لاسرائيل مشاكل مزمنة مع الامم المتحدة. فهي تكاد تكون الدولة الوحيدة التي نشأت بقرار عن هذه المنظمة الدولية, وهي الدولة الوحيدة التي كان قبول عضويتها فيها مشروطا بانصياعها للقرارات الدولية. لكنها وللمفارقة, كانت ايضا الدولة الاكثر عصيانا لارادة الامم المتحدة, والاقل حرصا على الوفاء بالتزاماتها ازاء القانون الدولي . الشيء المنطقي في حالة كهذه, حيث التبجح والتمرد هما الغالبان على السلوك الاسرائيلي ازاء الشرعية الدولية, ان تكون اسرائيل من الاعضاء قليلي المطالب والحاجات من الامم المتحدة, حارسة هذه الشرعية وممثلها الاول في عالمنا المعاصر. غير ان الذي يحدث منذ خمسين عاما هو العكس تماما. ذلك بأن السياسة الاسرائيلية بقدرتها الفذة على طرح المطالب والحاجات بمعزل عن الوفاء بالحقوق والالتزامات, مازالت لديها جرأة السعي الى استحلاب المنظمة الدولية الدولية حتى النخاع بلا حياء. مناسبة هذا القول, هو الجدل المستعر في دورة الجميعة العامة الحالية حول قضية انتماء اسرائيل الاقليمي ضمن مجموعات الامم المتحدة. فبعد نصف قرن من نشأتها وانضامها للأمم المتحدة, لم تجد اسرائيل مجموعة اقليمية تقبل بها عضوا, وتعود هذه المشكلة الى معضلة اكبر في حقيقة الامر, ملخصها تنطع اسرائيل ككيان استيطاني نشأ بصورة غير طبيعية بين الهويات الاقليمية الكبرى في دنيا العلاقات الدولية سياسيا وفي رحاب الثقافات والحضارات بالمعنى الاجتماعي التاريخي. بعيد اعلانهم الدولة, اشار زعماء اسرائيل المؤسسون الى انهم جزء من الحضارة الغربية. وذلك جريا على مقولة مؤسسة الصهيونية السياسية (تيودور هرتزل) من ان الكيان الصهيوني سيكون جسرا من الغرب الى الشرق منتميا الى المدينة الغربية. على ان الحزب ذاته, الذي تكفل بنفقات تأسيس واستزراع هذا الكيان, يأبى التصديق على هذه المقولة حتى الان, على الرغم من العبء الذي يتحمله في تثبيته. فعندما رغبت اسرائيل في الانضمام العضوي للجماعة الاقتصادية الاوروبية ـ الاتحاد الاوروبي الان ـ قوبل مطلبها بالرفض برفق. واستعيض عن الحاقها الكامل بمنحها ميزات خاصة ترقى الى مزايا العضوية. وكانت الحكمة الخفية في هذا السياق, ان اسرائيل وان اخذت بكثير من المثل الغربية, الاوروبية بالذات, ليست جزءا من اوروبا بالجغرافيا. هذا التوجه هو الذي يفسر بالتداعي عدم رضا الكثير من اعضاء المجموعة الغربية في الجمعية العامة عن ضم اسرائيل اليهم, لأن التحاقها بهم في الامم المتحدة, يستدعى لاحقا التعامل معها بالمنطق ذاته في دوائر اقليمية و دولية اخرى. بما في ذلك الاتحاد الاوروبي, وذلك على اعتبار ان اسرائيل لن تكون اوروبية (غربية) في محفل ولا غربية في محفل آخر. بيد ان المعارضين الغربيين لزعم اسرائيل بالأوربة والتعلق بالغرب بالمفهوم الاقليمي, لم يتركوها فريسة التمزق, فلديهم نزعة قوية لحل اشكالية انتمائها الاقليمي. ويبدو ذلك جليا بالنظر الى اشارتهم مؤخرا بأن مكانها هو المجموعة الاسيوية. وبالطبع لو كان ثمة مجموعات متوسطة او شرق اوسطية في الجمعية العامة, لصارت القضية