(التجمع مترهل وليس له هيكل يستطيع من خلاله قيادة المعارضة حربا او سلما) .هكذا ضاق الصادق المهدي ذرعا بالتجمع المعارض ككيان جماعي لفصائل المعارضة في الخارج. ضاق ذرعا بتردد محمد عثمان الميرغني رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي, بقدر ما ضاق ذرعا بجون قرنق الذي يتعامل مع (التجمع) وكأنه فرع شمالي للحركة الشعبية لتحرير السودان. وفي هذا السياق يصرح المهدي بقول خطير لم يسمع مثله من قبل على لسان اي قائد من قادة المعارضة. فقد قال ان البعض في التجمع يرى ان الجهة الوحيدة المسموح لها التفاوض مع الحكومة هي الحركة الشعبية لتحرير السودان (حركة قرنق) ومن الواضح ان هذا (البعض) الذي يقصده المهدي هو تحديدا العميد عبد العزيز خالد المتحالف مع قرنق تحت المظلة الامريكية. ولم يوفر المهدي حتى امريكا نفسها... فبعد ان اشار الى المشروع المصري الليبي وكان يتحدث الى صحيفة (الشرق الاوسط) اللندنية ومعارضة الولايات المتحدة له قال: اننا سنعمل من اجل التأثير على الموقف الامريكي وان لم يحدث فاننا سنبذل كل جهودنا لصالح بلادنا بصرف النظر عن مواقف الآخرين. اذن حزم الصادق المهدي موقفه وحسم امره تجاه زئبقية التجمع ومكر قرنق وتآمر واشنطن مراهنا في النهاية على المشروع المصري الليبي. وكأنما اراد بابرامه اتفاق اعلان المبادىء مع الحكومة السودانية بصورة انفرادية ان يضع الجميع امام امر واقع. ان مغزى الاتفاق هو بالضبط ما يعنيه عنوانه حرفيا: مجرد (اعلان مبادىء) وليس اتفاقا على قضايا محددة. هو ان شئت جدول اعمال للنقاط الاساسية التي يجب ان يبدأ منها الحوار الوطني ولوسائل هذا الحوار. وعلى هذا النحو فانه بمثابة (رفع ستار) للدخول الى مؤتمر جامع بين كل القوى السياسية الحكومية والمعارضة للتحاور حول ازمة الوطن السوداني بكل جوانبها لمحاولة الاتفاق على حلول نهائية لها. وعلى هذا الاساس فان (اعلان المبادىء) لا يختلف جوهريا على الاطلاق عن ميثاق اسمرة الذي تبناه التجمع المعارض. فالاعلان مقدمة للدخول الى عملية الحوار برعاية القاهرة وطرابلس في اطار المبادرة المصرية الليبية. ولذا فان الصادق المهدي بابرامه اتفاق (اعلان المبادىء) مع الرئيس البشير يكون قد وضع رفاقه قادة التجمع المعارض الآخرين امام اختبار حقيقي للنوايا. فمن كانت نيته الحقيقية المضمرة هي التوصل الى حلول سياسية نهائية للازمة السودانية بوسائل الحوار السلمي فانه لن يجد في نفسه اي سبب وجيه لمعارضة اعلان مبادىء, اما من كانت نيته المضمرة هي مواصلة تأزيم الازمة اما لارتباطه بأجندة قوة اجنبية كالولايات المتحدة او لاستفادته ماديا من الاتجار بالمعارضة فانه قطعا سوف يرفض اعلان المبادىء انطلاقا من رفضه المطلق الثابت لاي شيء يمكن ان يفضي الى طريق الوفاق القومي. تأسيسا على ذلك فان رفض حركة قرنق للخطوة التي اتخذها الصادق المهدي ليس متوقعا فحسب بل هو مفهوم تماما لان اتفاق جيبوتي يمكن ان يمثل لدى قرنق بداية النهاية لعهد المناورة. لقد درج قرنق على قول شيء في العملية التفاوضية الثنائية بينه وبين ممثلي الحكومة السودانية في اطار (إيجاد) وقول شيء آخر لرفاقه الشماليين في اطار التجمع المعارض. ويطالب في مفاوضات إيجاد بانفصال الجنوب. وما ان تختتم الجولة التفاوضية في نيروبي حتى يهرع الى القاهرة حيث يتحدث الى المصريين عن (وحدة وادي النيل) فقرنق يستغل غياب المعارضة الشمالية ومصر عن (إيجاد) ليتلاعب على قادة المعارضة الشماليين والحكومة السودانية ومصر معا. وبالطبع يدرك قرنق ان المؤتمر القومي الجامع في اطار المبادرة المصرية الليبية الذي يجمع كل الفرقاء قاطبة في صعيد واحد دون استثناء لن يتيح له ممارسة لعبة المناورة على طرف باستغلال غياب طرف آخر. وهكذا نفهم مغزى الامر الواقع الذي استحدثه الصادق المهدي بعد ان حسم امره لكي يرى الناس كيف يحسم الآخرون في المعارضة امرهم.