منذ انطلاق عملية الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني في القاهرة وجهود تصحيح مسار مدريد/اوسلو ومجمل عملية التسوية, بدأت اوساط في السلطة واخرى في جهة الرفض تصف العملية باعتبارها التحاقا من قبل فصائل في المعارضة الفلسطينية بنهج وسياسة اوسلو, الى درجة اعتبرت هذه الاوساط بأن هناك انطباعاً عاماً شائعاً عن الحوار الذي بدأ, خلاصته ان الحوار ناتج عن الوضع التالي: 1993 مشى عرفات في خيار ومشروع اوسلو, وفرقاء المعارضة تصدوا بمشروع مناقض على مدى السنوات الست الماضية ولكنهم فشلوا في تطويره الى مشروع قادر عملياً على مواجهة مشروع عرفات واوسلو. والحوار الذي بدأ, سواء من جانب الديمقراطية والشعبية, يعني بكل بساطة الانضمام الى مشروع عرفات, طبعا مع كلام عن تفعيل مؤسسات منظمة التحرير او تحسين اداء السلطة في مواجهة المرحلة المقبلة, انما كله ينضوي تحت عنوان واحد هو فشل المعارضة وانضمام اطرافها واحدا بعد الآخر الى مشروع السلطة. ومن اجل تحديد وتظهير الامور بوقائعها وازالة الالتباسات والمنسوجة لاغراض مسبقة او سطحية والتصدي للتفسيرات الساذجة فإنني اقدم التالي: في الحالة الفلسطينية خصوصا والحالة العربية عموما, علينا ان نفحص متى تلتقي السلطة والمعارضة, فاللقاء اما ان يتم على ارضية الالتحاق بمشروع اي منهما, او على ارضية القواسم المشتركة التي تمثل الحدود الدنيا التي تجمع بين القوى والتيارات الفاعلة التي تدب على الارض وفي الميدان. في الحالة الفلسطينية تاريخيا منذ النهوض العاصف للمقاومة الفلسطينية المسلحة والجماهيرية والسياسية بعد هزيمة يونيو 1967, كان اللقاء بين التيارات قائما على برامج القواسم المشتركة دون ان يشكل هذا ضابطا والتزاما متبادلا دقيقا وثابتا ومتواصلا بين قوى الائتلاف التي يجمعها هذا البرنامج فالعملية process مشروطة بحركة ميزان القوى الوطني والاقليمي اولا, والدولي ثانيا. لكن يبقى الباب مفتوحا لامكانية اعادة بناء الائتلاف على قواسم مشتركة نظرا لفرادة طبيعة القضية الفلسطينية وخصوصيتها المتمثلة في مبناها التكويني الذاتي وتداخله الواسع مع الحالة العربية, ومن الجانب الآخر خصوصية في طبيعة وتكوين المعسكر المعادي, ممثلا في المشروع الاسرائيلي الصهيوني التوسعي وحماته في التحالفات الاقليمية والدولية, فنحن على مدى هذا القرن نعيش مرحلة تحرر وطني, مازلنا في الدرجات الاولى من سلمها ونكاد نكون الشعب الوحيد بين كل الشعوب العربية الذي لم ينجز بعد حقه في تقرير المصير والاستقلال. وعليه الخيار الاوحد امامه هو ضرورة ائتلاف جميع طبقات الشعب وتياراته من اجل النضال ضد العدو الاجنبي, ضد المشروع الاسرائيلي الصهيوني الذي لا تتوقف شهيته التوسعية, ومن اجل انتزاع الحق بتقرير المصير والاستقلال. في ضوء ذلك يصبح مفهوما, مثلا, لماذا في اللحظة الراهنة, وبرغم كل التمزقات التي تفاقمت في الخارطة الفلسطينية وفي صف الشعب منذ مدريد وقبل اوسلو حتى يومنا, ما زال التداخل قائما بين السلطة والمعارضة في اطار مؤسسات الحركة الوطنية الفلسطينية, مؤسسات منظمة التحرير الائتلافية. فالمجلس الوطني والمجلس المركزي ما زالا يضمان جميع فصائل منظمة التحرير الفلسطينية بلا استثناء من الاقصى الى الاقصى. اللجنة التنفيذية وحدها لم تعد تشمل, منذ عام 1983 جميع فصائل منظمة التحرير بسبب الانقسام الكبير الذي وقع في حركة فتح والاقتتال بين بعض الفصائل, الذي رفضناه, وناضلنا ضده, الى ان نجحنا في اعادة توحيد الائتلاف الوطني بعد خمس سنوات عجاف من الوجع والنزف في حمى الاقتتال وحروب المخيمات وجنوح الفصائل المتصارعة على محورين سياسيين, محور عمان ـ القاهرة بحثا عن التقاطع مع مشروع ريجان في منتصف الطريق وعليه تم توقيع اتفاق عمان (فبراير 1985) بين عرفات ـ الملك حسين, ومحور دمشق ـ طرابلس, وكل المشاريع المطروحة تستهدف انهاء منظمة التحرير الائتلافية لامرار الخطط المحورية الاقليمية. نحن في الجبهة الديمقراطية رفضنا المشاريع المحورية والانقسامية المطروحة, وناضلنا لاعادة بناء منظمة التحرير الائتلافية بحوار شامل الى ان نجحنا في عقد اتفاق الجزائر ـ اليمن الشهير (نوفمبر 84) لاعادة بناء الوحدة الوطنية المدمرة باقتتال الفصائل وحروب المخيمات, ومعنا الشعبية, الشيوعي, الفلسطينية (التحالف الديمقراطي) ولكن الشعبية والفلسطينية ذهبنا في مارس 1985 الى جبهة الانقاذ برئاسة الفاهوم بعد اتفاق عمان, وواصلنا نحن النضال لاعادة بناء منظمة التحرير الواحدة الموحدة رافضين ضغط الاتحاد السوفييتي علينا للانضمام لجبهة الانقاذ ففي هذا تكريس وادامة الانقسام والشرذمة المحورية الاقليمية وتداعياتها وخاصة ضياع الجامع الوطني السياسي (الكيان السياسي) لشعب فلسطين ممثلا بائتلاف ووحدة قواه الوطنية المنظمة في اطار منظمة التحرير الموحدة, وما يترتب على هذا من طغيان المصالح الاقليمية حولنا وتبديد الحركة الوطنية الموحدة وتمثيلها للشعب والحقوق الفلسطينية في هذه المرحلة من مراحل القضية الفلسطينية, مرحلة تقرير المصير والدولة المستقلة وعودة اللاجئين والربط بين الوطني والقومي على قواعد القواسم العليا المشتركة. وبضياع الجامع الوطني السياسي (منظمة التحرير الائتلافية) تتراجع المسألة الفلسطينية عشرين عاما الى الوراء, الى ما قبل تشكيل منظمة التحرير 1964 وهيمنة المصالح الاقليمية للخارطة الحاكمة العربية المشرقية التي تجاهلت الدور الوطني لشعب فلسطين في الدفاع عن وظيفته وحقوقه بتقرير المصير والعودة والاستقلال, حاله حال اي شعب من الشعوب العربية وشعوب العالم الثالث في القرن العشرين, وبعبارة افصح الارتداد بمجموع الحالة الفلسطينية والعربية الى الفترة بين 1948 ـ 1967 وتبديد الدور الوطني لشعب فلسطين تحت يافطات اقليمية وقومية لفظية عامة بدون اي برامج ملموسة لحل معضلات التحرر الوطني والقومي والترابط الجدلي اليومي والمرحلي بينها. وعليه واصلنا النضال التوحيدي المحموم وبروح الصبر الثوري الى ان ربح شعبنا وثورتنا داخل الوطن وفي الشتات اعادة بناء ائتلاف منظمة التحرير الموحدة على قاعدة برنامج القواسم المشتركة الجديدة, وفي مقدمته الغاء اتفاق عمان (1985) واعادة بناء الترابط بين الوطني والقومي على اساس قرارات القمم العربية من قمة تشكيل منظمة التحرير كيانا سياسيا ونضاليا (1964) الى قمة الرباط (1974) التي اقرت فيها الدول العربية ولأول مرة منذ النكبة الوطنية/ القومية الكبرى (1984) بحق شعبنا بتقرير المصير والاستقلال والعودة, بجانب عودة جميع الاراضي العربية المحتلة بعدوان يونيو 67 وما بعده الى اصحابها في كل من الاقطار العربية المجاورة. وكان ذلك في ابريل 1987 بالمجلس الوطني التوحيدي في الجزائر, وشكل الرافعة التاريخية المتسارعة التي حملت الانتفاضة الكبرى في الارض المحتلة في ديسمبر 1987 كما يصبح مفهوما ايضا لماذا احتفظت حتى القوى التي انقسمت واقتتلت فيما بينها وبين فتح المركزية (فتح عرفات) , بمواقعها, واقصد بالتحديد التحالف الوطني الذي تشكل عام 1983 ولاحقا بعنوان جبهة الانقاذ. فقد احتفظت جبهة الانقاذ بستة دوائر من دوائر منظمة التحرير الفلسطينية يديرها محمد خليفة عضو القيادة القومية لحزب البعث, عضو القيادة القطرية للصاعقة, وطلال ناجي نائب الامين العام للقيادة العامة الجبهة الشعبية, وخالد الفاهوم. وهذه الدوائر الستة ممولة حتى هذه اللحظة من الصندوق القومي الفلسطيني بالاموال التي كانت موجودة في ذلك الوقت بين بنوك دمشق وبيروت. وهذا يكشف مقدار التداخل والتشابك في الحالة الفلسطينية, النابع بالاصل من خلفية كوننا مازلنا نعيش مرحلة تحرر وطني في درجاتها الاولى ولا نعني مرحلة ما بعد الاستقلال حال الشعوب العربية الاخرى حيث يدور الصراع على الخيارات الاستراتيجية واليومية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وقضايا الديمقراطية التعددية والتداول السلمي على السلطة وحقوق الانسان... الخ حيث الصراع بين السلطة والمعارضة يأخذ طابعا آخر تماما, وعليه فإن الفصل بالسكين بين السلطة والمعارضة في الحالة الفلسطينية في اطار منظمة التحرير وعلى الارض لم يكن ممكنا, وما زال غير ممكن. ثانيا: ايضا في فرادة خصوصية الحالة الفلسطينية علينا ان نلاحظ انه منذ العشرينات, حين انفجر الصراع بين شعبنا المقيم على ارضه التاريخية وبين بواكير الغزو اليهودي الصهيوني المنظم حاملا مشروعه ببناء دولة على اوسع مساحة من ارض فلسطين التاريخية, واذا امكن على ماهو ابعد من ذلك, فإن الحركة الوطنية الفلسطينية ولدت وهي في حالة بنيوية مأزومة بفعل التداخل الهائل بين الخارطة الفلسطينية والخارطة العربية, واليد الطويلة لكل عاصمة عربية وخاصة العواصم المشرقية في معدة الخارطة الفلسطينية وهذا اثر في مصير الارض والشعب والتطورات على امتداد العشرينيات وحتي يومنا هذا. واذكر مثلا بثورة 1936 ـ 1939, حيث تداخل الفعل السلطوي الاوتوقراطي للقيادة الفلسطينية ذات الطبيعة الاقطاعية الدينية, التي فشلت في بناء الوحدة الوطنية الائتلافية بين جميع القوى من منظور اننا ابناء مرحلة تحرر وطني تتطلب اخضاع كل التعارضات في الصف الفلسطيني لصالح التناقض الرئيسي مع العدو, مع فعل العواصم العربية الحاكمة ذات الأنظمة الإقطاعية الأوتوقراطية والثيوقراطية, ليضع فصل الختام لتآكل الثورة ولاصطيادها بالقرار السياسي, وانهائها بالقرار الشهير بضرورة وقف ما تبقى منها وترك الأمر بيد القيادة التقليدية الفلسطينية والقيادات العربية للبحث مع الانتداب البريطاني عن حلول للقضية الفلسطينية المتفاقمة. وتكرر ذلك عام 1947 ـ 1948 بألوان اخرى, واستفحل بشكل واضح بين 1948 حتى 1967, عندما تم اقتسام ما تبقى من الارض الفلسطينية بين الأقطار العربية المجاورة بديلا عن تمكين الشعب الفلسطيني من بناء دولته الفلسطينية المستقلة عن هذه الأرض, واقصد تحديدا القدس والضفة الغربية وقطاع غزة. وعندما حاولت القيادة التقليدية الفلسطينية تشكيل هذه الدولة, وعقدت برئاسة الحاج أمين مجلسا وطنيا في غزة في فبراير 1948, قبل رحيل الانتداب البريطاني, عارضت كل الدول العربية ذلك وألغت النتائج التي تمخضت عن ذاك الاجتماع. كذلك كان الحال بعد قيام الدولة العبرية عندما كررت القيادة التقليدية المحاولة وأعلنت دولة فلسطين في سبتمبر 1948, والغى التدخل المباشر للعواصم العربية, وخاصة العاصمتان الاردنية والمصرية, ماترتب عن ذلك من نتائج. هذا اخذ مدى اوسع بكثير بعد هزيمة يونيو 1967, وعندما فشل عدونا باصطياد المقاومة الفلسطينية على امتداد 25 عاما بالوسائل العسكرية, والتكنولوجية, وفي القضاء على الانتفاضة الكبرى بتكسير العظام والتكنولوجيا المتقدمة, لجأ الى اصطيادنا بالحلول السياسية, ولكن بعد سلسلة لم تتوقف من حروب الإبادة لاحداث سلسلة من الانقلابات السياسية داخل الحركة الفلسطينية, وبالتحديد داخل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية, وكان الكسب الاكبر اصطياد جناح في هذه الحركة ممثلا باليمين ويمين الوسط الملتف حول سياسة قيادة فتح, بدفعه للذهاب الى مدريد. وهنا أود أن أقول ان الذهاب الى مدريد بشروط شامير/ بيكر لم يكن ممكنا بقرار فلسطيني ـ فلسطيني. فقرارات المجلس الوطني كانت قد أكدت بأن الذهاب الى مدريد يجب أن يتم في اطار سياسي حالنا فيه حال سوريا والاردن ولبنان, أي 242, 338, واستدعاء القرار 194 الخاص بحقوق اللاجئين الى مائدة المفاوضات الثنائية والتفاوض على مرحلة واحدة من الألف الى الياء. والاشتراط الوحيد الذي وضعناه على الآخرين هو أن نتلقى (ضمانات بوقف الاستيطان قبل بدء أعمال مؤتمر مدريد) . الخ, عرفات لم يتمكن من أن يذهب الى مدريد بموجب هذه المعادلة الفلسطينية ـ الفلسطينية, ولذا تخلى عنها بعد حرب الخليج الثانية وانهيار التضامن العربي, وتم حمله على اكتاف العواصم العربية الى مدريد, وقبل بالتفاوض على مرحلتين, باشتراطات شامير, كما قال صراحة ذلك فيما بعد جيمس بيكر في كتابه الشهير (الديبلوماسية بين الحرب