كنت ابحث عن كتاب ما, بين اكداس الكتب في مكتبتي حين وجدت بين يدي فجأة عددا من مجلة (الهلال) ـ اشهر واقدم الدوريات الثقافية العربية ـ صدر في يناير عام 1950 ووجدت على غلافه عبارة (عدد ممتاز ـ سنة 2000) , فنسيت ما كنت ابحث عنه, وجلست على الارض اتصفح العدد , وقد شاقني ان اعرف, نبوءات الناس في بداية النصف الاول من القرن, عما سيكون حال الدنيا في النصف الثاني منه. على الغلاف الأول وجدت صورة ملونة لفتاة جميلة, لعلها الفنانة (شادية) التي كانت آنذاك وجها جديدا, تتابع في الأفق, صورة لاحد الاطباق الطائرة, وهي اجسام غامضة كانت تظهر في السماء بين الحين والآخر, وتشغل الناس في كل ارجاء الارض, اذ كان الظن وقتها انها لكائنات اتت من الكواكب الاخرى, والغالب انها كانت التجارب الاولى, التي اجراها الامريكان والروس لمحاولة الوصول الى القمر, التي نجحت بعد ذلك بنحو عشر سنوات. اما الفتاة الجميلة الشرقية, التي كانت آنذاك فتاة احلام طفولتنا وصبانا المبكر, فكفت عن الغناء واعتزلت التمثيل, كما كففنا نحن عن التطلع للمستقبل, وكففنا عن الاحلام. لم يعد من المسئولين عن اصدار هذا العدد, احد على قيد الحياة: مات صاحبا المجلة اميل وشكرى زيدان, بعيدا عن مصر التي ولدا فيها وعاشا فيها معظم سنوات حياتهما. وكان ابوهما (جورجي زيدان) قد هاجر من لبنان الى مصر, وتوطن فيها هو واشقاؤه, ففتح يوسف زيدان مكتبه بشارع الفجالة, واصدر هو مجلة (الهلال) عام 1892, وكان يحررها من الغلاف للغلاف, ثم مات وتركها لولديه, فحولاها من مجلة الى دار صحفية كبرى تصدر الآن خمس مجلات اسبوعية ومجلتين شهريتين وسلسلتين من الكتب الشهيرة, فضلا عن خمس مجلات اخرى اصدرتها ثم اضطرت لاغلاقها وفي منتصف الستينيات, وبعد ان انتقلت ملكية الدار الي الدولة, هاجر الاثنان الى لبنان.. وماتا فيها.. ومات رئيس تحرير الهلال الدكتور (احمد زكي بك) الذي وضع خطة العدد, وطلب من كتاب الهلال, ان يكتبوا عن تصورهم لما سيكون عليه العالم سنة 2000. وكان قد تولى رئاسة تحريرها عام 1947, ليقوم بتطويرها, ويغير قطعتها الى القطع الذي لا تزال تصدر به الى اليوم, ويغير طريقة طباعتها الى الطباعة المصورة مستلهما شكل واهتمامات مجلة (ريدرز دايجست) الامريكية الشهيرة, مع الحرص على طابعها العربي الخاص. وقد تركها بعد ذلك بعامين, ليتفرغ لعمله كعميد لكلية العلوم بجامعة القاهرة, ثم كمدير للجامعة لينتقل عام 1958, الى الكويت فيصدر مجلة (العربي) الشهيرة, التي جاءت تطويرا لفكرته في اصدار مجلة ثقافية للقارىء العام, تجمع بين الاصالة والمعاصرة, وبين العلم والادب, وبين تراث الشرق وحضارة الغرب, فقد كان الدكتور احمد زكي, واحدا من اوائل الذين جمعوا بين التخصص في العلوم, وبين الاهتمام بالادب, ومن اوائل الذين بسطوا العلوم وجعلوها قريبة من افهام غير المتخصصين من القراء. وليس بين كتاب العدد كذلك, احد على قيد الحياة, مات عباس العقاد واحمد امين وامير بقطر ومحمود تيمور وانور احمد, وبنت الشاطىء التي نشرت قصة كتبتها سنة 2000... مات فكري اباظة الذي كتب مقالا بعنوان (أول يناير سنة 2000) قال انه يحرره في هذا التاريخ, وانه حصل على دواء سويسري اسمه (الخلود يوم) مد في عمره الي