اقرب الى الحسم. لكن هذين التعبيرين لا ينطويان على صفة تمثيلية في الامم المتحدة (ولعل ذلك يثبت مجددا انهما مصطنعان لا مطبوعان). ومن هنا كانت ازاحة القضية الى الدائرة الاسيوية. والحق ان الزعم باسيوية اسرائيل قائم منذ دورات عديدة سابقة للجمعية العامة, ومبعثه ان هذه الدولة تقع جغرافيا على تخوم اسيا الغربية. ولكن الاسيويين بدورهم لم يستسيغوا هذا الطرح منذ نشوء اسرائيل, ولاهم قبلوا تبعيتها لمجموعتهم قبل عامين, وهو موقف يتأتى من فلسفة عميقة لمفهوم الانتماء والهوية, جوهرها: ان اليهود كانوا لقرون كثيرة غير اسيويين. والى مطلع السبعينيات لم تضم اسيا اكثر من مئة الف منهم. وهناك ما يفرق بين الصهيونية حركة كانت ام دولة وبين اسيا كل العناصر والمكونات التقليدية لقضية الهوية الاقليمية من جنس ومظهر ولغة وسلوك اجتماعي ودين وانماط سلوكية وقيمية. ان اسرائيل قامت على الارتباط العضوي بتيار الاستعمار في الوقت الذي كانت فيه اسيا مشغولة بقضية التحرر والاستقلال. وهي مارست جرائم بشعة بحق شعب اسيوي, وادمت وجه غربي القارة, وخرجت على ارادة المجتمع الدولي كله الذي يطالبها بالطاعة دون جدوى. وظل اعتمادها في هذا العصيان ومازال مستندا الى دعم لا اسيوي بصفة خاصة. مؤدى هذه الفهم ان الاسيويين لا يقاربون مصطلح الهوية الاقليمية تأسيسا على دور الجغرافيا فقط, تماما كما يفعل الاوروبيون حين يرون ان الثقافة الغربية للنخبة الحاكمة في اسرائيل لا تكفي لاعتبار هذه الدولة ضمن دائرتهم الاقليمية. على ان هناك عوامل اخرى ساعدت علي تعقيد الرؤية الاسيوية لاسرائيل, وفي طليعتها دور الاسلام في اسيا والمواجهة العربية للمشروع الصهيوني الاستيطاني. فالاسلام يعد احد ابرز مكونات الحضارات الكبرى الاسيوية, وقد اذكى التصدي العربي للصهيونية مطولا المخاوف الاسيوية من السلوك الصهيوني الاسرائيلي, كما لا يمكن اغفال تأثير التحالف الاسيوي العربي في اطار حركة عدم الانحياز والعداء للاستعمار الغربي, على النفور الاسيوي من اسرائيل لدولة اشتهرت بسلوكها في الاتجاهات المعاكسة. والواقع ان مستجدات العشر الاواخر من القرن افرغت الكثير من دوافع الرفض الاسيوي لاسرائيل من مضمونها, وبات الحضور الاسرائيلي واضحا في اسيا لاسيما على صعيد المصالح الاقتصادية والتعاون العسكري والتقني مع كبريات دول المجموعة الاسيوية ـ هذا على الرغم من بقاء تأثير العوامل الاكثر ثباتا واتصالا بالابعاد الحضارية ـ ويستدعي ذلك وجود مداخل يمكن ان ينفذ منها الطموح الاسرائيلي ـ المدعوم غربيا ـ لضم اسرائيل لهذه المجموعة. وهنا, ليس اقل من ان يذكر العرب شركاءهم الحضاريين في اسيا بأن محددات الانتماء الاقليمي لمجموعتهم لا تنطبق على اسرائيل, ليس فقط لأنها في التحليل النهائي كيان مصطنع تم مغرسه في بيئتهم الطبيعية, وانما ايضا لأنها دولة خارجة عن الشرعية الدولية, وتحتل ارضا. وتضطهد شعوبا آسيوية. فضلا عن تاريخها الفكري والسياسي الذي لا يخلو من احتقار للحضارات الاسيوية المشرقة واستعلاء عليها. كاتب وباحث فلسطيني ـ القاهرة