لقد اختصرت محاولة تطوير المجتمعات وتغييرها في الدعوة الى تحرير المرأة وذلك على عكس الرسالات السماوية أو الأفكار والنظريات الفلسفية الكبرى التي شكلت فيها المرأة جزءاً اساسياً مهماً, ولم تكن احادية الجانب وخاصة بها فقط, واذا كنا لا ننفي اهمية تناول قضية المرأة قياساً او مقارنة بالقضايا الكبرى في المجتمع , فإننا في الوقت ذاته نرى ان المشكلة برمتها تتعلق بالانسان العربي رجلاً كان او امرأة, ولهذا يجوز القول ان قضية المرأة من الضروري ان تطرح من خلال المستويات التالية: ـ مستوى التميز الخاص بالمرأة, وفيه تحدد مدى قدرتها على المساهمة والتغيير بناء على قوتها الذاتية وطموحاتها وآمالها الكبرى. ـ مستوى التداخل بينها وبين الرجل: وهذا المستوى هو الذي يبين العلاقة المطلوبة في التعامل بهدف تحقيق التعايش دون استغلال طرف للآخر, دون ان تظل مسألة تحرير المرأة حكراً على الرجال فقط. ـ مستوى مواجهة الواقع: وهذا يعني اعلاناً لانهاء هروب الجماعات المختلفة او احتمائها بقضية المرأة سواء لتحقيق أفكار خاصة بها او لتعطيل حركية المجتمع. ـ مستوى عالمية قضية المرأة: على اعتبار ان هناك انجازات تحققت على الصعيد الدولي في مجال حقوق المرأة لا يمكن انكارها او التخلي عنها, منها ما هو خاص ببيئات وثقافات بعينها, ومنها ما هو عام, فعلى المرأة العربية ان تبحث عما هو مشترك في الارث الانساني, وفي عصرها الراهن. ـ مستوى الفصل بين المحلي والعالمي: وهو جزء من المستوى السابق حيث لا يقبل القفز فوق المراحل من خلال الاتكاء او الاعتماد على ما حققته المرأة في الغرب ومحاولة تعميمه. والواقع انه لا يمكن التعميم على نشاط المرأة العربية خاصة في المجال الابداعي, فهناك كتابات نسوية عالية الجودة, مجسدة للواقع, وحتى حين اعتمدت على الموروث جاءت بالجانب النوراني فيه, لننظر مثلاً مساهمات الباحثة الجادة المغربية (فاطمة المرنيسي) في مختلف كتبها, فقد استحضرت التراث من خلال الوعي به وتوضيح جوانبه الخفية, وبينت الدور الفعال للمرأة بدءاً من عملية التثقيف الى المشاركة في السلطة. بجانب هذا هناك كتابات اخرى اتسمت بالجرأة, واكدت على الجانب الأنثوي لكن قامت بذلك دون عقد الخوف او الجهل, ورغم رفض قطاع عريض في المجتمع لما يكتب فقد بينت تلك الكتابات وجهاً آخر مطلوبا في عملية تحرر المرأة, وربما وذاك ما نجده جلياً في كتابات الدكتورة (نوال السعداوي) . ان المتابعة الدقيقة لقضايا كثيرة مطروحة خلال فترات ومواقف في التاريخ تكشف عن خلفية رجالية حتى في القضايا الفقهية تتم الاستعانة بها الآن بهدف اصباغ حياتنا بموانع تحول دون التطور, وتحرض على اعطاء صورة لرفضنا للمقدس, وتشي بمحاكمات ومتابعات على اساس الفكر تجسدت في دول كثيرة, وذلك غلقاً للنقاش, ومنعاً للحوار وتجاوزا للحاضر بنوع من الانتكاسة نحو الماضي واحتكاماً للأموات الذين لا ننفي دورهم ومشاركتهم في صنع تاريخنا. والمرأة في هذه الحالة اذن معرضة لتزييف وعيها على أساس الاعتقاد بأنها هي المشاركة في صنع الاحداث, يتحدد ذلك من خلال الشعور بزهو التغيير, وبحرية التواصل, وبمنافسة النساء واحياناً صراعهن مع بعضهن بعضاً على اساس المظهر الخارجي حتى أن الواحدة منهن تنساق وراء فكرة مفادها: ان من تخالفها مظهراً تخالفها فكراً, وان من تخالفها فكراً هي العدو فتحذرها, ونتيجة لذلك تجزأت قضية المرأة المتعلقة بالعدل وبالحقوق والواجبات, وبالدفاع عن الجانب الانساني دون وضع معايير خاصة بين الأنوثة والذكورة. هكذا تم الابتعاد عن المؤسسات وتركز خطاب التغيير على توضيح الحقوق والواجبات من خلال التراث الفكري, وفي حقيقة الامر ان القراءة المتأنية لما ورد في كتب ثلاثة هي الاكتراث في حقوق الاناث (لمصطفى بن الخوجة الجزائري 1895) وتحرير المرأة (لقاسم امين 1899) وامرأتنا في الشريعة والمجتمع للكاتب التونسي (الطاهر الحداد 1929) يتضح الى اي مدى كانت النظرة دينية سواء أكان السبب رد فعل عن الاخر الغربي او عن قوى اجتماعية وسياسية بالداخل. ويمكن القول ان هناك نوعين من الفهم للاسلام ظهرا انذاك, وما يزالان يؤثران سلبا وايجابا في حياتنا, فقد كان لكل فريق فهمه الخاص ودافع عنه, فالذي تشبث باستعباد المرأة يدرك الحقوق التي اعطاها الاسلام, مثل ما يعرف الفريق الرافض للاستعباد, الذي دعا الى تحرر المرأة ذلك فلماذا اختلف الفريقان؟ يبدو ان سبب ذلك الاختلاف هو سلطة المجتمع, التي كانت اقوى خصوصا اذا سلمنا بالرأي القائل ان الشيخ (محمد عبده) كان مساهما او مشاركا او على الاقل صاحب الجانب الفكري, المتعلق بالفقه لكتاب تحرير المرأة لقاسم امين, وعدم اعلانه مشاركته في التأليف, قد يكون سببه الخوف من المجتمع او بهدف اتاحة الفرصة وفسح المجال لجيل جديد يحمل فكرا تقدميا. لنضرب مثلا هنا بقضية الحجاب.. انها قضية خاصة جدا حولت الى قضية عامة ثم الى قضية سياسية تدخلت فيها الحكومات, ليس مثار اهتمام قريب كما حدث منذ شهور في تركيا بخصوص النائبة (مروة قواقجي) ولكن هي اسبق من ذلك في منطقتنا العربية وفي عالمنا الاسلامي, اذ يرتبط موقف السلطات منها بمدى قبوله او رفضه للتيار الديني, فاذا كانت على استعداد للتعامل مع الاحزاب الاسلامية, لضرب تيارات اخرى فسحت المجال للمتحجبات, وكذلك الحال اذا سيطر حزب اسلامي او فازت جماعة داخل التنظيمات النقابية والادارية, فانها توسع المجال للمتحجبات, وربما تظهر نساء المسئولين بما يعرف بالزي الاسلامي, ويحول دون غير المتحجبات ويمنعن من المساهمة, اما اذا دخلت السلطات في صدام او حرب اواستبعاد التيار الديني طاردت المتحجبات وضيقت عليهن ومنعت ظهور صورهن على شاشة التلفزيون, بل وتمنعهن من وضع الصور على جواز السفر بالخيمار ـ غطاء الرأس ـ على اعتبار ان هذا يمثل امتدادا ثقافيا للجماعات والاحزاب الدينية. اننا اذن امام وضع صعب يتداخل فيه السياسي بالعقائدي, والبقاء في السلطة باستبعاد الآخرين, كما نلحظ ان هناك سعيا لتصفية الحسابات بين التيارات والجماعات على حساب المرأة تتجاوز حدود الدولة الى العالم كله. لقد كان منتظرا, ونحن نتحدث كثيرا ودائما على الاخلاق باعتبارها نتاجا خاصا بنا دون الامم الاخرى, وكأنها لا اخلاق لها, في الوقت الذي ينتج فيه العالم المتقدم كل شيء, ان يتحول خطابنا الثقافي الخاص بالمرأة الى دعوة جادة للتغيير, او على الاقل الى المكاشفة بهدف اظهار خلفيات حقيقية تجاه كثير من قضايانا المصيرية, التي اصبحت تشكل هما يوميا مؤرقا, وتتكرر بشكل مستمر وفي اكثر من