ذلك اليوم, وكان فكري اباظة ايامها في الثانية والخمسين من عمره, ومات وهو في الحادية والثمانين عام 1979, قبل واحد وعشرين عاما من التاريخ الذي حدده لنشر مقاله... وثبت ان دواء الخلوديوم واحد من اكاذيب الزمان وما اكثرها. اما امينة السعيد التي كتبت مقالا بعنوان (لا أريد ان اعيش الى سنة 2000) فكان لها, ما أرادت فقد ماتت بالفعل في منتصف التسعينيات. اما لماذا لم تكن تريد ان تعيش حتى نهاية القرن, فلانها كانت تعتقد انها وجيلها من النساء العربيات اللواتي كن اول من دخل الجامعات واتممن دراستهن العالية, قد اصبحن قادة النساء وطليعة لهن, ومحل احترام منهن وموضع تأثر بهن, وانها لو عاشت هي وجيلها نصف قرن آخر, فسوف يفقدن هذه المكانة, اذ هي هي تتوقع ان تؤدي التطورات فيما تبقى من القرن, ان تحقيق كل مطالب المرأة العربية كلها, وتوفير المكانة اللائقة بها, واذ ذاك, فسيبدو ان جهاد امينة السعيد وجيلها من اجل ان تتعلم المرأة, وتحتل المكانة التي كانت قد حققتها حتى ذلك الحين مجرد لعبة اطفال, تنظر اليها اجيال سنة 2000 مستهينة بقيمتها, غير مصدقة مايدعينه من آلام تكبدتها في سبيلها, وسيكون الموت اهون الف مرة من حياة يسمعن فهيا بآذانهن ان كفاحهن الذي عشن على ذكراه, قد تلاشت قيمته وانتهت عظمته! ترى ما الذي يمكن ان يقوله الذين استشهدوا في حروب 1948, و1956 و 1967 و1973, لو انهم عادوا اليوم الى الحياة فوجدوا ان اسرائىل قد اصحبت دولة صديقة, وان لها سفارات ومكاتب تمثيلية في اكثر من قطر عربي, وما الذي يمكن ان يقوله كمال ناصر وكمال عدوان وغسان كنفاني لو انهم شاهدوا عرفات يستقبل قاتلهم باراك بالاحضان باعتباره شريكا له في سلام الشجعان! ولو ان امينة السعيد كانت قد عاشت حتى سنة 2000 لاكتشفت انها كانت متفائلة اكثر من اللازم, حين تنبأت بأن المرأة سوف تحصل على كل حقوقها قبل ان ينتهي القرن العشرون, وكانت متشائمة اكثر من اللازم حين توهمت انها وزميلاتها سوف يفقدن ريادتهن, وان الاجيال القادمة سوف تنظر الى كفاحهن باعتباره لعب عيال, فقد دار الزمن دورته ولكن الى الخلف واستعادت الدعوة الى اقتصار تعليم المرأة على التطوير واعمال الحياكة والطهو فتوتها واصبحت عودتها لتصبح رهينة المحبسين: المرأة والرجل, شعار القرن الحادي والعشرين في بلاد العرب السعيدة.. ولا يزال مادافعت عنه امينة السعيد وجيلها مطروحا ولا يزال مكانهن كرائدات لتحرير المرأة محفوظا لم يتجاوزه التاريخ, ولم يعتبره احد لعب عيال.. لان لعب العيال هو ما يحدث فعلا وليس ما ضحين من اجله. واذا كان (الخلوديوم) لم يفلح في اطالة عمر (فكري اباظة) لكي يعيش حتى اول يناير 1979, فقد عاش الرجل حتى استرد بعض اعتباره, ففي اغسطس 1961 نشر فكري اباظة على صفحات (المصور) مقالا بعنوان (الحالة ج) حذر فيه من ان تنقلب الحرب الباردة الى حرب حامية, واقترح عدة اجراءات لتخفيف التوتر الدولي, كان من بينها حل الاحلاف العسكرية التي انشأها كل طرف من اطراف الصراع الدولي حول الطرف الآخر, وتوحيد المانيا وانسحاب جميع قوات الاحتلال منها, واجراء اصلاح جوهري في كيان الامم المتحدة, وان تكف كل من امريكا وروسيا عن اعاناتها المالية والعسكرية لحلفائها, وتجلو كل الجيوش