والسلام) . هذا كله قلته ايضا بأسراره ووثائقه وأسماء اصحابه في كتاب (اوسلو والسلام الآخر المتوازن) حتى اعطى الخلفية الفعلية التي توضح لماذا لا يمكن في الحالة الفلسطينية الفصل بالسكين بين سلطة ومعارضة, وقلته تحديدا حتى أقول ان الصراع الذي نشب من مدريد حتى الان لم يمكن السلطة من أن تخرج من مأزقها, ولا المعارضات الفلسطينية ان تخرج من مأزقها, وأقول معارضات لانه لاتوجد معارضة فلسطينية موحدة, بل كان وما زال ممنوعا ان تقوم وحدة وطنية فلسطينية على قواسم مشتركة, وممنوعا ان تقوم معارضة متحدة ملموسة واقعية, ولهذا غرقت السلطة في مأزقها الناجم عن سياسة الخطوة خطوة الأوسلوية وحصادها الفقير, ولم تنجح المعارضات ببناء معارضة متحدة واقعية ملموسة, لماذا ايضا؟ لان هذا وذاك من شأنه رفع السقف الفلسطيني, ومازالت العواصم العربية تتقاطع عند مربع احباط اي محاولة لرفع السقف الفلسطيني. وهناك قوى داخل السلطة تصارع من اجل منع اي تواصل لقواسم مشتركة, كما ان هناك قوي في المعارضة شقت طريقها الخاص وترفض منذ عام 1983 أي شكل من أشكال الوحدة الوطنية, لأنها ترفع راياتها على اساس رفض أي حلول سياسية للقضية الفلسطينية مهما كانت ـ ورفض قرارات الشرعية الدولية للوصول الى تسويات في هذه المرحلة, ورفض مبدأ المفاوضات. وتمثل هذا الاتجاه جبهة الانقاذ. وعليه لم يكن ممكنا ادارة صراع في اطار المعارضة ملتف حول برنامج سياسي ملموس نقدمه بديلا عن برنامج سياسة الخطوة الخطوة الاوسلوية, حتى يصبح ممكنا ان نحاصر سياسة الخطوة خطوة الاوسلوية ونجد سندا ما إقليميا عربيا بجانبنا. كما ان العواصم العربية المعنية منها من احتضن الاتجاه الذي يريد تعميق الافتراق الكامل بين السلطة والمعارضة, ومنها من يريد معارضة ذات شعارات كبيرة بدون ملموسية للتقاطع على نفس المربع. بعد هذا كله لماذا ينفتح الان باب الحوار من جديد؟ هذا الحوار اطلقناه, نحن في الجبهة الديمقراطية, المبادرة الأولى له في فبراير 1997, وانعقدت حوارات في نهاية فبراير واخرى في ابريل بين نابلس وغزة ورام الله, ولكنها لم تثمر, لأن السلطة, ومن يشجعها عربيا, كانت ترى في الحوار عملية تكتيكة دعاوية تحت ضغط الضرورة الوطنية من جانب, وضرورة التلويح بها على مائدة المفاوضات مع اسرائيل والادارة الامريكية, وتقف عند حدودها الإعلامية, ولذلك كان الحصاد تقريبا لاشيء اضافة الى اهتزاز الثقة بالحوار الوطني بعيون الشعب, وبسخرية لبعض أوساط السلطة من الحوار بهدف ادامة الهيمنة على القرار السياسي والمالي وتنامي اموال القطط السمان التي باتت الحيتان السمان على حساب بطالة الناس وعذاباتها وخبزها اليومي. وبالمقابل كانت القوى التي ترفض من حيث المبدأ أية تسويات سياسية واية مفاوضات مع العدو, ترفض أي حوار, فأسهمت هي أيضا في صب الماء في طاحونة السلطة لشل الحوار عند حدوده الدعاوية الإعلامية. وفي مايو 1998 اطلقنا المبادرة المطورة الصادرة عن المؤتمر الوطني العام للجبهة الديمقراطية, الداعية