ما الفرق بين ان تسجن وفق اجراء قانوني أو بلا اجراء قانوني اذا كنت في اي من الحالين بريئا, وما الفرق بالنسبة اليك شخصيا ان يحدث لك هذا في دولة ديمقراطية غربية متقدمة أو في دولة نامية ذات نظام استبدادي؟هذا نوع الاسئلة الحائرة التي لابد ان تشغل ذهن ذلك المواطن المصري ناصر احمد الذي خرج من سجن امريكي في مدينة نيويورك الاسبوع الماضي بعد قضاء ثلاث سنوات حالكة في زنزانة انفرادية لا كمجرم ادين أمام محكمة على اساس اتهام أو اتهامات محددة وانما كمحتجز (رهن التحري) وحتى بهذه الصفة لم يوجه اليه اي اتهام إلى ان انقضى اكثر من ثلاث سنوات جاء بعدها قرار الافراج. ولو كان ناصر احمد سجينا في دولة متخلفة في افريقيا أو العالم العربي لربما كان الفرق هو حتمية تعرضه لتعذيب جسدي, ولكن حتى هذا الفرق يتضاءل بالمقارنة مع السجن الامريكي لان الحبس الانفرادي لمدى سنين متصلة نوع من التعذيب النفسي ربما يكون اشد وطأة من التعذيب البدني وقطعا ابقى اثرا. المصري ناصر احمد, ومهنته مهندس كهربائي جاء اصلا إلى الولايات المتحدة كمهاجر واستقر مع اسرته (زوجة وثلاثة اطفال) في بروكلين, وتعرف على الفقيه والناشط الاسلامي الشيخ عمر عبدالرحمن فصار من المعجبين به, وعندما قدم الشيخ إلى محاكمة انتهت بالحكم عليه بالسجن بتهمة تدبير اعمال ارهابية تطوع ناصر كمترجم له اثناء مجريات المحاكمة. وما ان انتهت المحاكمة حتى قبض على المهندس ناصر نفسه بامر من (مكتب التحقيقات الفيدرالي) سيىء الصيت, ومنذ تلك اللحظة ولمدى اكثر من ثلاث سنوات طويلة وإلى أن افرج عنه لم يوجه رجال مكتب التحقيقات اية اتهامات اليه. ان مكتب التحقيقات يبرر هذا الاحتجاز الطويل بأن لديه ما اسماه (أدلة سرية) ووفقا لهذه (الادلة) فان المهندس ناصر له صلة باتباع الشيخ عبدالرحمن, ويعتبر بالتالي خطرا على الامن القومي الامريكي, وطبقا للقانون الجنائي الامريكي فانه يكفي ان يؤلف مكتب التحقيقات اية روايات خيالية جزئيا أو بالكامل بشأن شخص ما مستندا إلى انها (أدلة سرية) حتى يلقي القبض على ذلك الشخص ويبقى رهن التحري لسنوات ليس فقط دون توجيه اتهام بل حتى دون ان يشترط القانون ان يطلع على (الادلة السرية) ليرد عليها, وهنا يتساءل المرء عما اذا كانت الممارسات الامنية في دولة تعتبر نفسها النموذج المثالي الاكبر في العالم من حيث الديمقراطية وسيادة القانون بحق فرد ما بناء على الشبهة والظن وربما التحامل السياسي تختلف جوهريا عن الممارسات المماثلة في الدول الدكتاتورية في العالم الثالث. ان بقاء المصري ناصر احمد في حبس انفرادي لمدى هذه السنوات الثلاث الصعبة وقد افتقد اسرته وربما فقد وظيفته كان بموجب فنيات وحيل قانونية متاحة لاجهزة العدالة الامريكية, فاوراق ناصر ظلت تتنقل بين دائرة الهجرة والجنسية ووزارة العدل وقضاة المحاكم ومكاتب الشرطة بالاضافة إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي يحملها محاموه من جهة لاخرى. واخيرا يصدر قرار قضائي بأن احتجاز هذا المواطن المصري غير دستوري فيفرج عنه, ولكن عند لحظة الافراج كانت ثلاث سنوات طويلة ومريرة قد ضاعت من عمره دون أي مبرر وعندما سئل عن شعوره وهو يغادر السجن قال: انه شعور لا يمكن ابدا وصفه, انه ينطوي على اذلال شديد. وربما يكون من الاخبار السارة ان ما جرى لهذا المواطن المصري ساعد على احياء تذمر مكتوم ليس بين ابناء الجاليات الاجنبية في امريكا بل ايضا في الاوساط القانونية الامريكية نفسها ضد قانون (الادلة السرية) وإلى أن يفرز الاحتجاج قرارا رسميا بالغاء هذا القانون سوف تظل الولايات المتحدة عمليا دولة متخلفة حضاريا فيما يتصل بسيادة القانون وحقوق الانسان مما يضفي سخرية على وعظها للعالم في هذا الشأن. أحمد عمرابي