مهما تباينت تبريرات حكومة الدكتور سليم الحص لقرارها بفرض الحصار المسلح على المخيمات الفلسطينية في لبنان, وحكم الإعدام الصادر غيابيا ضد رياض أبو العينين أمين سر حركة فتح, وتوقيف اثنين آخرين من قيادات الحركة, ومهما تراوحت ردود الفعل الفلسطينية والعربية بين الاحتجاج والاستنكار والوساطة لرأب الصدع , إلا أن المراقبين يجمعون على أن ثمة دوافع وأسبابا سياسية غير منظورة وراء اندلاع هذه الأزمة الطارئة, التي فاقمت من تردي التضامن العربي في مرحلة وظروف عصيبة بالغة الدقة والحساسية في الصراع العربي الإسرائيلي. يبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين في الأردن ولبنان ومصر والعراق والعالم بين خمسة إلى ستة ملايين نسمة, حيث يقيم في لبنان 400 ألف لاجئ بصفة مؤقتة منذ نكبة 1948 ثم نكسة 1967 في 12 مخيما, وكانت الحكومة اللبنانية قد وقعت سلسلة من الاتفاقيات مع منظمة التحرير الفلسطينية , اشتملت على ضوابط للوجود الفلسطيني في لبنان, أهمها اتفاق ,1987 لكن لبنان عاد ليتنصل بعد ذلك من التزامه بالاتفاق من جانب واحد, في الوقت الذي فرضت المذبحة التي تعرض لها اللاجئون الفلسطينيون في مخيمي صبرا وشاتيلا اتخاذ إجراءات احترازية للدفاع عن النفس إذا ما تعرضوا للعدوان في المستقبل. من هنا تولدت المشكلة الراهنة, فبينما تتهم الحكومة اللبنانية ثلاثة من القيادات الفلسطينية بحيازة أسلحة غير مشروعة, وارتكاب مخالفات تمس سلطة الدولة وهيبتها, وتشكيل عصابة لنقل الأسلحة والاتجار بها, وتدريب نواة ميليشيات عسكرية, انتقدت السلطة الفلسطينية هذا التصعيد المفاجئ الذي لا مبرر له, ورجحت دور قوى داخلية وخارجية مشبوهة من مصلحتها إثارة الفتنة لاستدراج الحكومة اللبنانية والسلطة الفلسطينية إلى صدام سياسي قد يؤدي إلى انفجار الوضع, ونفت حيازة اللاجئين للأسلحة اللهم سوى عدد بسيط للدفاع عن النفس, واعترفت بتنظيم دورة تأهيل لنحو 40 من عناصر الأمن الداخلي للمخيمات بدون أسلحة, وشددت على حق الحكومة اللبنانية في بسط نفوذ السلطة المركزية على المخيمات واحترام الفلسطينيين للقانون, في الوقت الذي اندلعت المظاهرات العا رمة في صيدا ورام الله وغيرها من مناطق السلطة الفلسطينية للتنديد بحصار المخيمات وملاحقة اللاجئين. ورغم أن الجامعة العربية تقاعست عن التحرك لتطويق الأزمة في حينها حسب تصريح رئيس الحكومة اللبنانية الدكتور سليم الحص, إلا أن عددا من القادة العرب كانت لهم مبادرات عبر القنوات الدبلوماسية لوأد الفتنة في مهدها, بالتزامن مع إعلان استعدادهم لبناء مسجد شهاب الدين في مدينة الناصرة في مكان بعيد عن كنيسة البشارة لوأد فتنة أخرى أ ثارتها إسرائيل بين المسلمين والمسيحيين , في الوقت الذي يستضيف الأردن مؤتمرا للحوار والتعايش بين الأديان اثر ترحيل عدد من قيادات حركة حماس من عمان إلى الدوحة. لكن على ما يبدو أن المصائب أو المصاعب التي تواجه السلطة الفلسطينية لا تأتي فراد, فعلى صعيد عملية السلام لاتزال إسرائيل تراوغ في الالتزام بخرائط إعادة الانتشار التي تم الاتفاق عليها بنسبة 5% من مساحة الضفة الغربية, وتواصل عملية بناء المستوطنات الجديدة وتمديد مساحة المستوطنات القديمة, بل وتتمادى في تسليح المستوطنين بأكثر مما لديهم الآن من 680 ألف قطعة سلاح, بينما نجح اللوبي اليهودي الأمريكي في ممارسة الضغوط على مجلس الشيوخ, حيث ارتفعت المعونات المقدمة لإسرائيل إلى أربعة بلايين دولار من أصل موازنة المساعدات الأمريكية الخارجية البالغ مقدارها 8.1 تريليون دولار, وللعجب أن يرعى الكونجرس في حيثيات قرار زيادة المعونة موافقة إسرائيل على تنفيذ اتفاق واي ريفر, والأدهى والأمر أن يعلن عدد من أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني وحركة فتح بيانا يتهمون فيه المحيطين بياسر عرفات بالفساد والإثراء غير المشروع على حساب القضية المصيرية وإفقار الشعب الفلسطيني . والشاهد أن اللاجئين الفلسطينيين وملاحقتهم وحصار مخيماتهم, لا يمثل سوى الوجه الظاهر لتداعيات المشكلات والأزمات