الى بدء الحوار فورا بين المعارضة والسلطة للتحضير لاستحقاقات 4 مايو 1999, تاريخ نهاية الفترة الانتقالية, الزمنية والقانونية, وللاتفاق على إعلان سيادة دولة فلسطين على جميع الاراضي الفلسطينية المحتلة في عدوان 1967 حتى خطوط 4 يونيو, والانتقال من التفاوض على قاعدة الارض (المتنازع عليها) , بموجب ما تقول به اتفاقيات أوسلو (DISPUTED LAND) إلى التفاوض على قاعدة ان هذه جميعا (اراض محتلة) بموجب قرارات الشرعية الدولية. وفعلا على امتداد عام كامل واجه الحوار نفس التعقيدات السابقة, وعندما انعقد المجلس المركزي في 27 ابريل 1999 لاتخاذ قرار بشأن اعلان سيادة الدولة سبقت انعقاده رسالة كلينتون الشهيرة 26 ابريل, التي دعت عرفات الى الاحجام عن إعلان انتهاء المرحلة الانتقالية, والاحجام عن إعلان سيادة دولة فلسطين على جميع الاراضي المحتلة بعدوان 1967, وترحيل كل هذا الى مايو العام 2000, مقابل وعد أمريكي بأن تكثف الولايات المتحدة ضغوطها من اجل الوصول الى حلول شاملة في مايو العام 2000, التي اصبحت الان, بموجب اتفاق شرم الشيخ مرحلة الى سبتمبر العام 2000 الامريكان كان عادوا وقالوا ان العد التنازلي يبدأ من بدء مفاوضات الوضع النهائي. الآن يكتسب هذا الحوار بعدا مختلفا, ذلك لان السلطة في مأزق كامل. فسياسة الخطوة خطوة انتهت في 4/5/1999, ولم يعد ممكنا للسلطة ان تدافع عنها, وعليه لم تعلن (التمديد الرسمي) لاوسلو, ويجري تهريب الزمن المضاعف (بتمديد الامر الواقع De Facto) والتأجيل المتكرر بعقد دورة المجلس المركزي لمنظمة التحرير حتى يومنا, وهي تصطدم بالقضايا الكبرى: القدس, اللاجئين, السيادة على الارض, حدود 4 يونيو, المستوطنات, المياه, وهذه هي القضايا التي تشكل اعمدة هيكل كل القضية الفلسطينية. والسلطة ليس بيدها عناصر القوة التفاوضية, ووضعها ضعيف امام حكومة باراك الائتلافية الموسعة ومشروعها التوسعي الذي لايتوقف بالاستيطان ولاءآت باراك الخمس الشهيرة, هذا أولا, وامام فقر نزاهة الوسيط أو الراعي الامريكي ثانيا, والخارطة الحاكمة العربية الممزقة منذ انهيار التضامن العربي باحتلال الكويت وحرب الخليج الثانية ثالثا, ولذلك هي مضطرة للبحث عن اعماق اخرى للحوار باتجاه محاولة اعادة بناء الائتلاف الوطني, وفي ذات الوقت تحاول ان تبني هذا الائتلاف بالاقتراب من سياستها. والمعارضة الوطنية الواقعية تقدم برنامجا ملموسا لانقاذ الوضع الوطني الفلسطيني يقوم على استراتيجية وتكتيك نضالي وسياسي وتفاوضي جديد يستند الى سلام قرارات الشرعية الدولية الذي شكل محور وقلب برنامج منظمة التحرير الائتلافي حتى قبل (12) يوما من عقد مؤتمر مدريد, وقرارات القمم العربية من الرباط 74 الى القاهرة 96 وقرارات الامم المتحدة حتى يومنا, ولذا ندفع باتجاه مفاوضات شاملة ترسو عليها المرحلة الجديدة حيث القضايا الكبرى وعلى اساس القواسم المشتركة الوطنية (القومية) الدولية المذكورة في هذه المرحلة من مراحل حركة التحرر الوطني.