ونحسب ان ثمة مؤسسات ثلاثا بالذات، هي التي تضبط حركة المجتمع وتكفل له اسباب الاستقرار والتطور والنمو ورشد الحركة ووضع الاهداف وهي: القضاء والاكاديميا والانتلجنسيا، عاد المبعوث من رحلته التي استغرقت اربعا او خمس سنوات حصل فيهن على درجة الدكتوراه... وبعدها بادر الى شد الرحال عائدا الى الوطن وبين جوانحه تتقافز بل تكاد تتراقص الآمال في حياة ميسورة ينعم فيها باللقب العلمي والوظيفة المرموقة والدخل المعقول. وحين حطت قدماه على ارض الوطن باغتته مفاجأة غير سارة على الاطلاق: فوجىء بان مالك شقته التي تركها مغلقة خلال سنوات الابتعاث استطاع التحايل على القانون واستصدر حكما بطرد المبعوث المسكين من الشقة التي يسكنها واسرته الصغيرة. لجأ الى محام شاطر يلعب ـ كما يقولون ـ بالبيضة والحجر بفضل ما توافر له ـ المحامي ـ من شبكة علاقات واسعة وقدر يحسد عليه من دهاليز الدهاء. كانت حجة المبعوث واحقيته في (العين المؤجرة) واضحة بغير لبس او غموض. لقد ظل مداوما طيلة الغياب على سداد الايجار كاملا وفي موعده الشهري الموقوت ـ جاءه المحامي الاريب يطمئنه على ان حقه في طريقه الى الاسترداد وان المستندات كلها في حقه وان الامر لا يعدو خلطا للاوراق وتحايلا على القانون واستغلالا لزحمة القضايا المتراكمة على كاهل القضاة... مع ذلك طلب المحامي مبلغا جسيما بخلاف مبالغ الاتعاب ومصاريف المستندات. واتضح بعد ذلك ان المبلغ تم دفعه للاسف على سبيل رشوة للقاضي الذي لم يتورع عن ان يكلف المحامي بكتابة منطوق الحكم والحيثيات التي يستند اليها... ومن ثم مهرها القاضي بتوقيعه وصادق عليها بختم المحكمة... وصدر الحكم طبعا باسترداد الشقة الموعودة وتمكين المبعوث العائد منها... لكن القصة لم تنته فصولها عند هذا الحد... والذي حدث انه انقضت بضع شهور فاذا بالقاضي اياه يتصل بالمحامي اياه ايضا ويطلب منه نسخة من الحكم الصادر... لماذا؟ هل لان القاضي قرر ان ينشر الحكم النموذجي في مجلة (القضاء) وباسمه الشخصي بطبيعة الحال. حتى مؤسسة القضاء حدثت هذه القصة, بملابساتها السابقة في بلد عربي منذ بضعة عشر عاما... وحين ترامت الينا اخبارها ـ كدنا نصعق لانها لم تأت نموذجاً, مجرد نموذج لانحراف فرد ينتمي الى مهنة القضاء الجليلة... لكنها جاءت نذيرا بان ألسنة الفساد بدأت تطال مؤسسة القضاء التي مازالت تمثل آخر خطوط الدفاع عن تماسك الكيان الاجتماعي ونزاهة السلوك البشري وقدرة الانسان على مقاومة ضعف النفس البشرية امام غواية الجاه او الجنس او التربح الى آخر الاغراءات والغوايات. 3 مؤسسات ونحسب ان ثمة مؤسسات ثلاثا بالذات هي التي تضبط حركة المجتمع وتكفل له اسباب التطور والنمو ورشد الحركة ووضوح الاهداف وهي: 1) مؤسسة القضاء 2) مؤسسة الاكاديميا 3) مؤسسة الانتلجنسيا * بالقضاء يضمن المجتمع ان لا تجور السلطة التنفيذية على حقوق الافراد, وان لا يتعدى الفرد او الجماعة على حقوق الآخرين. * وبالاكاديميا يضمن المجتمع استمرارية البحث العلمي.. عميقا ونزيها ومرتبطا بحركة التطور في العالم الخارجي في حين يظل موصولا بنبض مجتمعه وآمال مواطنيه. * وبمؤسسة الانتلجنسيا يضمن المجتمع اثراء خبرته الحياتية, على مستوى الفكر وعلى صعيد الوجدان من خلال ما يتوافر لهذا المجتمع من حصائل التراكم المعرفي والابداع الفكري والفني وتلك آليات بل محركات قاطرة التقدم والنمو في اندفاعتها الى الامام. سوس الفساد والويل كل الويل اذا ما زحف سوس الفساد الخبيث اللعين لكي ينخر في جسد واحدة او اكثر من تلك المؤسسات الثلاث. صحيح انها لا تزال في مجتمعنا العربي بألف خير