تفتح في سياتل بالولايات المتحدة اخر اكبر مفاوضات هذا القرن الذي نستعد لتوديعه. ويتعلق الامر بالمؤتمر الوزاري للمنظمة العالمية للتجارة, والتي تضم مئة وخمسة وثلاثين عضوا, وتهدف هذه الدورة من المفاوضات التي ستمتد لشهور, ان لم نقل لسنوات, الى تدشين سلسلة من المفاوضات الرامية الى تحرير المبادلات العالمية . لقد ولدت المنظمة العالمية للتجارة على انقاض ما كان يعرف بالجات (الاتفاقية العامة حول التعريفات والتجارة) والتي كانت قد قادت سلسلة من المفاوضات ترمى الى تحرير التجارة العالمية على اساس الالغاء التدريجي للحواجز التعريفية, وغير التعريفية, كما هو الامر بالنسبة للمواصفات التقنية والتدابير الصحية المرتبطة بجودة البضائع. وقد كانت اخر الجولات في اطار تلك الاتفاقية هي ما عرف بدورة الاورجواي التي انطلقت في مدينة بونتي دل ايستي في سنة ,1986 وانتهت باتفاقية مراكش التي وقعت في ابريل 1994. وقد مكنت المفاوضات الماراثونية التي تمت في اطار دورة الاورجواي من رفع الكثير من الحواجز الحمائية, لاسيما في المجال الصناعي, حيث انخفضت التعرفة الجمركية الى 6% بعدما كانت تقارب 40% بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. لقد افرزت اتفاقية مراكش ميلاد المنظمة العالمية للتجارة, التي يوجد مقرها في جنيف بسويسرا. ويوجد على رأسها النيوزيلاندي مايك مور, مرشح الولايات المتحدة, الذي تم انتخابه بعد صراع كبير مع مرشح التايلاند, ولم يتم الحسم في النتيجة الا بالاتفاق على اقتسام الولاية بين المرشحين. وتشكل هذه المنظمة اداة لتقنين, واقرار مزيد من الشفافية لتنظيم المبادلات التي تنوعت وتوسعت مع ازدهار العولمة. وتتميز هذه المنظمة بتوفرها على مسطرة للتحكيم تسمح بتسوية الخلافات بين اعضائها, لاسيما بين الاقوياء منهم كالولايات المتحدة واوروبا. وفي الواقع, لقد بينت الاتصالات التمهيدية التي تمت في افق تحضير هذه الدورة الجديدة عن وجود خلافات عميقة بين المجموعات الاربع الموجودة في المنظمة, وهي الولايات المتحدة التي يعرف ميزانها التجاري عجزا كبيرا تتوخى من هذه المفاوضات ان تفتح لها مزيدا من الاسواق لترويج بضائعها. ولارغام باقي الدول للسير في هذا النهج, فهي لا تترك في استعمال اجراءات حمائية, وحتى عقوبات لفرض دبلوماسيتها التجارية. فانطلاقا من قانون هولمز ـ بورتون, فهي لا تتردد في اتخاذ اجراءات عقابية ضد الشركات الاجنبية التي تتعامل مع الدول التي فرضت عليها امريكا بشكل جائر حصارا غير مشروع, كما هو الامر بالنسبة لكوبا وايران. وعلاوة على ذلك, فانها مهتمة اساسا بالمجال الفلاحي, حيث تطالب المجموعة الاوروبية بضرورة التخلي عن الاعلانات التي تقدمها لصادراتها الفلاحية, والتي تصل الى 8 مليارات دولار, وتمثل حسب الممثلة التجارية الامريكية 85% من الاعانات التي تمنح للصادرات الفلاحية في العالم. في مواجهة هذا التصور, يفضل الاوروبيون ألا تبقى المفاوضات محصورة في هذا الاطار, بل يطالبون بتوسيعها لتشمل مواضيع اخرى, كما هو الامر بالنسبة للمنافسة والاستثمارات. وفضلا عن ذلك, فانهم يرفضون الطرح الامريكي المتعلق بالاعانات