لابد ان تكون مشاعري مضطربة.. وحساسية ضميري عالية.. وأحلامي هائمة.. غائمة.. وقلبي يثب في صدري كفراشة ملونة... فهذا هو مقالي الاخير في القرن العشرين.. فقد تعودنا ان نختفي بما نكتب في شهر (رمضان) الكريم تاركين الناس للتأمل والتصوف.. وعندما نعود للكتابة مع عيد الفطر المبارك يكون عام 1999 قد طوى اوراق واحزان وافراح القرن العشرين ودخل في ذمة النسيان.. تكون الازمنة قد تكسرت.. والايام قد داست على بعضها البعض.. والمسافات قد تفجرت.. والحدود التي بدت بعيدة بين القرون قد تلاشت وذابت وضاعت. ما الذي يمكن ان نكتبه ونحن نجلس في محطة الزمن على وشك ان نشهد لقاء قطارين طال سفرهما احدهما قادم من قرن شاحب يحتضر والاخر ذاهب الى قرن صارخ بالميلاد والحياة.. ما الذي نكتبه افضل من مشاعرنا عن مصر.. وطن الخلود.. حليب الضمير.. قدس الاقداس.. جمهورية الحب العربية.. الباب المرصع بأسماء الله الحسنى.. سيمفونية النهر العريق.. غابة البرق وقوس قزح.. مقبرة المشعوذين والمهرجين والطائفيين والاستعماريين والبوليسيين.. ام الدنيا التي تقول للموهوبين والمبدعين والمتعبين.. ادخلوها بسلام آمنين. مهما سافرنا بعيدا وغضبنا منها وسعدنا بغيرها نعود اليها وقد بللنا قلوبنا بدموع الشوق والندم.. التي تتساقط على طرحة رأسها المصنوعة بخيوط الايمان البيضاء.. نعود اليها مثل عصافير خضراء خائفة لتنام تحت شجرة عينيها الواسعة.. نعود اليها بعدما نكون قد تسكعنا طويلا على ارصفة الغربة التي تسلخ جلد الاطفال وتغتال كرامة الكبار.. نقف امامها مبهورين ونحن نتأمل قمرها الفضي فوق مياه شريان النهر.. فنحسبه مرة فطيرة عسل.. ونحسبه مرة اخرى فطيرة حرية.. نطالبها بحقنا في امومتها فتمنحنا تطعيما ضد نقص المناعة الوطنية.. وتطعيما ضد شلل الحس القومي. اننا نسترد روح المكان بمجرد العودة اليها.. او هي عبقرية المكان على حد التعبير الخاص الشهير للدكتور جمال حمدان ومفتاحه وكلمة السر فيه وشيفرته التي تمنحه اخص خصائصه واعمق اعماقه.. وهي عبقرية قائمة على التناقض بين (حجم الموضع) الذي لا يتناسب مع (خطورة الموقع) .. فالموقع (على ناصية العالم وهو ما يفرض عليها الاحتكاك.. لكن الموضع الصغير يفرض عليها العكس.. العزلة والتقوقع رغبة في حماية الوحدة والتجانس والسلطة المركزية التي تتمتع بها مصر) . وملامح الموقع جعلت مصر (صرة) الدنيا.. فهي افريقية.. اسيوية.. شرق اوسطية.. متوسطية (نسبة للبحر المتوسط).. ملتقى قارتين.. وبحرين.. و(هذه الملحمة الحضارية هي ثمرة زواج نهر النيل والبحر المتوسط) .. اما البحر الاحمر فكان معبر الذين خرجوا منها حاملين اسرار حضارتها الى خارجها.. وهو ما جعل جمال حمدان يضيف: انها واسطة كتاب الجغرافيا التي تحولت الى فاتحة كتاب التاريخ.. هي بجسمها النهري قوة بر ولكنها بسواحلها قوة بحر.. وتضع بذلك قدما في الماء وقدما في الارض.. وهي بجسمها النحيل تبدو مخلوقا اقل من قوى.. ولكنها برسالتها التاريخية الطموح تحمل رأسا اكثر من ضخم.. ومازالت تلك بالدقة مشكلة مصر المعاصرة.. ففي عصر لم تعد فيه (ام الدنيا) فانها تبدو اليوم وقد اصبحت مشكلة سياسية للعالم ولنفسها.. فهي اصغر من ان تفرض نفسها على العالم كقوة كبرى ولكنها اكبر من ان تخضع لضغوط العالم لتنكمش على نفسها كقوة صغرى. ولو رأيت صور الاقمار الصناعية او صور اقمار التجسس الامريكية والاسرائيلية لمصر لعرفت دقة تشبيه جمال حمدان الذي وصف مصر بالانبوبة المغلقة المكتظة بالسكان.. وربما رأيت خريطتها اشبه برحم ترسمه الدلتا ينتهي بخط متعرج من الماء يرسمه نهر النيل الذي يبدو مثل مفرق امرأة جذابة قادرة على الخصوبة والعطاء والنماء.. وتبدو الخضرة المحيطة بهذا الجسد مثل جلباب من الكستور الملون يحمى هذا الجسد من الغرق في رمال الصحراء التي تحاصره من ثلاث جهات.. الشرق والغرب والجنوب.. او ربما كان هذا الجسد المحاصر بالرمال اشبه بجنة الخلد او الواحة.. وهي جنة او راحة اقام الجفاف حولها حاجزا منيعا من الصحراء لا يمكن اختراقه بسهولة حسب تعبير جيمس هنري بريستد في كتابه الشهير (فجر الضمير) الذي يستطرد فيه: ان هذه الجنة او الواحة كانت اول معمل حضاري في التاريخ.. (لا مثيل له في العالم) .. فنهر النيل هو النهر الوحيد في الكرة الارضية الذي ينبع من المناطق الحارة وينساب نحو الشمال مخترقا حوالي الف كيلومتر من المناطق المعتدلة في مصر حتى يصل الى البحر المتوسط الذي يكمل الحماية التي بدأتها الرمال والصحارى. وفي هذه البقعة المحمية بالطبيعة عرف الانسان اول كل شيء نعرفه الان.. عرف اول مجتمع.. واول آلهة.. واول نظام سياسي.. واول دولة مركزية.. واول مقبرة.. واول طريقة للكتابة.. واول قانون.. عرف الانسان اوائل الاشياء وعلى رأسها التعددية الدينية. ان اول ما يواجه القادم الى مصر عبر مطارها الدولي عبارة مكتوبة بخط واضح وانيق فوق بوابة الدخول.. (ادخلوا مصر ان شاء الله آمنين) .. وهي الجزء الاخير من الاية (99) من سورة (يوسف) في القرآن.. وفيها يدعو يوسف اهله ـ الذين فارقهم لسنوات ـ الى دخول مصر.. وكان يوسف قد اصبح من سادتها وحكامها ووزرائها بعد قصة كفاح وشقاء وعذاب وظلم جرب فيها الموت والسجن.. وبسبب يوسف ايضا تذكر مصر في القرآن مرة اخرى.. وبسبب موسى واليهود تذكر ثلاث مرات اخرى. ورغم ان آية (ادخلوا مصر ان شاء الله آمنين) هي اية في الكتاب المقدس للمسلمين فإنها تتحدث عن نبي من أنبياء اليهود.. وهي تذكرنا بالآية التي جاءت في الانجيل (مبارك شعبي مصر) (أشعبا 19, 25) وهي الآية التي نطق بها الرب بينما المسيح طفل يهرب هو وأمه من بيت لحم خوفا على حياته.. فيما يعرف برحلة العائلة المقدسة في مصر.. وكانت آية (ادخلوا مصر ان شاء الله آمنين) التي تستقبل زوار مصر هي آية تستدعي الاديان السماوية الثلاثة لترحب بكل الاجانب والغرباء.. ومن يلتفت في هذه اللحظة الى الوراء سيرى علامة حورس على جناح احدى طائرات (مصر للطيران) .. وهذه العلامة ستضيف للاديان السماوية الديانة الفرعونية التي كان