هل الارض الفلسطينية موعودة بانتفاضة شعبية قريبا؟قد يكون اندلاع الانتفاضة وشيكا بالفعل وقد يتأخر لكن عناصر الانفجار الشعبي في الشارع الفلسطيني قد اكتملت فيما يبدو. هذا هو مغزى ذلك البيان التاريخي الذي حمل توقيع عشرين من ابرز الشخصيات الاجتماعية في الارض المحتلة واكثرها احتراما لدى قطاعات الجماهير ... بينهم اكاديميون واطباء وسياسيون ونواب برلمانيون... وانتماءاتهم السياسية متنوعة ومختلفة... ومنهم من ينطلق من موقف استقلالي بلا انتماء محدد سوى الانتماء للوطن. وتطالع البيان من اوله لاخره فلا تجد فيه جديدا بشأن الواقع الفلسطيني لما بعد اوسلو. ومع ذلك اهتزت السلطة الفلسطينية وارتعب رموزها فعمدت الى الوعيد والتحذير بعد ان شرعت في اعتقال الموقعين على البيان. وكون ان البيان لم يأت بجديد فان هذا بالضبط هو سر قوته التي ارهبت السلطة فقد جهر بما هو واقع ومعاش لكنه لا يقال. وجاء سرده للواقع بكلمات مباشرة وصريحة كأنها قذائف تنطلق من مدفع رشاش. الطلعة الاستهلالية كانت ايجازا لما جاء بعدها مفصلا, فقد وجهت الاتهام الى السلطة الفلسطينية بأنها (اتبعت سياسة رهيبة من الفساد والاذلال والاستغلال للشعب الفلسطيني وكأن اتفاق اوسلو كان مقايضة الوطن بثراء بعض الفاسدين المفسدين في السلطة الفلسطينية) . ويواصل البيان على هذا النسق قائلا انه بعد ست سنوات من التوقيع على اتفاق اوسلو فان حديث القيادة الفلسطينية عن الانتصارات ما هو الا (مسلسل مرعب من الدجل والكذب والتضليل والذي ستكون نتائجه اعمق جرحا وتلويثا في مفاوضات الوضع النهائي) . وبعد ان يصرخ البيان بأن (الوطن يباع والمواطن يخذل ويدمر) فانه يستنهض الجماهير الفلسطينية: (فلنقف معا مواجهين هذا الطغيان وهذا الفساد, والظلم لا يتوقف الا بسواعد المظلومين... والظالم لا توقفه الا صلابة المؤمنين) . ومن عجائب الصدف توقيت صدور البيان... فهو يتزامن تقريبا مع ذكرى اندلاع انتفاضة عام 1987 في الاسبوع الاول من ديسمبر. واذا كانت الظروف والعوامل القوية التي ادت الى اشتعال الانتفاضة حينئذ لم يكن ينقصها الا شرارة فان الظروف والعوامل التي تتبلور الآن وبعد 12 عاما اشد قابلية للاشتعال. في الثمانينات كان الشعب الفلسطيني يواجه سلطة احتلالية اجنبية... وفي التسعينات يجد نفسه مواجها بسلطة فلسطينية تعمل وفق اجندة القوة الاحتلالية الاجنبية التي تقف وراءها. وما بات في حكم المؤكد الآن ووقر في اذهان الجماهير الفلسطينية هو ان هذا المشهد قد لا يتغير في المستقبل... قد يكون هو الوضع النهائي او شيئا شبيها له. ومن هنا فان قول البيان بان اتفاق اوسلو ليس سوى مقايضة الوطن بثراء بعض الفاسدين المفسدين لابد ان يلقى تجاوبا لدى القطاعات الشعبية. وعلى هذه الصورة فان وضع الشعب الفلسطيني قبل اوسلو ربما كان بالمقارنة والنسبية افضل من اي وجه نظرت فيه. فعلى المستوى المعيشي تراجع مستوى الاسر المتوسطة اضعافاً مضاعفة مع تراجع حركة الاقتصاد الوطني. ومن الحقائق المريعة في هذا السياق ان نسبة البطالة بين الشباب الفلسطينيين القادرين على العمل تكاد تبلغ 50 في المائة, يقابل ذلك منظر القصور والفلل الفاخرة والمستويات المعيشية الاسطورية التي تتمتع بها الصفوة الضئيلة لشريحة السلطة. اما على الصعيد السياسي فانه مع استمرار القيادة الفلسطينية في مسلسل التنازلات بازاء الجانب الاسرائيلي فان تحرير الارض الفلسطينية بات ابعد اكثر من اي وقت مضى. وربما لا يمضي زمن طويل قبل ان نستذكر ان (بيان العشرين) كان بداية العد التنازلي نحو اندلاع انتفاضة شعبية عارمة.