وانها تؤدي مهماتها الجليلة بقدر ما تسمح به الموارد المتاحة من جهة, وبقدر ما توفره هوامش الحرية من جهة اخرى ولكن علينا ان نفتح اعيننا جيدا الى ما يمكن ان يشكله الخطر المحدق المتربص حين يرتشي القاضي وحين يسرق الاكاديمي من ابحاث غيره وحين يبيع المثقف ذمته ويعرض الفنان ثمرة ابداعه في اسواق النخاسة وساعتها يتحول هؤلاء جميعا الى مجرد آغوات في ساحات الاطماع التي تقوم على مطلق عمليات البيع والشراء. اركان التحالف الاجرامي ومن عجب ان تختم الالفية الثانية من الزمن سنواتها او عقودها الاخيرة وهي تدق نواقيس الخطر كي تنبه الى ان الفساد اضحى ظاهرة عالمية, متفشية, مستشرية للاسف الشديد. وحين يتحالف عناصر السلطة السياسية او السيادية مع المصالح الاقتصادية مليارية الحجم ويدخل في هذا التحالف قوى اجرامية منها مثلا امبراطوريات تهريب المخدرات عبر الحدود الدولية, ودوائر غسيل الاموال التي تمارس عبر قنوات مصرفية تعمل خلف واجهات قائمة وشرعية, فان العالم يصبح بازاء مافيا من نوع جديد ورهيب يختلط فيه النشاط المشروع بغير المشروع وتستغل فيه قوى القانون والاعلام والاعلان والفعاليات الاقتصادية لتحقيق ارباح طائلة واحيانا مذهلة وهو المناخ الذي يفرخ بالذات قوى اجتماعية هجينة, عاتية الاجرام ممعنة في الاستغلال, لا تتورع عن اي تصرف ولا يصدها عن رغباتها, سلطة ولا عرف ولا رادع ولا قانون. تأمل مثلا حكاية المليارات التي مازالت ضائعة بين مصارف روسيا وسويسرا وبانك اوف نيويورك... وتلك قضية مازالت منشغلة بها اوساط القضاء الامريكي ودوائر المال والاعمال في دول ستريت وقد وردت في سياقها اسماء عناصر متنفذة في موسكو بل داخل قمة الحكم في الكرملين ومنها اسرة الرئيس الروسي شخصياً. تأمل ايضا حكاية بايلوف ـ واسمه في الروسية هو (الثور) وقد كان مجرد نكرة يتحايل على المعايش, كما يقول المصريون منذ سنوات قليلة فاذا به اليوم واحدا من اباطرة المال في روسيا... واذا به يستخدم في معيته ـ كما تقول المصادر الامريكية 100 ضابط روسي كبير كانوا في السابق من اركان مخابرات الكي .جي. بي ومن قيادات هيئات امن الدولة في روسيا ومن قبلها ـ بداهة الاتحاد السوفييتي وطبعا عندما كان بايلوف هذا يدفع لهذه الكتيبة الضاربة من أعتى الضباط الروس مرتباتها بانتظام وسخاء في حين ان خزينة الدولة المترنحة لا تستطيع مجاراة هذا السخاء بل هذا الانتظام, فنظن ان النتيجة معروفة وهي هذا النفوذ الواسع المؤثر والخطير الذي كان يتمتع به هذا (المافيوزى) (عضو عصابة المافيا) في مصائر بلد كبير مثل روسيا. لا عجب مثلا ان يغطي نشاطه اقليم سيبيريا الغني بموارده الطبيعية ـ المعدنية على وجه الخصوص, وان يكون هو الممول الاول للحملة السياسية التي جاءت بالجنرال الروسي المتقاعد ليبيد الى منصب حاكم اقليم سيبيريا فيما تؤكد المصادر الامريكية ايضا انه كان يستعد لتمويل الضربة او الجائزة الاكبر وهي الحملة الانتخابية المقرر ان تحمل الجنرال ليبيد ايضا الى منصب الرئاسة الاولى في الكرملين خلفا ليلتسين الذي اصبح في حال يرثى لها بكل المقاييس. مواجهة الفساد: كيف؟ ولا احد يملك عصا سحرية من اجل القضاء على ظاهرة الفساد التي استشرت كما هو معروف من اقصى العالم الى اقصاه يستوي في ذلك مجتمعات سوبر متقدمة مثل اليابان ومجتمعات نامية مثل نيجيريا او مجتمعات تعاني من تركة الماضي مثل جمهوريات اسيا الوسطى السوفييتية سابقا. لكن تستطيع المجتمعات ان تصطنع لنفسها آليات لمقاومة الفساد ومناهج لمقاربة المشكلة التي ينطوى عليها.. وهي مناهج تشمل في رأينا حزمة من الاجراءات والمبادئ والتدابير التي يمكن تلخيصها بايجاز شديد فيما يلي: اولا الشفافية.. بمعنى اشاعة تدابير العلانية والكشف عن المعلومات والافصاح عن البيانات التي تهم المجتمع والناس فلا يجوز لاحد أن يعمل في زماننا مستترا بالتعتيم على المعلومات او محتميا وراء متاريس السرية المفروضة على البيانات نحن في عصر ترصد فيه الاقمار الصناعية تحركات الجيوش والاساطيل والمركبات باقصى قدر من الدقة والتفصيل وتتابع فيه شبكات الحواسيب مسار البيانات وقنوات المعلومات باقصى قدر ايضا من الدقة والتفصيل وعلى المؤسسات الحاكمة ان تطلع الناس على تفاصيل ما تقوم به.. من ناحية الانفاق والميزانيات والخطط والموارد وما اليها حتى يطمئن الناس الى ان امورهم تساس باسلوب رشيد وان مواردهم تدار تحت شمس العلانية بغير سرية او كهنوت. ثانيا المساءلة وهو المبدأ الذي اصبحت المجامع الدولية تطالب باشاعته وتطبيقه, بمعنى انه لا يجوز لمسئول حكومي مثلا ان يكون بمنأى عن الحساب حتى لو ترك موقعه بالاستقالة او الاقالة او التقاعد لابد ان يطبق المبدأ المعروف الذي مازال القوم يطنطنون به دون ان يأخذوه في العالم الثالث بالذات مأخذ الجدية او الاحترام وهو مبدأ من اين لك هذا؟ واذا كانت السماء تعلمنا ان (كل امرئ بما كسب رهين) فما احرانا ان نأخذ بتطبيق هذا المبدأ من المسئولية الفردية ومن اعمال قاعدة الثواب والعقاب ومن تعميم طائلة القانون كي ينطبق على الجميع بغير حصانة لفرد او تهرب فرد اخر من ربقة المسئولية. ثالثا: فلنستعر من امريكا مبدأ التوازن المرهف بين السلطات الفاعلة في المجتمع التنفيذية, التشريعية, القضائية ومعها سلطة صاحبة الجلالة الصحافة واذا كان هذا المبدأ الديمقراطي يفصل بين السلطات ويخول كلا منها في المجتمع الحديث ان تراقب احوال الاخرى, فانه يبادر كي يلقي بجسامة المسئولية المعنوية, بل والقانونية على كاهل اهل الصحافي عبر وسائلها المختلفة: المسموعة والمكتوبة والمرئية في ان يكونوا بحق ضمير الامة وصوت الشعب ونصير المستضعفين شريطة ان يراعوا ضمائرهم من ناحية اولى ويستندوا في عملهم الى اسس التحقيق العلمي وتحري الحقيقة من اصولها كي لا يظلموا الناس او يسيئوا الى سمعة البشر من ناحية ثانية, ثم يتبعوا اصول ما تقتضيه مواثيق الشرف المهنية من ناحية ثالثة من حيث الترفع عن مغبة التربح او استغلال الموقع الصحفي بغرض حقيقة الحسابات او الابتزاز او التشهير او ابتغاء الشهرة الجوفاء على حساب الاخرين. رابعا: تفعيل مؤسسات المحاسبة وانفاذ القوانين وتثقيف افرادها (ومنها مثلا مؤسسات المحاسبة القومية والشرطة والرقابة الادارية والتنسيق الفني).. بحيث تصبح كلمتها مسموعة وكياناتها محترمة. ويقتضى هذا التفعيل الارتقاء باساليب عمل تلك الهيئات المناط بها عمليات الرقابة وتطبيق القانون بحيث تستخدم احدث التقنيات واكثرها دقة ولكن مع اخضاعها لرقابة المجلس النيابي او السلطة التشريعية حتى لا تتجاوز سلطاتها ولا تشتط فيما تنفذه من واجبات. خامسا: لا مجال لهذا كله بغير توسيع رقعة حرية التعبير امام الناس.. ولا يفعل ذلك الا المجتمع وطيد الاركان, الواثق من نفسه.. ومهما اشتط الناس في استخدام هذه الحرية في التعبير, فان الامر يفضي في التحليل الاخير الى نشوء ظواهر صحية.. تقضي على كل احتقان اجتماعي قد يفرخ ظواهر مرضية تصيب بنية المجتمع وتفسد العلاقات التي يقوم على اساسها ومن شأن حرية التعبير ان تزود المجتمع بآراء القواعد الشعبية بين ما تريده لصالحها وما لا تريده لانه يضر بها.. وذلك ركن جوهري من اركان السلام الاجتماعي المنشود. * كاتب سياسي من مصر