الداخلية والخارجية التي تعج بها الساحة السياسية في لبنان, ومعظمها موصول عضويا بالصراع العربي الإسرائيلي , وبعضها موروث عن مراحل سابقة وغيرها وليد الحاضر ورهانات المستقبل, وبينما يرى اللواء سامي الخطيب رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب اللبناني ضرورة فتح كل الأبواب أمام المقاومة اللبنانية إلى حين يتحرر الجنوب والبقاع من كل الاحتلال الإسرائيلي , كما وأن الأبواب مفتوحة كذلك لكل من يقيم على الأراضي اللبنانية ويريد المساهمة في هذا التحرير, شرط ألا يتجاوز مهمة التحرير, إلا أن الدكتور سليم الحص يرفض منح تنظيم الجهاد الإسلامي الفلسطيني رخصة المشاركة في عمليات التحرير ويصر على أن تظل ساحة الجنوب مسرحا لعمليات المقاومة اللبنانية فحسب. من هنا يمكن فهم أبعاد اتهام الحكومة اللبنانية للاجئين الفلسطينيين في حالة ثبوت حيازة السلاح وتشكيل الميليشيات, خشية تكرار التجاوزات الدامية التي وقعت عام 1969 وعام ,1973 لكن هذا الموقف يقابله خيار لبناني آخر, يؤكد على إمكانية إلزام الفلسطينيين بضوابط مرحلية تؤمن مشاركتهم في عملية التحرير, وبعدها لن تكون هناك جبهة مفتوحة في جنوب لبنان, حيث من المتعين خضوعه مثل بقية ربوع البلاد للقوانين والسلطة المدنية, وانتشار قوات الجيش والأمن , أما أن تستباح المخيمات في المرحلة الراهنة, فمن يضمن ألا يتسبب ذلك في حدوث مجزرة ذات طابع عربي وإ قليمي ودولي, بينما لاتزال إسرائيل تحتل 10% من أراضي لبنان, الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في الاتفاقيات المعقودة بين الحكومة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية لمعالجة الأسباب والدوافع التي تولدت عنها المشكلة الراهنة وغيرها من المشكلات المحتملة مستقبلا, لعل أبرزها وأكثرها خطورة وحساسية يكمن في قضية إعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين عندما يحين بحثها في مفاوضات الوضع النهائي على المسار الفلسطيني, فحتى الآن ماتزال الثوابت الإسرائيلية على موقفها الرافض لعودتهم حتى في مساحة الأراضي التابعة للسلطة الفلسطينية, وتصر على توطينهم في أراضي الدول العربية التي تؤيهم حاليا, وتتنصل من تعويضهم عن ممتلكاتهم بعد أن أجبرتهم على النزوح من الأراضي المحتلة. على أنه في حال مصداقية المعلومات والأخبار المتوافرة حول صفقة سياسية مالية متكافئة بين الحكومة الأردنية وإسرائيل حول توطين اللاجئين بصفة دائمة في مخيماتهم الحالية بالاردن , فأن المشكلة تبدو محلولة بشكل واقعي حتى بدون اتفاق, فمن جهة انخرط معظم اللاجئين في الحياة العامة وحصلوا على الجنسية الأردنية , بينما لا يقيم الآن بالمخيمات وعددها 13 مخيما سوى نسبة 2.18% من أصل مليون نازح, في الوقت الذي تحولت المخيمات إلى أحياء سكنية بمعيار توافر الخدمات والبنية التحتية, ولم تعد بالتالي أكثر من رمز لحق العودة! فإذا كان لبنان يرفض توطين اللاجئين في أراضيه بصفة دائمة, فالسؤال أذن : إلى أين المفر؟ .. وإذا كان رئيس الحكومة الإسرائيلية ايهود باراك قد الزم نفسه بالانسحاب من الشريط الحدودي المحتل في لبنان في يوم 8 يونيو عام 2000 سواء عبر الاتفاق مع لبنان وسوريا على ضمانات أمنية للمستوطنات الشمالية أو بدون اتفاق , وإذا فالمعنى واضح والمستقبل غامض, فإما أن تلجأ إسرائيل إلى تفجير المنطقة بعمل عسكري مباشر, أو فتنة كبرى عبر عملائها من منطلق الردع أو بدعوى الدفاع عن النفس, وربما تجاوزت المخاطر حدود لبنان إلى عدوان مبيت ضد سوريا, وعندئذ لن يقف 400 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان مكتوفي الأيدي , كما و أنه ليس في صالح أحد سوى إسرائيل لبننة المقاومة, واستبعاد المقاومة الفلسطينية, الأمر الذي يفرض تسويات الأزمة الراهنة في إطار رؤية استراتيجية تزيل التناقضات الثانوية بين الجانبين, وتؤسس للتضامن والتحالف المشترك في مواجهة التناقض الأكبر مع إسرائيل التي لا تفرق في عدوانها على العرب بين اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين!