تظل مصر على الدوام بحكم الجغرافيا السياسية والتاريخ والتراث والوشيجة الخصوصية في الموقف الافضل من اي طرف آخر للوساطة بين الفرقاء السودانيين.اما نجاح الدور المصري في هذا الصدد على صعيد الواقع التطبيقي فانه يعتمد على مدى محافظة القاهرة على موقف حيادي بين الاطراف السودانية المتنازعة. فهل يواجه هذا الحياد اختبارا عندما يتعلق الامر. بمستقبل جنوب السودان؟ في الاسبوع المنصرم اعلن وزير الخارجية المصري عمرو موسى معارضة القاهرة لاتفاق جيبوتي المبرم بين رئيس السودان ورئيس (حزب الامة) على اساس ان الاتفاق يتضمن بندا يمهد لانفصال جنوب السودان مستقبلا. ووثيقة الاتفاق تدعو في الحقيقة الى حل قضية الجنوب في اطار حق تقرير المصير للشعب الجنوبي بعد فترة انتقالية (اقترح لها اربع سنوات) يعقد بعدها استفتاء شعبي. ويبدو من حديث الوزير وهو يخاطب مؤتمرا صحفيا في الدوحة ان مصر تعارض مبدأ تقرير المصير نفسه لانه اذ يتضمن خيار الوحدة فانه يتضمن بنفس القدر خيار الانفصال. فالقاهرة اذن تتخوف من انفصال جنوب السودان حتى لو كان ذلك مجرد احتمال نظري, وبالتالي فهي لا ترى اي حل لقضية الجنوب الا في اطار السودان الموحد. الواضح اذن ان مصر تتحسس بدرجة عالية جدا من انفصال الجنوب السوداني. وهو تحسس مفهوم اذا نظرنا في اسبابه. غير ان المستقبل السياسي النهائي لجنوب السودان يجب ان يقرر اولا واخيرا بناء على الارادة الشعبية لاهله. تخوف مصر من انفصال الجنوب السوداني يتعلق بالنيل, شريان الحياة الاوحد للشعب المصري الشقيق... وتحديدا بأمرين: المحافظة على حصة مصر الراهنة من مياه النيل للأمد المنظور... وزيادة هذه الحصة مستقبلا بما يطرد مع معدل الزيادة السكانية التي لا تقل عن 4 في المائة سنويا. بالنسبة للامر الاول فإن مصر حصلت على حصتها الحالية وهي حصة كبيرة بالاتفاق مع الحكومة المركزية السودانية في الخرطوم قبل 40 عاما... وتجددت الحصة بموافقة الحكومات المركزية السودانية المتعاقبة بما فيها الحكومة الحالية. ومثل هذا الاتفاق قد لا يكون متاحا لمصر اذا دخلت على الخط دولة مستقلة جديدة تقوم في جنوب السودان بعد انفصاله لان ذلك سوف يعني تخصيص حصة جديدة للدولة الجديدة على حساب دولة الشمال.... واهم من ذلك على حساب مصر. ثانيا.. ظلت مصر لمدى السنين الطوال تنتظر نهاية الحرب في جنوب السودان ليتم استئناف العمل في مشروع هناك يهدف الى مضاعفة ايرادات مياه النيل الابيض (الذي يمر عبر الاراضي الجنوبية) عن طريق منع عملية التبخر المائي. لكن ماذا لو اسفرت نهاية الحرب عن قيام دولة مستقلة ذات سيادة في الجنوب؟ ان هذا المشروع الذي يعرف باسم (مشروع قناة جونغلى) جرى الاتفاق عليه بين القاهرة والخرطوم وبداية العمل فيه فعلا على عهد الرئيس نميري.. ثم اندلعت الحرب في الجنوب عام 1983 لتوقف استمرار العمل فيه. واذا ما انتهت الحرب وأفرزت قيام دولة مستقلة في الجنوب فان استئناف العمل في المشروع او استمرار وقفه سيكون مرتهنا بتوجهات الدولة الجنوبية الجديدة وفي كل الاحوال فان الدولة الجنوبية المستقبلية, اذا قامت فعلا, سوف تكون في الغالب جزءا من النسيج السياسي لدول شرق ووسط افريقيا الواقعة جغرافيا حول منابع النيل الابيض.. اي منطقة (البحيرات العظمى) .. والواقعة سياسيا تحت النفوذ الامريكي الاسرائيلي المشترك. تخوف مصر من احتمال انفصال جنوب السودان اذن مشروع من وجهة نظر مستقبل مصر نفسها وشعبها بحسابات الحياة او الموت. لكن ما هو موقع هذا التخوف من الدعوة الى حق تقرير المصير لشعب الجنوب.. وهي ايضا دعوة مشروعة بكل المعايير؟