التي يقدمونها للصادرات الفلاحية. وفي هذا الصدد, يعتبرون انه على خلاف ما تدعيه الولايات المتحدة, فان المساعدات التي تمنحها لمزارعيها مافتئت ترتفع. وقد اعتبر وزير الفلاحة الفرنسي في احدى محاضراته في الولايات المتحدة, ان المزارع الامريكي هو اكثر تلقياً للاعانات, حيث يتلقى بشكل متوسط 9500 دولار مقابل 5500 للفلاح الاوروبي. ومن ثم, فان دورة سياتل ستشهد نقاشات واسعة حول نوعية المعونات والاعانات التي يقدمها كل طرف لمزارعيه. وفضلا عن ذلك سيدافع الاوروبيون عن فكرة اساسية مضمنها ان تحرير المبادلات ينبغي ان يترافق باقرار ادوات للضبط كفيلة بالحيلولة دون وقوع ازمات قد تدخل الاقتصاد العالمي في حالة من الركود واللااستقرار, كما حدث خلال الازمة الاسيوية التي امتدت الى دول اخرى كروسيا والبرازيل. لكن الصراع حول هذه الملفات لا يخفي اتفاق الطرفين على مناقشة قضيتين جوهريتين: تتعلق الاولى بالربط المؤسسي بين التجارة وتحسين ظروف العمل. ويعني هذا الامر اعادة النظر في التشريعات التي لا تضمن حقوق مجموعة من الفئات, والتي تعتبرها مصادر للتنافس غير المشروع. وينصب الامر بالاساس على منع تشغيل الاطفال, او عدم تمتع اليد العاملة بكافة الحقوق, ولاسيما التغطية الاجتماعية الكافية, بما فيها من ضمان صحي واجتماعي. اما المسألة الثانية, فترتبط بضرورة ادماج البيئة في العملية الانتاجية. وهو ما يفرض ضرورة القيام باصلاحات لادوات الانتاج حتى لا تظل مصدرا للتلوث. في خضم هذا الصراع بين هاتين المجموعتين الاقتصاديتين اللتين تهيمنان على الجزء الاكبر من الاقتصاد العالمي, يطرح السؤال حول معرفة موقع العالم الثالث, وما هي المواقف التي سندافع عنها خلال هذه الجولة الجديدة من المفاوضات التجارية؟ تحاول مجموعة الدول النامية ألا تبقى مجرد فاعل هامشي. فالعالم الثالث يمثل ثلث التجارة العالمية, واكثر من ذلك, فانه يستوعب خمسة ملايين نسمة. فخلال مؤتمر مراكش الذي عقدته مجموعة ,77 تبنت هذه الاقطار وثيقة تمثل برنامجا موحدا للمواقف التي ستبلورها خلال هذه المفاوضات. وعموما تذهب بعض الدول المنتمية الى هذه المجموعة الى رفض فكرة مباشرة جولة جديدة من المفاوضات. وبالمقابل ترى انه من اللازم القيام بحصيلة لما تم تحقيقه من المشاريع التي تضمنتها الاتفاقية السابقة. وهو الامر الذي لم تقم به المنظمة لحد الساعة. وفي هذا الاطار ترى هذه الدولة ان مجموعة من المواد التي تتخصص فيها دول العالم الثالث لم يتم تحريرها. فعلى سبيل المثال, فان صناعة الملابس مازالت تخضع لنظام التحصيص, ومازالت منتوجاتها تواجه قيودا في الدخول الى اسواق الدول المتقدمة. وفضلا عن ذلك, وبفعل اتفاقية حماية الملكية الادبية, فان دول العالم الثالث ستجد نفسها مضطرة مع بداية سنة 2000 الى اتخاذ اجراءات صارمة لمنع تزييف وتقليد المنتجات. وهو الامر الذي يحول حسب اعتقادها دون نقل التكنولوجيا الضرورية لتحقيق تنميتها. وعلى مستوى اخر, فانه بالرغم من الحديث عن اهمية انماء هذه الدول, ولاسيما الدول الاقل تقدما, وذلك من خلال ادماجها في النسيج الاقتصادي العالمي, فانه لاحظ ان هذه المجموعة التي تضم 48 دولة لا تساهم الا بـ 1% في التجارة العالمية. لذلك, فان دول العالم الثالث تريد ألا تقتصر هذه المفاوضات على مزيد من تحرير المبادلات الذي قد يكون فقط في صالح الدول المتقدمة, بل لابد من الاهتمام بقضايا ادماج الدول المتأخرة في الاقتصادالعالمي. على صعيد اخر, واعتبارا للظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تتم فيها العملية الانتاجية في اغلب دول العالم الثالث, فانها ترفض موقف الولايات المتحدة واوروبا القاضي بالتفاوض حول الشروط الاجتماعية وتأثيرها على التجارة العالمية. وتعتبر ان هذا الامر ليس من اختصاص هذه المنظمة, بل ان هناك منظمة عالمية اخرى تهتم بظروف العمل, ولها الصلاحية في اتخاذ التشريعات اللازمة لتنظيم ذلك, ويتعلق الامر بالمنظمة العالمية للشغل. فهذه المنظمة لها المؤهلات والمعطيات الكافية التي تسمح لها بالتطرق لهذا المجال. ونفس الموقف ينطبق على البعد البيئوي. فالدول النامية, رغم اقتناعها بأهمية البيئة, فان هذه المسألة مازالت لم ترق الى اولوية الاولويات, اعتبارا الى ان هواجس اغلب دول العالم الثالث تتمثل بالاساس في مواجهة التحديات الكبرى المتمثلة في محاربة البطالة, وضمان الحد الادنى للمعيشة للمواطن. واعتبارا لذلك, فان ادراج هذا البعد البيئوي يتطلب امكانيات هائلة لاعادة اصلاح المؤسسات الانتاجية. وهو ما سيرهق كاهلها, ويجعلها اقل تنافسية في مواجهة تلك المنتمية للدول المتقدمة. من هذا المنطلق ترى الدول النامية ان هذه المفاوضات ينبغي ان تمنح لها امكانيات حقيقية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية, وليس فقط مزيدا من تحرير المبادلات, بشكل قد يجعلها عاجزة عن مواجهة المنافسة العالمية. لكن ينبغي الاقرار ان دول العالم الثالث لا تشكل كتلة متراصة. فمن الواضح ان التفاوتات المتعلقة بالتنمية, وبالاندماج في السوق العالمي ستقلص نسبيا من وحدة الموقف الثالثي, وبالتالي قد تدفعها الى القبول بحلول وتسويات قد لا تكون دائما في مصلحة هذه المجموعة. وصفوة القول, فان مفاوضات سياتل التي انطلقت لن تكون سهلة, لاسيما, انه الى جانب هذه المجموعات الاقتصادية ذات المصالح المتباينة, فان هناك فاعلين اخرين يمثلون المجتمع المدني (كالنقابات والمنظمات غير الحكومية) مصرون على اسماع صوتهم, ودعوتهم الى بناء نظام تجاري لا يرتكز فقط على الاعتبارات الاقتصادية, بل ينبغي ان يأخذ بعين الاعتبار المعايير المتعلقة بنوعية الحياة, وكذلك بالمساواة في الاستفادة بفوائد حرية التبادل. فمن الواضح حاليا انه بالرغم من التضحيات التي قدمتها الكثير من الشعوب, فانها لم تستفد من الاستثمارات العالمية المقدرة بـ 16 ملياراً في السنة الماضية قد ذهبت الى ثلاث دول فقط وهي المكسيك والبرازيل والصين. في حين فان الكثير من الدول لم تحصل الا على الفتات. ومن ثم اذا كانت اغلب الدول تدرك انه لا مناص لها من الانخراط في المنظمة العالمية للتجارة كدليل على قبولها بقواعد التبادل الحر, فانها في نفس الوقت تعرف ان ذلك ليس كافيا للتخلص من انياب العولمة والتبادل الحر. * استاذ العلاقات الدولية, جامعة محمد الخامس ـ المغرب