بعد (صندوق النقد الدولي) تأتي الآن (منظمة التجارة العالمية) وهكذا تبتكر الدول الصناعية الغنية لكل عصر اداة عالمية كغطاء شرعي لمواصلة نهب موارد شعوب البلدان الفقيرة في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية.حتى منتصف هذا القرن كانت عملية النهب تجري تحت اشراف ادارة استعمارية مباشرة, وبعد ان اندلعت حركة التحرر الوطني في المستعمرات في اعقاب الحرب العالمية الثانية انضمت الولايات المتحدة الى دول اوروبا الاستعمارية لابتكار نظام يضمن استمرار النهب الاقتصادي لموارد المستعمرات بعد ان تنال الاستقلال السياسي.. فكان مولد (صندوق النقد الدولي) . وخلال نصف قرن استطاعت ادارة الصندوق ان تثبت في غالبية دول العالم الثالث فريق خبراء يوجه سياسات ومسارات الاقتصاد الوطني في كل دولة تحت شعار (تحرير الاقتصاد) و(برنامج الخصخصة) . والهدف المقصود هو اقصاء سلطات الدولة عن حركة الاقتصاد الوطني حتى تتمكن الشركات الامريكية والاوروبية في نهاية المطاف من تملك المؤسسات الاقتصادية المخصخصة جزئيا او كليا. الآن تأتي (منظمة التجارة العالمية) كنقلة نوعية لعملية النهب تحت شعار (تحرير التجارة العالمية) , واذا كان (صندوق النقد الدولي) يتعامل مع دول العالم الثالث على اساس كل حالة على حده فإن منظمة التجارة العالمية تتعامل معها جميعا ككل على نطاق عالمي. فما هو المقصود اذن بتحرير التجارة العالمية؟ يمكن ان نقول على الفور ان هذا الشعار يمثل اكبر عملية خداعية في التاريخ الاقتصادي على الاطلاق فالمنظمة هي المعادل الاقتصادي لهيئة الامم المتحدة: تجمع عالمي تسيطر على آلية ادارته بضع دول غنية وتسخره لخدمة مصالحها العليا باسم الشرعية الدولية. نظريا وعلى الورق يقول النظام الاساسي لمنظمة التجارة العالمية ان تحرير التجارة العالمية سوف يقود البشرية كلها الى المزيد من الازدهار الاقتصادي عن طريق مضاعفة النشاط التجاري التبادلي في الاسواق العالمية, وتبرير ذلك هو ان الحواجز الجمركية واجراءات الحماية الجمركية الاخرى التي تفرضها كل حكومة في العالم تعوق التدفق الحر للسلع والخدمات الى الاسواق حول العالم. اذن يجب ان تتفق كل دول العالم, غنيها وفقيرها على حد سواء, على ازالة الحواجز الجمركية لا لضمان التدفق الحر للسلع والخدمات الى الاسواق فحسب, بل ايضا لضمان ان تصل الى ايدي جمهرة المستهلكين في كل سوق بأسعار رخيصة. وفي ذلك تستوي كل السلع والخدمات بغض النظر عن منشئها.. تستوي اجهزة الكمبيوتر المصنعة في امريكا مثلا لدى دخولها سوقا خليجية دون رسوم جمركية مع براميل النفظ الخام المصدرة من دولة خليجية الى السوق الامريكية ايضا دون رسوم جمركية, وبناء على ذلك يصل جهاز الكمبيوتر الى السوق الخليجية بسعر ارخص فينتعش الطلب على الكمبيوتر وبالمثل ينتعش الطلب على البنزين والمشتقات النفطية الاخرى في السوق الامريكية. واذا كان هذا النظام يبدو جميلا على الورق فإنه لن يكون كذلك على الصعيد التطبيقي, فالدولة النامية التي تلغي الرسوم الجمركية وتفتح اسواقها للسلع المصنعة الواردة من الدول الصناعية المتقدمة لتعرض هذه السلع بأسعار ارخص تكون قد حكمت على اقتصادها بالاعدام, فهي اما تكون قد دخلت مرحلة التصنيع السلعي فلا تقوى منتجاتها الصناعية الناشئة على منافسة السلع المماثلة المستوردة من امريكا او اوروبا او اليابان, وبالتالي تموت الصناعة المحلية. واما ان تكون دولة لا تعتمد إلا على تصدير مادة خام كالقطن او الفوسفات او النفط.. وفي هذه الحالة سوف تبقى كذلك الى الابد فلا يتاح لها اطلاقا دخول مرحلة التصنيع. الهدف النهائي غير المعلن من انشاء منظمة التجارة العالمية هو اذن (عولمة الاسواق) اي تجهيزها وفقا لقوانين المنظمة في (تحرير التجارة العالمية) لتكون قابلة للاحتكار الكامل بواسطة الشركات العملاقة للدول الغنية. وهذه هي صورة الاستعمار الجديد للقرن الحادي والعشرين.