صحيح أن قمة (التعاون) أقرت موضوع توحيد التعرفة الجمركية بعد تأخير سنوات هي عملياً من عمر مجلس التعاون لدول الخليج العربية, حيث ظلت التعرفة باستمرار قاب قوسين أو أدنى ومع ذلك كانت تنأى بنفسها عن اتفاق كل قمة خليجية, غير أن الأصح هو أن قمة الرياض التي انعقدت هذا الاسبوع قد نجحت في الوصول الى اتفاق يقضي بتطبيق التعرفة بعد خمس سنين, بدلاً من عام واحد كما كان الاتفاق السابق الذي يقضي ببدء تطبيقها عام 2001. وهكذا فإن المجلس يأبى إلا أن يستمر في سياسة الخطوة خطوة وسياسة النفس الطويل رغم سرعة المتغيرات الاقتصادية والتحديات السياسية, والمطالبة بسرعة الاستجابة لها عبر سياسات اقتصادية جديدة, منها اقامة المنطقة الجمركية الموحدة, لولا أن هذه الاستجابة ظلت على الدوام أبطأ من الآمال, وحركة التجديد ظلت أقل من الأحلام. طبعاً الاتفاق حول تعرفة موحدة هو انجاز بكل المقاييس تأخر كثيراً, وكان ينبغي أن يتم قبل سنوات من الآن, ومع ذلك فان تصل متأخراً خير من ألا تصل أبداً, فنثمن عالياً هذا الاتفاق التاريخي للمجلس الذي نأمل أن يرى النور فيطبق ولو بعد خمس سنين من الآن, فلا تتم عرقلته لأسباب اخرى مما يمكن أن تخفيها هذه المدة الزمنية, فالتحولات كبيرة وسريعة, وهي في سرعتها وحجمها تؤدي الى الاقلال من شأن الكثير من الاتفاقيات الاقتصادية وغيرها. والتحدي الأساسي الذي يواجه مجلس التعاون تحديداً في هذا المجال هو تحدي اتفاقية منظمة التجارة الدولية والمعروفة بـ (الجات) والتي تلغي القيود والحدود التجارية بما فيها الجمركية بين الدول, وتحدي التكتلات الاقتصادية التي تتفق فيما بينها على مواجهة المتغيرات بشكل جماعي, ما يعني أن أي خطوة تزيد من تلاحم دولنا وتقرب مصالحها المشتركة عبر أطر واتفاقيات, يقربها خطوات كبيرة نحو مواجهة هذه التحديات وغيرها بقوة أكبر وباقتدار وبثقة أعلى في النفس والقدرات والامكانيات. ولا بد أن مجلس التعاون يشعر بمثل هذه التحديات التي تفرض نوعاً من القلق الكبير, وهو ما عبرت عنه خلال الدورات الثلاث السابقة على الأقل خطب وكلمات لكل من الملك فهد وصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان ومؤخراً سمو الأمير عبدالله بن عبدالعزيز الذي طالب بتفعيل وتطوير هياكل ولوائح المجلس للدخول في عصر العولمة, كما عبر عن ذلك خير تعبير البيان الختامي للقمة الأخيرة التي اختتمت أعمالها في الرياض قبل يومين. طبعاً هذا القلق المشروع يتطلب من المجلس سرعة اتخاذ بعض القرارات علاوة على سرعة الاستجابة لتفعيل أطر التعاون أكثر مما هي عليه الآن, اذ لا يعقل كمثال ألا يتم الاتفاق على اقرار مبادئ جواز السفر الموحد, فنكتفي بدلاً عنه بالاتفاقيات الثنائية للتنقل بالبطاقة, وغيرها عشرات من الخطوات التي ظلت الى اليوم مجرد كلمات لا تتجاوز حسن النوايا إلى الفعل الحقيقي, مما قد لا يحقق طموحات أبناء المجلس, وهم يرون أن المنجزات ليست بحجم التحديات ولا بحجم العوامل المشتركة والموحدة بين دول المجلس, من عوامل الجغرافيا الى التاريخ فالدين واللغة والمصير. مع ذلك فان التمسك من قبل أبناء المجلس بهذا الكيان الاقتصادي والسياسي المشترك يزداد عاماً بعد اخر حتى وانجازاته أقل مما هو مأمول, كتوحيد السياسات الخارجية والاقتصادية والنفطية وغيرها, وذلك لأن المجلس كفكرة وآمال عريضة أثبت أهمية وجوده في أحلك الظروف التي مرت بها المنطقة, فلا يبقى عليه سوى اثبات وجوده في الظروف الأفضل والأحسن, ذلك لأن تحديات أوقات السلم والرخاء غير منظورة, بالمقارنة مع تحديات أوقات الأزمات والمخاطر, فيما التحديات تبقى واحدة والمخاطر لا تختلف لولا أنها في الحرب تطل بأنيابها وفي السلم تختفي أنيابها خلف الابتسامات البراقة.