حورس واحدا من اشهر واهم آلهتها.. وكأنك في متر مربع واحد وقبل ان تدخل مصر ستجد اشارات وعلامات واضحة تلخص كل تاريخ العقائد والعبادات السماوية وغير السماوية.. فهل هناك مكان اخر غير مصر على ظهر الكرة الارضية يمكن ان تجد فيه كل هذا التسامح.. بل انك بمجرد ان تنزل مصر تكون قد نزلت ارضا مقدسة من اسمها.. فالدكتور سيد كريم وهو معماري شهير مهتم بتناسخ الاديان من بعضها البعض يقول: ان كلمة مصر مأخوذة من كلمة فرعونية هي (اجبتاح) وتعني ارض الآلهة.. وفي كتابه الشهير عن (السحر في مصر القديمة) يقول السير (واليس بدج) : ان احد اقدم اسماء مصر كان (كمت) او (قمت) بكسر القاف وهي كلمة تعني (اسود) او (اسمر) .. وقد اطلقت هذه التسمية على مصر بسبب لون الطمي الذي يكون الارض على ضفتي النيل.. وعندما خرجت كلمة (قمت) من البلاد الى اليونان والاغريق نطقت (قبت) او (قبط) ومنها جاءت كلمة (الاقباط) ومعناها (اصحاب البشرة السمراء) .. وخطأ شائع ان كلمة الاقباط تعني فقط المسيحيين في مصر.. وان كانت كلمة الاقباط قد استعملت في الغرب من باب التفرقة الدينية والطائفية بين مسيحيي الفاتيكان ومسيحيي كنيسة الاسكندرية.. وتحورت كلمة (قبت) الى كلمة (جبت) ومنها خرجت كلمة (اجبت) ثم (ايجبت) التي تعني (مصر) في اللغات الغربية التي خرجت كلها من اللغة اليونانية القديمة. وفي كتابه عن (مصر القديمة) يكاد سليم حسن (الاسم المصري الاكثر بريقا في علم المصريات) ان يوافق على تفسير السير (واليس بدج) .. ففي الجزء الاول من كتاب سليم حسن (ص 140 من طبعة الهيئة العامة للكتاب) يقول: (تعد مصر وطننا العزيز بلا منازع اقدم امم العالم) .. وقد كان يطلق عليها قديما اسم (كمي) وقد بقي الاسم محفوظا الى ان جاء الاغريق فأسموها (اجبتوس) .. ولم يفسر اصل اشتقاق هذا الاسم تفسيرا شافيا الى الان.. اما لفظ (كمي) فمعناها الارض السوداء.. وكانت تطلق على الوادي الخصيب المنزرع.. اما الارض التي تحيط بهذا الوادي من الشرق والغرب فكانت تسمى (تا ـ دشر) وتعني بالفرعونية البلاد الحمراء او الصحراء. ولم يقل سليم حسن ان تسمية (تا ـ دشر) قد تحورت مع النطق الى ديشرت او ديسرت وتعني صحراء في اللغات الغربية.. ولم يقل ان كلمة (اجبتوس) كانت مصدر الكلمة الاوروبية (ايجبت) التي تعني مصر في لغات العالم المختلفة ما عدا اللغة العربية.. ويرجح الدكتور عبدالمنعم ماجد في كتابه (التاريخ السياسي للدولة العربية) ان كلمة اجبتوس مشتقة من احد اسماء منف عاصمة مصر القديمة.. وقد (نقلت ولكن باختصار الى العربية بلفظ القبط للدلالة على اهل مصر من المسيحيين.. ويظهر ان مصر لم تسم بهذا الاسم الا من الساميين او من العرب حيث تعني الارض التي على الحدود او الخضرة او الكثيرة الخيرات) ـ صفحة 210 من طبعة مكتبة الانجلو. وفي الصفحة السابعة في كتاب (فتوح مصر واخيارها) ـ وهو من كتب التراث العربي الفه ابو القاسم عبدالرحمن القرشي المصري ـ نجد تفسير الساميين لكلمة مصر.. فاسم مصر هو اسم احد