مكان, وتعتبر موضوعات ذات أهمية في الحاضر منها على سبيل المثال لا الحصر: ـ عمل المرأة ومحاولة انقاذ المجتمع والحد من البطالة باعادتها الى البيت ـ مسألة الطلاق من منظور رجالي. ـ الفصل في الذمة المالية بين الرجل والمرأة. ـ الاستقلال الاسري. واضح ان المرأة العربية تميزت بقابلية لتبعية الرجل وهذا ليس بمعنى الحاجة, ولكن بدخولها ضمن تيارات رجالية قد يرى البعض ان ذلك ضرورة لابد منها وقد يرى بعض اخر ان الكلام عن الرجل بمنأى عن المرأة او العكس لا يوجد الا على مستوى التنظير, وليس هناك عمل رجالي خالص ولا نسائي خالص, وهذا يعتبر حقا من ناحية ضرورة التعامل بين بني الانسان ـ ذكورا واناثا ـ لكن حديثنا يدور هنا حول مسألة محددة هو تحرير المرأة او اعطاؤها حريتها, المدهش ان هذه العملية الاخيرة سبقت النضال, حيث دعا رجال النخبة اولا الى تحرير المرأة, ثم جاء النضال بعد ذلك لتأكيد العتق من العبودية, ولولا نفر من هذه الامة عمل من اجل ذلك لظلت الى الآن تحت وطء السلطة الرجالية بجميع انواعها, مثلما كانت في الماضي, ما يعني ان المبادرة كانت من الرجال مهما ادعت المرأة غير ذلك. الواقع ان دعاة تحرير المرأة كانوا اكثر فهما لما يمكن حدوثه من رفض فاحتكموا الى الدين ومنه انطلقوا, واعتقد انهم لو طرحوا تصوراتهم واراءهم خارج المنظور الديني لظلوا في حال من الرفض وشعور الغبن وعذاب الضمير الى وقتنا هذا, لكن المرأة العربية حين دخلت رحلة النضال وضعت في الغالب نفسها في مواجهة الجماعات الدينية من موقع رفضها لاحكام الدين, وهكذا جلبت على نفسها البلاء والمحن ووقع الصراع ولايزال على اساس التوجهات الايديولوجية. من ناحية اخرى فان الموقف الايديولوجي مثلما هي الثورة على الموروث من طرف فريق بعينه جعل المرأة هي الضحية, او لنقل التضحية بعدد من النساء لتحقيق سعادة الاخريات, وغالبا ما تبدي المرأة العربية استعدادها للقبول بهذا الوضع. انه لوضع غريب حقا ذلك الذي تعيشه المرأة العربية في هذه الايام الاخيرة من نهاية القرن, ورغم ما حققته من مكاسب لاتزال في حال اسوأ مما كانت عليه منذ بداية هذا القرن, فأنذاك تحت وطأة تخلف عام, اما في وقتنا الراهن فان التخلف لايزال قائما لكنها هي كبش الفداء للتطور على المستويين القيمي والاخلاقي, وقد لا اكون مدعية او مبسطة للقضية حين اقول: ان المواقف الايديولوجية المختلفة تتحرك على صعيد حرية المرأة من منطلق تأكيد سلطة الرجل, وان اختلف الطرح والهدف, واذا لم نصل رجالا ونساء الى مستوى عال في التعامل على اساس العلاقات الانسانية, سنظل بعيدين عن المشاركة في الحضارة. ان محاولة تجديد الحرية من خلال كشف المستور عن هذه او تحويل الاخرى الى خيمة متحركة تعد حالة من الجهل المتنوع الذي يبدو احيانا في مظهر العلم والمعرفة, وامكانية تجاوزها ليست بعيدة عن وضعها, وهي تتركز ـ فيما أرى ـ في تحرر المرأة من عقد الخوف والجهل والبحث عن الانسان فيها, وذلك لن يحدث مالم تتم مكاشفة علانية تمد الجسور بين النساء والنساء اولا, وبين النساء والرجال بعد ذلك, اما المحاولات السابقة التي كانت قفزة الى الامام حيث احتمت المرأة بجلادها, فقد تابعنا جميعا نتائجها ولا نود ان تتكرر مرة اخرى. * كاتبة جزائرية مقيمة في مصر