الاجنبية عن قواعدها العسكرية في آسيا وافريقيا, وتقبل الصين عضوا في الامم المتحدة! وكان اهم هذه الاجراءات ـ التي تحقق بعضها فيما بعد ـ هو اقتراحه بأن (تقرر الدول بالاتفاق فيما بينها حياد منطقة الشرق الادنى ـ اي الاوسط ـ وجميع الدول المنضمة للجامعة العربية, وينشأ بعد هذا الاتفاق اتحاد فيدرالي بين الدول العربية, يكون اختصاصه قاصرا على توحيد الجيوش الحيادية العربية وسياستها الخارجية, على ان تدمج فلسطين بأسرها في هذه الدول وتشمل اسرائيل بعد ان تزول صفتها الدينية ويصبح الاسرائيليون من رعايا هذا الاتحاد, الذي يكفل لكل الاقليات حقوقها كاملة حسب التقاليد الدولية المتبعة. وبعد اقل من 24 ساعة على صدور العدد, خرجت جريدة (الاهرام) وفي صدر صفحتها الاولى خبر يقول ان الرئيس عبدالناصر قد اعفى فكري اباظة من جميع مناصبه, كرئيس لمجلس ادارة دار الهلال ومن رئاسة (المصور) وقال مصدر مسئول للاهرام, ان السيد فكري اباظة بمطالبته بانشاء اتحاد فيدرالي يضم الدول العربية واسرائىل, ينطوي علي دعوة للدول الكبرى بأن تفرض على الدول العربية الاتحاد, وتحريض منها على ان تفرض عليهم قبول عضوية اسرائيل في هذا الاتحاد, كما انه ينطوي على التشكيك في الموقف العربي تجاه اسرائيل, وهو موقف اجمعت عليه الامة العربية, ولا يملك ان يخرج عليه اي فرد من افرادها) . وبعد شهر واحد, رقت الاهرام, (فكري اباظة) من درجة (السيد) الى درجة (الكاتب الكبير) ونشرت له في صدر صفحتها الاولى مقالا بعنوان (معركة بين ضميري وقلمي) يعتذر فيه للرئيس (عبدالناصر) اعتذارا مهينا حوله من كاتب كبير الى كاتب رعديد واكد في نهايته انه بما كتب انما كان يقصد الدعوة لمحو اسرائيل من الخريطة ليكون رعاياها بعض رعايا الامة العربية الكبيرة, لولا ان الخط التعس قد نكب عبارته بالغموض, وهذا قدر لا حيلة له فيه. وبعد ستة شهور من هذا الاعتذار المهين, سمح لـ (فكري اباظة) بالعودة الى الكتابة على صفحات (المصور) وبعد ستة عشر عاما, كان الرئيس السادات يطير الى القدس المحتلة, ليسترد فكري اباظة اعتباره, وتفقد الامة اعتبارها.. والغريب ان فكري اباظة كان قد تنبأ ـ في عدد الهلال الذي صدر عام 1950 ـ بأن الاتحاد العربي سوف يتأسس عام 1980 وسيضم مصر والسودان واوغندا واريتريا والحبشة وشمال افريقيا, والحجاز وسوريا ولبنان وشرق الاردن واليمن والعراق, من دول تحتفظ باستقلالها الداخلي وبنظم الحكم فيها تديرها حكومة مؤتلفة, مسئولة امام برلمان مشترك, وهو ما يمكنها بالوحدة والديمقراطية من انتاج قنابل طائرة عابرة للقارات, يجعلها قادرة على تحدي الاتحاد السوفييتي. ولو لم يكن (الخلوديوم) من أكاذيب الزمان, لعاش فكري اباظة الى اول يناير ,2000 ليرى ما جرى لاحلامه, فقد بدا تشرذم الامة الكبير في سنة 1980 التي توقع ان يبدأ فيها توحدها.. وتحقق نصف ما دعا اليه عام 1961, فاندمجت اسرائيل في المنطقة, من دون ان تتوحد دولتها, او حتى تحتفظ بمجرد علاقات ودودة فيما بينها. طويت عدد (الهلال) وفكرت ان اكتب مقالا بعنوان (العرب سنة 2050) ولكني وجدت ان لدنيا من اكاذيب الزمان ما يكفي, وخشيت ان يقع في يد قارىء من نوعي بعد خمسين سنة, فيدهش لانه لا يوجد على الخريطة شيء اسمه العرب!