احفاد نوح.. هو.. (مصر بن بيصر بن سام بن نوح) .. واحيانا يسمى (مصراييم) .. وقد كان لنوح اربعة ابناء من الذكور.. كانوا ابرز ذريته التي كان عددها 36 شخصا.. والذكور الاربعة هم سام وحام ويافت ويحطون.. وراح نوح يسأل الله ان يرزقه البركة والهداية في ذريته فوعده الله بذلك.. فنادى نوح على اولاده وهم نيام في الفجر.. فرد عليه سام وابنه ارفخشذ فكان ان وضع نوح يمينه على سام وشماله على ارفخشذ.. وعندما نادى نوح حاما لم يجبه ولم يقم اليه.. وكان مصر بن حام نائما الى جانب جده فلما سمع دعاء نوح قام يسعى اليه ففرح به نوح ووضع يده على رأسه وقال: (اللهم انه اجاب دعوتي فبارك فيه وفي ذريته واسكنه الارض المباركة التي هي ام البلاد وغوث العباد والتي نهرها افضل انهار الدنيا واجعل فيها البركات وسخر له ولولده الارض وذللها لهم وقوهم عليها) . ان مصراييم بن بيصر بن سام بن نوح هو اصل المصريين وقد كانت عائلته تتكون من 30 رجلا وامرأة وطفلا هبطوا مصر بعد الطوفان (الذي كان قاصرا على العراق والشام وفلسطين ولبنان ) وكانت اول مدينة سكنوا فيها هي منف.. ولكن مصراييم لم يعمر طويلا.. فمات ودفن في البلد التي سميت باسمه واقيمت له اول مقبرة فيها.. في موضع يسمى (ابي هيرمس) .. واخذ كل ذكر من ذريته قطعة او اقليما من ارض مصر وسكنها وسميت باسمه.. ومن هؤلاء اشمون.. واتريب.. وقفط.. وتدارس.. وخربتا.. وهي اسماء لمناطق قديمة في مصر لايزال بعضها كما هو حتى الان.. ويقال ان هذه الذرية حكمت مصر حوالي 100 سنة.. ويقال ان هاجر التي تزوجها ابراهيم وانجب منها اسماعيل من احفاد هذه الذرية.. وهكذا تداخلت الانساب والعبادات.. وراحت الدوائر تدور وتدور.. تلتقي مرة.. وتفترق مرة.. تضيق مرة.. وتتسع مرة.. ولكن كان مركزها في اغلب الاحيان هو مصر. ان مصر ليست صفحة من كتاب يمكن ان يمزقها احد.. ليست كوخا نبنيه ثم نتركه لنسكن غيره.. ليست شمعة تضيء لنا الليل ثم ننفخ فيها بمجرد ان تشرق الشمس.. ليست خريطة مسطحة نرسمها على مزاجنا او نشطب منها ما لا يعجبنا.. ان مصر هي حادثة تاريخية وجغرافية ثابتة لا يمكن المساس بها.. وكل الذين تجاوزوا الخطوط الحمراء وتصوروا انهم اكبر منها وقعوا على الارض ودقت اعناقهم. لقد مر على مصر اكبر طابور من الغزاة والعملاء والمغامرين والافاقين والطبالين والزمارين والمنافقين والطائفيين والمقاولين والمنتفعين والسماسرة والمرتزقة والذين يمصون دماءها طوال النهار ثم يمطرونها حبا وعشقا وصلاة في الفجر.. ولكن معدة مصر التي تهضم الحجارة هضمت كل هؤلاء وحولتهم الى نفايات.. على ان الكثيرين ممن يعيشون على ارضها ـ او على قلبها ـ لا يصدقون ذلك. انني اذوب في هوى هذا الوطن رغم ان هذا الهوى يكلف صاحبه الكثير.. لكن.. منذ متى والعشق الكبير بلا وجع كبير.. ثم ان هذا الوطن يعرف جيدا ـ كما يقول نزار قباني ـ أسماء من يحبونه.. ويعرف اسماء من يركبون كل يوم حصانا.. ويعبدون كل يوم ربا.. ويغيرون كل يوم ولاءهم كما يغيرون احذيتهم.