعطيه إغراءات للتخفيف أؤ الإعفاء الضريبي, فإن هناك العديد من المؤسسات الاهلية الداعمة للعمل الثقافي والتي قدمها الاغنياء كوقفية يصرف منها على شئون الثقافة. وفي بريطانيا حلت الدولة هذا الأمر جزئيا بالاقتطاع من ارباح العاب الحظ (اللوتري) للصرف على بعض شئون الثقافة. أما المتبرعون للعمل الثقافي في بلادنا العربية فيخضع الامر لأرباحهم من جهة ومزاجهم في كثير من الاوقات. في ربع القرن المقبل سوف تسيطر اقتصاديات السوق في الثقافة, وهو أمر تفرضه الاتفاقات الاقتصادية الدولية من جهة, وشح الموارد من جهة اخرى, والحكيم من يستعد لذلك اليوم بتحرير الثقافة او جزء منها منذ اليوم من الدعم الكثيف للدولة. المحور الثاني: هو التضييق على الثقافة العربية, فالكتاب العربي تقف دون خروجه ودخوله صعوبات عديدة تساوي, ان ـ لم تفق ـ صعوبات دخول وخروج كاتبه, والناشر العربي فقير, كما هو الكاتب, بسبب ضيق السوق, فأصبح كل كتاب يخرج من الدولة أو يدخل اليها يحتاج الى معاملة طويلة واجراءات تهددنا بان تتحول بلادنا الى كنتونات ثقافية منعزلة. وفي مجتمع تضيق مساحة القراء فيه لينصرفوا الى الثقافة الهشة السمعية والبصرية, وفي بيئة ثقافية تعج بالسحر والخرافة, وتباع فيها آلاف النسخ من كتب الطبخ, ومثلها تغرق البسطاء في عالم الشعوذة وقراءة الفنجان, فنجد ان من يقرأون هم قلة القلة, الا من جنس فاضح او فضائح شخصية, بينما لايوزع الكاتب الجاد الا عددا صغيرا لايتجاوز بالآلاف عدد نصف اصابع اليد الواحدة في الوقت الذي يحالف فيه الحظ الكاتب الغربي فيصبح مليونيرا بين عشية وضحاها ويقضي بقية عمره بعيدا عن الاحتياج للناس. المحور الثالث: كان لابد من اخذ رأي القصيبي, وهو شاعر من اهم شعراء العربية, في قضية مثارة مهمة وهي المقارنة بين الشعر العربي والشعر النبطي, ولماذا يقبل الجيل الجديد على الاخير ويهجر شعر العربية, وفي اجابته للموضوع بعيدا عن النمطية قال ان ذلك بسبب تقاعس شعراء العربية عن الاهتمام بهموم الناس العاديين, ولايوجد فراغ في اي شيء, كما هو في الشعر, فما لايملأ في الفضاء الشعري بالعربية يملأ بالعامية, والظاهرة اللافتة ان هناك مجلات متخصصة تباع منها آلاف النسخ في الخليج مهتمة فقط بهذا النوع من الشعر وفي الجرائد اليومية صفحات مخصصة لمثل هذا الفن, في نظر الدكتور غازي انه في تاريخ الشعر المعاصر لم ينزل الى الشارع غير بضعة شعراء من بينهم نزار قباني الذي لاتحتاج مفرداته الى قاموس, في الوقت الذي تحتاج فيه قراءة معظم الشعراء بالعربية الفصحى, في وقت ما الى العودة الى القاموس لفهم بعض مفرداتهم, لقد اثبت غازي في امسيته الشعرية التي احياها في المقهى الثقافي على هامش معرض الكويت للكتاب الرابع والعشرين ان نظرية الشعر العربي الجديد لها عشاق, الا ان الفكرة الشجاعة في الشعر النبطي وموقعه تلفت النظر الى اهمية قراءة الظواهر بشكلها الصحيح, خاصة ان هذا النوع من الفنون كان متداولا في السابق في اوساط كبار السن, اما اليوم فان جيلا جديدا قد بدأ يتعاطاه, خاصة ان بعضه والجيد منه قريب الى العربية. المحور الرابع: لم يكن هناك مفر من الحديث مع غازي المرشح لليونسكو حول تجربته الاخيرة, وهنا كان الحديث مرسلا من جانبه الثقافي, فاليونسكو كانت معركة سياسية اكثر منها فكرية او ثقافية, وكان المؤلم ان الوقوف ضد مرشح عربي من المملكة العربية السعودية قد ادخلت عليه قسرا نظرة البعض للتفرقة بين الاخضر والاصفر, اهل الحضر واهل المدر, كما قال ابن خلدون مرة, ولم يعرف هذا البعض ان اهل الاصفر (الصحراء) و(المدر) قد تجاوزوا الكثير من الوصاية, ولم يعودوا بحاجة اليها, اما المرشح الياباني فقد خدمته عوامل عدة, منها السخاء الياباني على بعض الدول التي كان لها صوت تدلي به في انتخابات مدير اليونسكو, كما ان اليابان وهي البلد الكبير والمحروم من موقع دولي يحتاج الى هذا الموقع لاسباب سياسية دولية, فهو ليس عضوا في مجلس الامن, ولايحق له التسلح, من بين امور اخرى, فلا بأس من موقع دولي هو رئاسة اليونسكو, وكان السؤال: لو وقف العرب موقفا واحدا هل كان الفوز سيتحقق؟ رد غازي بالقول: كان الاحتمال كبيرا. لا احد يعرف ان كان القصيبي من الافضل له ولمجتمعه, وربما لنا, ان يبقى خارج هذا المنصب (رئاسة اليونسكو) او داخله فهو ككاتب ودبلوماسي وشاعر ثروة مازالت تقدم عطاءها وتجاربها لتنفع الناس, ولو تحول الى اداري ربما فقدنا جزءا من عطائه الفكري المتميز وربحنا اداريا جيدا, ولكن تبقى كل تلك الاسئلة دون اجابات لانها اسئلة افتراضية. في الخيمة التي نصبت ليس بعيدا عن سرادق معرض الكتاب, والتي انقطعت عنها الكهرباء لبضع دقائق مرتين, كان صدى الشعر داخلها تقابله حبات المطر المصطدمة بجدار الخيمة من الخارج, وكان الحوار متنوعا وكثيفا.. امتعنا خلاله الشاعر ببعض غنائه عن الحياة ويا له من غناء!