لا يحق لأي طرف ـ سوداني او غير سوداني ـ أن يقرر المستقبل النهائي لجنوب السودان سوى شعب جنوب السودان نفسه, وبما أن الأطراف السودانية كافة, شماليين وجنوبيين, على صعيدي الحكم والمعارضة يلتقون عند الموافقة على مبدأ تقرير المصير للجنوب, فان مصر, بمعارضتها مقدما لانفصال جنوب السودان , وبالتالي معارضتها لمبدأ تقرير المصير, انما تضع نفسها (دون ان تقصد) في تناقض مع كل القوى السياسية السودانية. ومن الواضح الان ان ما تريد القاهرة تحقيقه كأولوية اولى هو خلق جبهة سودانية عريضة تجمع الحكومة مع فصائل المعارضة وتعلن تضامنها مع مصر تحت شعار (لا تقسيم السودان) من اجل مناوءة المخطط الامريكي الرامي الى فصل جنوب السودان عبر استغلال قوات قرنق. هنا يطرأ سؤال حتمي الى اي مدى يتوافر لدى القاهرة استعداد لخوض معركة مكشوفة ضد الولايات المتحدة ومعها حركة قرنق. ان الدعم الامريكي لحركة قرنق لم يعد موضع استنتاج.. فالولايات المتحدة تواصل من حين لاخر, وبشتى الوسائل, اعلان تأييدها الجهري وانحيازها الكامل لهذه الحركة الجنوبية. وفي احدث تطور في هذا السياق صادق الرئيس الامريكي على مشروع قانون اجازه الكونجرس يسمح بتقديم (مساعدات غذائية) الى قوات حركة قرنق رأسا بصورة منتظمة (لتمكينها من الصمود في المناطق التي تحتلها) . مع ذلك لا يبدو ان مصر تعتزم ان تصعد معارضتها لفكرة انفصال جنوب السودان الى مستوى المصادمة الرأسية مع الولايات المتحدة وقرنق. والشواهد المرئية تثبت في الحقيقة عكس ذلك. فعندما سئل وزير الخارجية عمرو موسى في مؤتمر صحفي مؤخرا عن رأي مصر في مبادرة (إيجاد) فانه على عكس المتوقع اشاد بها مع انها تنطوى على مبدأ تقرير المصير للجنوب.. وهي بذلك نقيض المبادرة المصرية الليبية التي تنص على ان يكون حل مشكلة الجنوب في اطار سودان موحد. ومغزى قول الوزير هو ان القاهرة تتفادى اي طريق يمكن ان يفضى بها الى صدام مع واشنطن حتى ولو بصورة غير مباشرة. فالقاهرة تعلم كما يعلم الجميع التأييد الامريكي المعلن لمبادرة إيجاد مع الرفض الامريكي المعلن لاية مبادرة سواها بما في ذلك المبادرة التي تقف وراءها مصر مع ليبيا. ما هي الخلاصة اذن؟ الخلاصة هي ان مصر اذ ترفض اية صيغة لحل مشكلة جنوب السودان يمكن ان تنطوى على الانفصال كاحتمال او خيار (كصيغة تقرير المصير) فانها لا تريد ان تركب مخاطرة او تدفع الثمن. ان الوضع المثالي من وجهة النظر المصرية هو ان تدخل القوى السياسية الشمالية على صعيدي الحكم والمعارضة مع القاهرة في جبهة واحدة تتمسك بشعار رفض الانفصال في وجه واشنطن وقرنق. وبما ان هذا لن يؤدي الى وقف الحرب الدائرة في الجنوب مع استمرار المساعدات الامريكية لقوات قرنق فان القاهرة فيما يبدو لا مانع عندها من استمرار الحرب طالما ان بقاء حالة الحرب من شأنه ان (يفرمل) احتمال انفصال الجنوب ولو الى حين. غير ان هذا قد لا يلائم الشمال السوداني.. او على الاقل النظام الحاكم ومعه الان (حزب الامة) . فالاولوية العليا للشمال السوداني هي ان تتوقف الحرب نهائيا للتمهيد لصيغة حل سياسي. فقد ظلت هذه الحرب تستنزف الشمال بصورة خطيرة مع تعاقب الانظمة الحاكمة منذ ما قبل الاستقلال في منتصف الخمسينات. وبعد 45 عاما من بداية حالة الحرب فان القناعة العامة في الشمال هي ان انفصال الجنوب ليس مبدأ مرفوضا اذا كان يؤدي الى وقف الحرب. وفي كل الاحوال فانه ليس من حق أية جهة, سودانية او غير سودانية, ان تحول بين شعب جنوب السودان وممارسة حقه في تقرير مصيره.