سيتساءل الكثيرون, هل يوجد في افغانستان ما يستحق ان تفرض الامم المتحدة عقوبات اقتصادية من اجله؟ وستكون الاجابة بسيطة للغاية, وهي ان العقوبات ليست هدفا في حد ذاتها انها اجراء يعبر عن ضيق المجتمع الدولي تجاه رفض حركة طالبان المطالب المتعلقة بتسليم الزعيم الاصولي اسامة بن لادن ومحاكمته في تهم الارهاب المنسوبة اليه . وقد جربت الولايات المتحدة في السابق اسلوب العقاب المباشر عبر ضربها لمعسكرات بن لادن بالصواريخ العابرة للقارات, لكن هذا الاسلوب ووجه بانتقادات كثيرة, من ابرزها انه ينتهك سيادة دولة مستقلة, ويعرض حياة سكانها للخطر, بالاضافة إلى افتقاره لدعم الشرعية الدولية. اذن لا يوجد حل آخر سوى نقل المشكلة إلى رحاب الامم المتحدة, وتفويضها اتخاذ الاجراءات اللازمة لمعاقبة حركة طالبان. ومن سوء حظ افغانستان, ان هذه المرحلة شهدت اجماعا اقليميا ودوليا قل نظيره ضد الارهاب. فروسيا تجد نفسها على الخط نفسه مع الولايات المتحدة, بسبب احداث الشيشان وداغستان والتفجيرات التي عاشتها موسكو, ونسبت الى متطرفين اسلاميين تردد ان لهم صلات مباشرة ببن لادن. وهناك الهند التي تواجه مشكلات جمة في اقليم كشمير, وتلقي باللائمة فيها على المتطرفين الكشميريين الذين توجد معسكرات تدريبهم وتأهيلهم وقيادتهم في افغانستان, وتشارك جماعة كشميرية واحدة على الاقل في تنظيم القاعدة الدولية التي يقودها اسامة بن لادن. ثم هناك ايضا بعض الدول العربية المهمة التي عانت في السابق ولاتزال من اعمال الارهاب, وينشط عدد من ابرز معارضيها من قادة الجماعات المتطرفة في افغانستان. وهناك اخيرا وليس اخرا التجربة العربية والاسلامية المرة, في دعم جماعات التطرف والارهاب, باسم راية الاسلام, وما اسفرت عنه من انعكاسات امنية وسياسية سلبية على مجمل الوضع في المنطقة وعلى صورة الاسلام نفسه. وعلى اية حال فان العقوبات الحالية على افغانستان وقبل كل شيء وبعده, ليست عقوبات شاملة, وانما هي عقوبات تشمل جانبين فقط, هما اولا شركة الطيران الافغانية, وثانيا ارصدة حركة طالبان وجميع الاموال العائدة اليها. اي ان هذه العقوبات موجهة بشكل مباشر لايقاع الضرر بالحركة على وجه الخصوص, وليست ضد الافغان او افغانستان نفسها. هذا هو المنطق الذي تقدم في اطاره الاجابات المتوقعة لاي سؤال يمكن ان يثيره فرض العقوبات الدولية على افغانستان. ان افغانستان بلد يعاني انهيارا حادا على جميع المستويات, وبالكاد يستطيع سكانه البقاء على قيد الحياة بشق الانفس, وهم غير قادرين على الخروج من الوضع الذي تسببت فيه عشرون عاما من الحرب الاهلية, ومع ذلك يجدون انفسهم تحت وطأة عقوبات دولية تطيح بآخر ما تبقى لهم من امل في الخلاص. وعلى الرغم من ان العقوبات ليست شاملة كما اسلفنا إلا انها في واقع بلد مثل افغانستان, تعتبر قاسية جدا, لانها تحرم السكان من الفرص الضئيلة الممنوحة لهم للحياة والتعليم والصحة وما شابه ذلك من مجالات حيوية. وهذا هو الوجه الآخر للعقوبات ـ اية عقوبات ـ انها لا تميز في العقاب بين المذنب والبرىء بقدر ما تأخذ الجميع بجريرة البعض, وتؤدي على المدى البعيد الى خلق وضع لا يستطيع فيه احد ان يميز بصورة حقيقية, بين معنى النصر ومعنى الهزيمة وبين من هو الغالب ومن المغلوب. رغم ذلك ينبغي طرح السؤال التالي, وهو هل ستؤدي هذه العقوبات الى اجبار حركة طالبان على تسليم بن لادن وهو الهدف من فرضها اصلا؟ يبدو ان الاجابة تميل الى النفي. على العكس فإن التمسك بابن لادن يعتبر هو الورقة الثمينة في ايدي طالبان, كي تساوم وتفاوض من خلالها, وتحافظ في الوقت نفسه على صورتها الزاهية في اعين الحركيين الاسلاميين. وربما حولت الحركة قضية امتناعها عن تسليم بن لادن, إلى عامل بطولة واستبسال في وجه الغرب, وهو نموذج توجد له اليوم شعبية في اوساط كثرة من المحبطين والمأزومين, من العرب والمسلمين. وبمعنى من المعاني فان حركة طالبان ربما تكسب على المدى القريب, إعلاميا ومعنويا, جراء هذه العقوبات, لكن خسارتها مؤكدة على المديين المتوسط والبعيد. لان هذه العقوبات لا تعني فقط حرمان الحركة من الاموال, انها تهدف في معناها الابعد إلى احكام طوق العزلة دوليا عليها.