أكدت حادثة سقوط الطائرة المصرية بأن كل ما يخص الشرق قابل للتسييس السريع وقابل للكثير من التأويل والنظريات والتحاليل, فمن جهة أثارت بعض كلمات مساعد الطيار الدينية وسائل الاعلام وكأنها تعني اسقاط مقصود للطائرة, فكل ما ارتبط بالاسلام يتحول بسرعة وبطريقة مضخمة في الاعلام الامريكي إلى كل ما يذكر بابن لادن وبتفجيرات الارهاب . لهذا كان الاعلام الأمريكي سريعا في القفز أمام التحقيق وأمام نتائجه وكان أسرع في الربط مع كل أنواع الارهاب التي عرفها العالم منذ أوائل الثمانينات, ولكن الجمهور العربي وعلى الأخص المصري, وهو المعني بكل ما حصل, كان سريعا في الدخول في تفسيرات أساسها نظرية المؤامرة وكل ما يرتبط بها, علينا ان ننتبه إلى ان طبيعة الاعلام في الواقع الأمريكي مرتبط بالشئون الحسية وهو سريع في القفز إلى نتائج في محاولة للاستباق والاستحواذ على التحليل الاسرع والخبر الأقوى. ولكن الاعلام الامريكي أسرع في القفز إلى هذه النتائج ان كانت تعني العرب والعالم الاسلامي, ويمكن القول بأن العرب يتحملون جانبا من المسئولية في تشويه صورة النفس بينما يتحمل الاعلام الامريكي مسئولية جزء آخر منها, هناك أزمة في صورة العربي العالمية, والمؤسف حتى الآن ان جهود العرب للتعامل مع صورتهم عالميا مازالت في أحسن الأحوال محدودة ومتواضعة ومتفرقة. وفي سقوط الطائرة المصرية وفي ردود الفعل عليها اعتبر قطاع من الناس في مصر وفي العالم العربي بأن ما حصل هو محاولة للنيل من مصر, وضرب سياحتها, وقد نوافق بطبيعة الحال بأن كل غامض من هذا النمط يتحول إلى شعور بالمؤامرة وكل شيء لا ننجح في تفسيره جيدا يتحول إلى مؤامرة كبيرة, تماما كما تحولت عملية اغتيال الرئيس كنيدي وبعده المرشح الجمهوري روبرت كنيدي, واغتيالات أخرى وسقوط طائرة TWA إلى مؤامرات حيكت حولها الكثير من التخيلات. ولكن لو درسنا الموقف نتساءل كيف يؤثر اسقاط الطائرة المصرية سلبا على حالة النهوض التي تشهدها مصر منذ سنوات؟ بل من الصعب ان تعتبر المخابرات الاسرائيلية ان لها مكسباً هنا, وذلك لأن الوفود العسكرية المصرية ذاهبة قادمة, كما ان ضربة كهذه لا معنى لها لأنها لن تمنع التعاون الأمريكي المصري, كما ان هذا الأمر لن يؤثر في قدرات مصر. من جهة أخرى ان عمل من هذا المستوى يحمل في طياته آفاق رد مصري وهكذا, لهذا فان الاحتمال الاسرائيلي يبقى بعيدا, خاصة وان الأداء الاسرائيلي ليس كما نتخيله من حيث الدقة والنظام, فهو الآخر مليء بالثغرات, لنتذكر كيف فشلت عملية اغتيال أحد قادة حماس في الأردن, أو كيف فشلت بعض أفضل وحدات الجيش الاسرائيلي في لبنان, بمعنى آخر من الصعب على اسرائيل ان تقوم بعمل من هذا المستوى دون ان تترك بعض الآثار ودون ان يكتشف الأمر ويسبب فضيحة كبيرة للحكومة, ويمكن القول ان العامل الاسرائيلي ليس مستبعدا في عملية أكثر دقة من شاكلة ملاحقة عالم نووي أو فيزيائي متميز. ويقول البعض ان أمريكا تريد ضرب مصر, إلا ان خطورة هذا التحليل تنبع من مسألة أخرى, فكيف تضرب أمريكا الطائرة المصرية, وهي تعرف ان عليها مواطنين أمريكيين, وان عليها أيضا يهودا أمريكيين, كما وان العلاقات الامريكية المصرية في أحسن حالاتها, بل من يتابع يرى ان العلاقات الأمريكية المصرية على الصعيد الرسمي هي علاقات دعم ومساندة وتبادل سياسي واقتصادي في اطار اعتراف أمريكي بالدور المصري اقليميا (عربيا وأفريقيا), بل ان مصر هي ثاني متلقي للدعم الأمريكي بعد اسرائيل, وهذا يلقي ضوءًا على أهمية مصر في السياسة الأمريكية الخارجية. ان فرضيات المؤامرة تعكس حالة القلق, بل ان الشكوك بالعلاقات المصرية الأمريكية أمر قائم, والشكوك بوسائل الاعلام العالمية والأمريكية هو الآخر قائم, ولكن هذه الشكوك تتطلب الكثير من العلاج والكثير من المتابعة. ولكن في الجوهر لن يكون بالامكان اعادة مصر للوراء, فهي قد تجاوزت عنق الزجاجة في قضية التنمية والبناء الذاتي, وبالتالي فإن هذه الحادثة المؤسفة والاشكال الاعلامي حولها لن يغير من هذه الحقيقة, يبقى ان الأفضل هو الامساك بردود الفعل في اطار البحث عن الحقيقة وكل ما يرتبط بها. * استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت