في الخامس عشر من نوفمبر عام 1988, أعلن المجلس الوطني الفلسطيني قيام دولة فلسطين وعاصمتها (القدس الشريف) لتكون دولة للفلسطينين أينما كانوا, ولتصبح جزءا لايتجزأ من الأمة العربية تراباً وحضارة وطموحا, ولتعلن التزامها بمبادىء الأمم المتحدة وأهدافها وبالاعلان العالمي لحقوق الانسان . ذلك هو جوهر الاعلان عن الدولة الفلسطينية ذات السيادة من قبل الطرف الفلسطيني المتمثل في المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد بالجزائر عام 1988, بعد ذلك دخل الطرفان الاسرائيلي والفلسطيني عملية التسوية وكل منهما محكوم بميزان قوى دولي واقليمي ومحلي كان من جرائه مدريد واوسلو, وكافة ماتولد عنها من اتفاقات تنفيذية الخليل, واي ريفر, شرم الشيخ. وقد عبرت تلك الاتفاقات عن عدم قدرة الطرف الفلسطيني المفاوض على فرض أرائه المعبرة عن حقوقه الا بنسبية ما يمتلكه من قوة ومناخات دولية ملائمة, لذا كان من الطبيعي ان تفرز تلك التسوية حتى الآن تلك الاتفاقات الشائهة, ولعل ذلك ما تكشف من عدم انتهاء المرحلة الانتقالية من اتفاق اوسلو في الرابع من مايو 1999 ـ حسبما نص الاتفاق ـ وذلك ايضا هو ما يجعلنا نعتقد بإن استحقاق الدولة الفلسطينية المتوقف إعلانهاعن مفاوضات الوضع النهائي ليس يسيرا, ولن يكون كافيا فيه اعلان الدولة في نوفمبر عام 1988, كما ان الدولة لم تكن ابدا علما ونشيدا وبساطا اخضر ومطارا, إنما لابد من توفر شروط ـ حسب القانون الدولي ـ اربعة, اولها: رقعة ارض محددة تمارس عليها السلطة السيادة من دون اي منازع من اي دولة اخرى, وثانيها: سكان دائمون. وثالثها: قدرة الدولة واستعدادها لإحترام التزاماتها من مواثيق ومعاهدات واتفاقات, ورابعها السيطرة الفاعلة من قبل الدولة على أرض الدولة وسكانها, وعند توفر تلك الشروط ومعطيات اقتصادية, ومعطيات ديموغرافية وعمرانية, ومعطيات بيئية, عندها فقط ـ ومع مراعاة ان بناء الدولة وبزوغها عملية بناء وليست قرارا فقط ـ يكون لنا حق الحلم بالدولة الفلسطينية ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية, لذا فمن الاهمية ان نتناول بالبحث مفهوم الدولة في اطار التسوية وخياراتها المطروحة. وعلى وجه الخصوص ـ عندما شرع طرفا التفاوض في مفاوضات الوضع النهائي يوم 13/9/1999م. وفيها اعلن الوفد الفلسطيني بقيادة أبو مازن تمسكه بتطبيق القرار 242 والذي يعني حسب التفسير الفلسطيني ـ انسحاب اسرائىل الى حدود 4 يونيو 1967, واعلن ايضا تمسكه بقرارات الأمم المتحدة حول القدس والمستوطنات, كما تمسك بحل لقضية اللاجئين الواردة في اتفاق اوسلو وفي القرار 242 وعلى أساس قرار الأمم المتحدة الصادر 1948 برقم 194, وهو القرار الذي يفي بحق العودة و/ أوالتعويض. وكان الوفد الفلسطيني في مفاوضات الوضع النهائي قد اعلن انه في هذه المرحلة الاخيرة والخطيرة لشمولها على أهم وجوهر قضايا الصراع الفلسطينيي/ الاسرائىلي سيتبع اسلوب التفاوض الشامل الذي يحقق الانسحاب والسيادة معا, ولن يقبل اسلوب التفاوض المجزأ ـ وهو اسلوب لا غبار عليه في التفاوض ـ الا ان الوفد الفلسطيني نسى أو تناسى أنه وقع على واي ريفر المعدلة تحت اسم ش ش (شرم الشيخ) وفيها وافق على التوجه نحو المفاوضات النهائية قبل انتهاء تنفيذ واي ريفر المعدلة, ولا يعني ذلك سوى الربط بين مفاوضات المرحلة الانتقالية والمرحلة النهائية وهكذا يتواصل نهج اوسلو واتفاقياته ـ وهذا ما قصده باراك عندما طرح جدول مواعيده المقترحة لإعادة الانتشار ـ ويتكرس كمرجعية لمفاوضات المرحلة النهائية. كما نص الاتفاق المعدل في الواي المعدلة على أن تكون قاعدة التفاوض مستندة على قرار 242 وفقط, وكان ذلك بغرض اسرائيلي واضح هو قطع الطريق امام القرارات الاخرى الخاصة بالقدس والمستوطنات واللاجئين. وهنا سوف تعود للمواجهة مرة أخرى قضية الدولة الفلسطينية, ولن يكون امام السلطة الفلسطينية سوى اعلان الدولة من طرف واحد, كما هددت بذلك عندما توقفت المفاوضات في الزمن الاخير من حكم الليكود بقيادة نتانياهو ـ ويهمنا هنا أن نرجع لمسار فكرة الدولة الفلسطينية ومشروعاتها المتعددة, حتى نستكشف خريطة القوى من خلال تلك المشروعات وبالذات الرؤية الاسرائىلية الامريكية ـ الطرفان المؤثران. مشروعات الدولة الفلسطينية: لقد مر الموقف الفلسطيني بمرحلتين في فكرة الدولة, الدولي سبقت وعد بلفور واعقبته ودعت فيه القوى الفلسطينية الى استقلال فلسطين في اطار الوحدة مع سوريا (المؤتمر السوري عام 1920 وشارك فيه وفد من فلسطين وعرض الميثاق القومي الفلسطيني الذي وافقت عليه كل من الجمعيات الاسلامية والمسيحية الفلسطينية والمنعقد بالقدس). وقد جاء في البيان الصادر عن المؤتمر السوري وفي بنده السابع (نرفض مطالب الصهيونيين بجعل القسم الجنوبي من البلاد السورية اي فلسطين وطنا قوميا للاسرائيليين.. اما سكان البلاد الاصليون من اخواننا الموسويين فلهم ما لنا وعليهم ما علينا) كما ورد في البند الثامن (أننا نطالب دعم فصل القسم الجنوبي من سوريا المعروف بفلسطين والمنطقة الساحلية التي من جملتها لبنان عن القطر السوري ونطلب ان تكون وحدة البلاد مصونة لاتقبل التجزئة بأي حال كان) . اما المرحلة الثانية فقد برزت خلال الثلاثينيات حتى ما قبل 1948, وفيها ظهرت فكرة المطالبة باستقلال فلسطين وقيام حكومة وطنية تمثل الاغلبية العربية مع اعطاء حقوق قانونية للاقلية اليهودية, وقد برز ذلك في معظم الوثائق السياسية الفلسطينية حتى عام 1948 (المذكرة المقدمة من حزب الدفاع الى لجنة وود هيد في مايو 1938 ـ المذكرة المرفوعة من اللجنة العربية العليا الى لجنة التحقيق الانجلو ـ أمريكية في عام 1946 (لجنة موريسون) إلا أنه في هذه الفترة وماقبلها ظهرت على السطح فكرة الدولة الفيدرالية أو الثنائية القومية (الحكم الذاتي لكل من الشعبين العربي الفلسطيني والاسرائىلي) واول من اقترح الفيدرالية كانت عناصر من اليهود منذ بداية القرن (زئبق جابوتنسكي في نهاية عام 1922 ـ شولوموكابلنسكي في عام 1922 ـ آرثر روبين عام 1925 ـ مجموعة هلشومير هاتسعير (الحارس الفتي) نواة حزب المابام ـ جماعة أحود (الاتحاد للتعاون العربي اليهودي) ـ عصبة التقارب والتعاون اليهودي العربي). لكن بعد 1948 كان هناك رأي آخر عند الطرف الصهيوني, إلا أن الدولة الفيدرالية كان لها ايضا مؤيدون من العرب مثل (اقتراحات الامير عبدالله الى لجنة وودهيد عام 1938) ـ اقتراحات نوري السعيد عام 1942 في خطة الهلال الخصيب ـ المقترحات البريطانية في مؤتمر لندن عام 1938 ـ الكتاب الابيض المقدم من انجلترا بعد فشل مؤتمر لندن والصادر عام 1939 ـ مشروع نيكومب عام 1940 عضو مجلس العموم البريطاني ـ لجنة التحقيق الانجلو ـ امريكية عام 1946 ومشروع موريسون ـ آراء جروميكو عام 1947 عند مناقشة التقسيم عام 1947 وفي خطابه تناول فكرة الثنائية ـ مشروع الكونت برنادوت عام 1948). ومن 1948 حتى مابعد 1967, اخذت تتردد اصداء تلك المقترحات الا انها لم تأخذ عمقا حين كان الطرف الفلسطيني في تلك المرحلة تعبيرا عن حق غير مسنود بالقوة الى ان اعلنت حركة التحرير الوطني الفلسطيني ـ فتح ـ تبنيها الدولة الفلسطينية الديمقراطية في يناير 1968 وفي نفس الفترة تقريبا طرح من قبل مؤتمر حركة ها عولام هزيه في مارس 1968, بقيادة أفنيري مشروع الاتحاد الفلسطيني المكون من دولة فلسطين في الضفة وغزة ودولة فلسطين والقدس عاصمة مشتركة للدولتين على أن يتم ضم شرق الاردن الى فلسطين أو دولة مستقلة لهذا الاتحاد الفلسطيني ولعل كثيرا من الافكار المطروحة الآن في مسار التسوية الفلسطيني/ الاسرائىلي تعبير عن هذا المقترح. على ان يكون الفلسطينيون من داخل الاردن, وتكون العربية والعبرية اللغتين الرسميتين للدولة التي يجب ان تكون ملكية دستورية يرأسها ملك الاردن (الملك حسين) على ان يكون حكم ذاتي لكل من العرب واليهود في شئون الثقافة والتعليم والعقيدة الدينية, كما تكون القدس عاصمة الدولة الموحدة, وقبل ذلك كان الملك حسين قد اعلن في 15 مارس عام 1972 عن مشروعه والذي اطلق عليه المملكة المتحدة (تتكون من قطرين فلسطين والاردن) وفي يوليو من نفس العام ظهر مشروع جوتليب استاذ القانون الدولي بكلية الحقوق بجامعة نيويورك (كومنولث في فلسطين) والذي جاء فيه ان فلسطين وطن قومي لشعبين عربي ويهودي وتبعا للقانون الدولي لابد من تشكيل كيان له سيادة قانونية وشخصية دولية معبر عن الدولتين الاسرائيلية والعربية (كومنولث) وقد ساد هذا الاتجاه وروج له من قبل هيئات دولية ورؤى اسرائيلية وعربية إلا انه لم يعد ذا رواج الآن رغم عودة البعض لطرحه كمخرج لمفاوضات الوضع النهائي ولما يطلق عليه الحل الاقليمي إلا اننا نعتقد ان ما كان مطروحا لم يعد ممكنا الآن, وبالذات بعد تغير الظروف الدولية والاقليمية والمحلية او تكريس منهج التفاوض وقبوله من كافة الاطراف العربية ـ الاسرائيلية (رغم عدم قناعتنا بذلك) , لذا فمن الطبيعي ان تكون الدولة الفلسطينية المستقلة القائمة بصلاحيات حكم ذاتي موسع والمحدودة جدا في السيادة والممزقة جغرافيا عبر شبكة الطرق والمستوطنات والطرق الآمنة المشرف عليها من قبل اسرائيل والهيمنة الاسرائيلية على مجاري المياه وكمياتها وعلى العاصمة الموحدة القدس, والرابطة لهذه الدولة الجديدة بأربطة انية واستراتيجية واقتصادية مع ضمانات دولية اكثر من كافية. ذلك هو النموذج الذي سوف يخرج في النهاية وبعد سنوات طويلة من المفاوضات البادئة الآن تحت اسم مفاوضات الوضع النهائي, ورغم ايماننا ان الدولة الى دولة كائن حي يتطور من خلال الاحداث ـ ولعل (اسرائيل) ذاتها تعبر عن ذلك, إلا اننا نتعقد ان ما تفعله (اسرائيل) محاور الحياة مع ادخال اطراف دولية في ذلك ايضا, بالاضافة الى علمنا بهشاشة هذه الدولة الوليدة على المستوى الجيبوليتكي حيث الارض الممزقة والمثقوبة مثل قطعة الجبن والمليئة بالمستوطنات مثل جلد النمر ومتقطعة الاوصال من قبل جيش الدفاع الاسرائيلي ومستوطناته الامنية, كما نعلم وضعها الاقتصادي المعتمد على الاقتصاد الاسرائيلي. والمستهدف عبر المشاريع الاسرائيلية والاوروبية والامريكية ان يتم الربط المهيمن بين الاقتصاد الاسرائيلي والاقتصاد الفلسطيني والاردنى ايضا, مابالنا اذن بالحديث عن الوضع الدفاعي والامني والسياسة الخارجية, كل ذلك يكشف لنا عن دولة خلقة, مشوهة لا يمكن ان تعيش في ظل تلك الظروف الحاكمة وفي المدى المنظور. لذا لم يكن غريبا ان يكون الفرق بين الليكود والعمل من رؤيتهم للدولة هو نفس المفهوم حكم ذاتي موسع, الليكود يريد ان يسميه بوضوح باسمه الحقيقي, والعمل ليس لديه مانع في ان تكون دولة ذات علم ونشيد ولا حول لها ولا قوة. وسوف ينكشف لنا من قضايا الوضع النهائي المطروحة على مائدة المفاوضات مدى وحجم السيادة لدى الدولة الفلسطينية المزمعة, كما سوف ينكشف لنا عن مدى تمسك المفاوض الفلسطيني بقضية القدس الشرقية كعاصمة لفلسطين. كاتب وباحث مصري