التعريب في الجزائر وصراع الكيانات بتخطيط أجنبي،بقلم محمد جربوعة

يعد موضوع التعريب من المواضيع الشائكة في الجزائر, ذلك لان فيه تقاطعات مصلحية سياسية وثقافية كثيرة, يذهب بعضها الى حد اثبات الوجود عبر ترسيخ هوية وثقافة متميزة وقد كانت مسيرة التعريب مسيرة صراع مرير بين دعاته والواقفين في وجهه على اختلاف مشاربهم وتعدد اتجاهاتهم . ان المسألة خطيرة ويظهر فيها الظهير البربري بوضوح كمواجه طويل النفس يتزايد خطره ليلة بعد ليلة. وحيث اقول الظهير البربري فإنني لا اقصد البربر كجزء من الشعب الجزائري عاش قرونا متمتعا ومستمرئا ثقافته العربية الاسلامية, بل اقصد الامازيغية كحركة قائمة على تنفيذ مشروع انفصالي رهيب يعتبره الكثير من المؤرخين والمحللين نتاج بذرة تفتيتية تركها الاستعمار الفرنسي وراءه, بعد ان كان رعاها طوال عقود من تواجده. ان معركة التعريب تبقى معركة بين شعب بأكمله, وبين اقلية لها حظوة سلطوية ودعم خارجي يمثل مرجعيتها الفكرية والثقافية, مما يجعل مواجهة التعريب مؤامرة اجنبية ليست الا. شيء من التأريخ عرفت الجزائر لغة العرب مع الفتوحات الاسلامية التي قادها في المنطقة عقبة بن نافع وابو المهاجر دينار وغيرهما, ثم ازدادت اتصالا وامتزاجا بها بعد استيطان القبائل الهلالية القادمة من الجزيرة العربية بعد مرورها بصعيد مصر, وذلك في عهد (المعز لدين الله الفاطمي) . وقد كان لتواجد هذا العنصر العربي دور بارز ليس فقط في تشكيل التضاريس الاثنية واللغوية للبلاد بل وايضا في تذويب الكثير من النتوءات العرقية واللغوية الاخرى, فيما يسميه البعض (الاستعراب) . فللغة العربية في الجزائر اذن مرجعية تاريخية مرتبطة بالدين, ولذا كانت لهذه اللغة قداستها المستمدة من قداسة الاسلام, وقد ساعد هذا الامر في المحافظة عى وحدة اللغة, خاصة اذا عرفنا ان التشكيل الديني عند مجموع السكان لايخرج في مجموعه عن الاسلام. لقد كان الفتح الاول للطمس (670 ـ 800م) خطا فاصلا بين انتمائين للجزائر. يقول محمد اركون: ان المؤرخين المغاريين الحاليين يقبلون الحديث بالبربر حينما يتعلق الامر باستحضار (مقاومة الاستعمار الروماني) لكن الكلمة تترك المكان فجأة لـ (العرب) مع الفتح الاول. وقد كانت الحقبة الممتدة بطولها بين الفتح الاسلامي ومنتصف القرن التاسع عشر حقبة انسجام وتوحد تامين بين العرب والبربر. ولم تظهر انذاك افكار التميز اللغوي والثقافي التي تشهدها الجزائر اليوم كمشروع لما سمي بالحركة الامازيغية. يقول روبرتس: ان العرب والبربر لاينتسبون فقط الى الاسلام بل يمارسونه وفق مذهب واحد, المذهب السني المالكي, ان الثقافة العربية المعترف بها ادبيا وعالميا لاتمثل عربة للاسلام كدين في حد ذاته, ولكنها حاملة للانجازات العلمية والادبية للماضي المجيد والنهضة الحديثة للعالم العربي. وغياب الوعي بهوية مستقلة لدى البربر له جذوره في فترة ماقبل الاسلام حيث ان التوزيع الجغرافي للجماعات البربرية, وعدم وجود لغة مكتوبة لديهم, واعتمادهم على الهجرة الذكرية المؤقتة الى المدن كل هذه الاشياء مجتمعة تفسر غياب وجود وعي بربري مخالف او معاد لقضايا واولويات الحس الوطني العربي. وقد بدأت ازمة الخيار اللغوية في الجزائر مع تطبيق فكرة الدمج الاستعماري وهي الفكرة التي قامت على ابعاد وخلق فواصل تمييزية بين المكونات السكانية الجزائرية. وهي السياسة التي ظهر التخلي الفرنسي عنها في زيارة الجنرال (ديجول) للجزائر في يونيو 1958 مع بداية التفكير في اعطاء الجزائريين حق تقرير المصير. اذن فقد لزمت عملية الطمس الثقافي للهوية العربية للجزائر المسيرة الاستعمارية الفرنسية للبلد, وليس غريبا ان تظهر في حقبة امتدت قرنا واثنتين وثلاثين سنة 1830ـ 1962 تشوهات لغوية, بعضها سطحي وبعضها الاخر متجذر في شكل انفصالي تفتيتي متصل بنزاع الجنسية. فقد عمل الاستعمار طوال عقود تواجده في الجزائر على منع التعليم باللغة العربية, وظهرت في مواجهة قراره هذا جهود لعل من ابرزها جهود (جمعية العلماء المسلمين) برئاسة العلامة الشيخ (عبدالحميد بن باديس) ومعه نائب ثم من بعده رئيسا الشيخ محمد البشر الابراهيمي فقد كان لاقامتهما للمدارس والمعاهد ( الاصلية) ولاصدار الجرائد العربية كالمنتقد, الشهاب, البصائر, دور فعال في الحفاظ على الهوية الجزائرية التي كان (ابن باديس) يجمعها في قوله: شعب الجزائر مسلم والى العروبة ينتسب ورغم هذا التدافع بين المشروع التغريبي للاستعمار ومشروع المحافظة على اللغة العربية, فقد ظهرت تشوهات سطحية كنتيجة للدراسة الاكاديمية وانضمام اكثر من جيل جزائري الى المدارس الفرنسية. ومن الملاحظات الاساسية ان هذا التشوه قد مس نسبة كبيرة ان لم نقل كل الشعب الجزائري, وقد عبر عنه بعضهم (بالفرانكوفونية) وهو مصطلح لايدل بالضرورة على ازدواجية الثقافة بل على الواقع اللغوي في الجزائر لما بعد الاستقلال, وهو واقع الخلط بين الفرنسية والعربية في اللهجة العامية, او التمكن من الفرنسية واستعمالها عموما استعمالا يربو على استعمال العربية. ولايشكل هذا الصنف من التشوه حاجزا امام عملية التعريب لكونه كما اسلفنا تشوها مفروضا لم يمس جوهر الثقافة فهو مجرد (منفى) . اما التشوه المتجدد فيمثله كون الاستعمار ادرك ان عملية الدمج التي مارسها لايمكن ان تطمس ثقافة ولغة شعب بأكمله ولذلك حاول تقسيم هذا الشعب بتفتيته وفق سياسة (فرق تسد) للتمكن من ايجاد ظهير لايمثل بالضرورة مجموعة الشعب بل بعض مكوناته. وبذلك بدأت عملية استقطاب القبائل البربرية للثقافة الفرنسية, وتركزت جهوده على قبائل (تيزي وزو, وبجاية.) . وعملا بسياسة الادماج التي اعتمدها المستعمر في الجزائر منذ منتصف القرن التاسع عشر فإن اول تقنية تفريقية استعملها الفرنسيون في الجزائر تمثلت في البدء بتغيير صورة كل جماعة عرقية عن نفسها, وصورة كل جماعة بالنسبة للجماعات الاخرى, وبموجب هذه التقنية انتقت فرنسا القبائل لصغر عددها وسهولة الوصول الى موطنها الجغرافي, كجماعات تستميل افرادها بتمييزهم عن العرب والفرق البربرية الاخرى, وذلك باعطائهم عناية خاصة في عملية ادماجهم واذابتهم في الثقافة الغازية. وفي سبيل بلوغ هذا الهدف كان لزاما على المستعمر تشويه صورة كل مايتعلق بالثقافة العربية وكل ماهو عربي, لذا فإن الانثولوجيين الفرنسيين قد ركزوا على اقامة تصنيفات تحقيرية نسبت بموجبها العرب الى مكانه اجتماعية دونية واعتبار ذاتي منحط وفي المقابل اعطت القبائل مكانة اجتماعية واعتبارا ذاتيا عالميا. وقد ساهم الكثير من الجمعيات الفرنسية في ارساء هذه الخطة في منطقة القبائل الكبرى, كجمعية الآباء البيض وجمعية الاخوات البيض وغيرهما. وقد ولد كل هذا الاهتمام الطمسي اللغوي والثقافي المركز على هذه القبائل نتوءا في تضاريس وحدة الثقافة الجزائرية, اذ ان ذلك لم يأت من فراغ فقد عمل الفرنسيون على ملامسة الجرح واحياء الاصول والتواريخ والمرجعيات القديمة للفئات المشكلة لسكان الجزائر, والنفخ في كل ذلك وتفخيخه لاحالته الى برميل بارود ينذر بالانفجار في كل وقت. وقد لعب هذا التشوه دورا خطيرا فيما بعد في مواجهة قرارات وتوجهات التعريب. مصطلح مغلوط وحينما نقول (التعريب) فإن معنى ذلك ان الاسقاط والتطبيق يكون على ميدان وواقع (غير عربي) والمصطلح حادث في اطار ترسبي تراكمي تاريخي, فلم يكن بالامكان استعماله قبل الاستعمار الفرنسي للجزائر. فإذا ما جئنا الى ما بعد الاستقلال وقلنا التعريب فإن المعنى ينسحب مباشرة الى تغيير الواقع (الفرانكوفوني) الذي تخضع له الحياة الترسمية والعامة. فلم تشهد الحكومة المؤقتة برئاسة (يوسف بن خدة) ولا حكومة (بن بلة) من الاستقرار وتجاوز حزازات افرازات الثورة, ما يؤهلها للاهتمام بقضية التعريب, ولذا كانت الانطلاقة الفعلية لعملية التعريب في الجزائر تأخذ بدايتها من بداية حكم ومجيء الرئيس (هواري بومدين) سنة ,1960 اذ تعهد بـ(تأميم كل مصادر الثروة الطبيعية والاعلان عن الثورة الثقافية عن طريق التعريب الشامل) . وكانت كلمة التعريب الشامل اول امتحان للتركيبة الثقافية لما بعد الاستعمار, فقد طفا على السطح تيار بربري ثقافي قائم على المواجهة لهذه الكلمة (التعريب) . وقد ظهر ذلك جلياً خلال او بعد تطبيق خطوات تعريبية, كتعريب السنة الثانية الابتدائية سنة 1977م وتعريب نظام العدالة في 1971 وعقد مؤتمر التعريب سنة 1975. لقد كانت التركيبة الادارية الجزائرية مكونة من نسبة كبيرة من خريجي المدارس الفرنسية في منطقة القبائل خاصة ورغم ذلك فقد كان التعريب لا يعني عند هؤلاء المساس بالوظيفة والمنصب, بقدر ما كان يعني القضاء على مكتسبات ثقافية مرتبطة بفرنسا تؤسس عبر التميز والابقاء عليها وتجذيرها للانفصال, وهذا لا ينفي في درجة ثانية التمسك بمكسب الانتشار الواسع لهم في الادارة, والوظيفة عموماً. فمع الاستقلال سنة 1962م وفي الوقت الذي كان فيه المواطنون يعانون من الامية والقصور الثقافي, كان المثقفون من القبائل قد استولوا على 100 ألف وظيفة يشغلها الفرنسيون, ومن عهد بومدين الى اقرار التعددية لم يكن كبار المسئولين الامازيغيين المتواجدين في السلطة يجرؤون على اعلان معارضتهم والجهر بها, لكون ذلك لم يكن معارضة سياسية محدودة بل خيانة للقضية الوطنية تعزى مباشرة الى تدبير وتحريك جهات اجنبية. العنصر البربري يتكون العنصر البربري في الجزائر من مجموعات عدة اهمها: 1) القبائل: الذين يتركزون في مناطق محددة من البلاد وهي بجاية وتيزي وزو, مع وجود اقليات لهم في المحور الممتد من سطيف الى العاصمة (الجزائر) ويضم هذا المحور كلاً من (سطيف, برج بوعريريج, البويرة, العاصمة) , وهم يتكلمون اللهجة الامازيغية (القبائلية) التي كانت الى زمن قريب غير مكتوبة, وهي المجموعة التي استطاعت فرنسا ان تؤثر فيها ثقافياً, لذلك نجدها اليوم رافعة راية الانفصال والتميز الثقافي. 2) الشاوية, ويتمركزون حول جبال الاوراس التي انطلقت منها الثورة التحريرية الكبرى في 1954م ضمن ولايات: باتنة, ام البواقين, خنشلة, تبسة, والجهة الجنوبية من سطيف ويتكلمون اللهجة الشاوية. ويحاول القبائل استمالتهم الى مشروعهم لكن رغم ذلك يبدي الشاوية تمسكاً قوياً بالثقافة والوحدة الوطنية, ومنهم اليامين زروال الرئيس السابق. ولم يشهد التاريخ مواجهة للتعريب او للثقافة العربية من طرف الشاوية اللهم الا المواجهة الاولى التي قادتها حاكمتهم (الكاهنة) وقائدهم (كسيلة) ضد الفاتحين. 3) الطوارق: يتركزون في اقاصي الجنوب الجزائري, وهم جزء من قبيلة الطوارق الكبرى الموزعة بين الجزائر, ليبيا, مالي.. ويتكلمون اللهجة الطوارقية, وهم بعيدون عن المشروع السياسي الامازيغي لاهتمامهم بالوحدة الطوارقية واقامة امبراطوريتهم الحلم. 4) الشلعية: ويتركزون في مناطق متفرقة كتيبازة, ومدن الشريط المحاذي للمغرب كمغنية, ويتكلمون اللهجة الشلحية ولهم امتدادات عائلية اصلية في المغرب الاقصى. اما ما دون هذه الجماعات فلا يكاد يظهر او يذكر. 56) بني ميزاب: وهم يستوطنون الجنوب الجزائري وغرداية وما جاورها. الحركة البربرية لا نقصد بالحركة البربرية العنصر البربري, بل نقصد فكرة المشروع القائم على التميز عن الثقافة الوطنية بتأكيد الهوية الامازيغية, ويرجع بعضهم بداية ظهور هذه الحركة الى سنة 1939م داخل (حزب الشعب الجزائري P.P.A وكان ذلك بعد الاحساس بخطر دعوة وافكار البربري الداعي الى العربية (عبدالحميد بن باديس) . وقد حاول هؤلاء الاعضاء تغيير ارضية الحزب المبنية على عروبة الجزائر, فكان مآلهم الطرد وبعد الاستقلال ظهر (آيت احمد) وهو من مفجري الثورة (31) ومن الخمسة الذين اختطفتهم فرنسا على متن طائرة كانت تقلهم من المغرب عام 1957 وكان قد ترأس البرلمان الاول للدولة الجزائرية بعد الاستقلال غير انه التحق بالمعارضة سنة 1963 واسس (جبهة القوى الاشتراكية F.FS. الامر الذي ادى الى الحكم عليه بالاعدام في عهد (احمد بن بلة) لكنه فر من الزنزانة سنة 1975 متوجهاً الى سويسرا التي بقي فيها الى ان اقرت التعددية في البلاد. ويرى (آيت احمد) ان اللغة الامازيغية من اقدم اللغات المتوسطية التي بقيت محافظة على بقائها وابجديتها (التيفانا) ويبدو هذا الاخير معارضا سياسياً بالدرجة الاولى واقل تعصباً للمشروع الانفصالي, واشد تمسكاً بالوحدة الوطنية غير ان (جبهة القوى الاشتراكية) كانت مدرسة تخرج منها فيما بعد اكبر دعاة الامازيغية ومنهم (سعيد سعدي) الذي انشق عن الجبهة واسس في فبراير 1989 حزبه:(التجمع من اجل الثقافة والديمقراطية) (R.C.D), وهو التجمع الذي استطاع ان ينظم مقاطعة كبيرة لتلاميذ المناطق القبائلية للدراسة في بداية السنة الدراسية 94 ـ 1995 وهي المقاطعة التي لم تتوقف الا بعد اصدار الحكومة لقرار تدخل بموجبه الامازيغية في المناهج الدراسية. والى جانب خدمة التكتلات السياسية الامازيغية للمشروع الامازيغي, فقد تكونت هيئات ومنظمات همها الاول والاخير الدفع بعجلة (الامزغة) الى الامام. يقول روبرتس:(خلال اواخر الستينيات وبداية السبعينيات فإن النزعة البربرية اقتصرت اساساً على جماعة مثقفة محددة, معظم افرادها قاطنون في فرنسا وخصوصاً في باريس, حيث تواجدت جماعة ضغط بربرية لوقت طويل سمت نفسها (الاكاديمية البربرية) كما تكونت في سنة 1973 (جماعة الدراسات البريرية) في جامعة باريس الثامنة وبدأت تنشر نشرة الدراسات البربرية ذات الطابع الثقافي عوضاً عن الطابع المعادي للسياسة. وفي 1978 بدأت جماعة اكثر مشاغبة هي (اتحاد الشعب الامازيغي) تنشر مجلة سياسية تحت عنوان (الرابطة) والنقاط الأساسية لبرنامجها ثلاث هي: 1) معارضة التعريب القسري. 2) المطالبة بالاعتراف الرسمي باللهجة القبائلية كلغة او على الأقل كلغة اختيارية في القبائل. 3) المطالبة بالديمقراطية ذات الطابع الغربي. وقد لعبت الحركة الثقافية البريرية دوراً ممتداً الى اليوم في الصراع وكان لها حضور قوي في سنوات الصراع الدموي في الجزائر ومنها انبثقت الحركة المسلحة البربرية التي اعلنت عن نفسها بعد مقتل المغني البربري (معطوب الوناس) الذي ارتبط بحسابات سياسية ثقافية من أهمها تطبيق قانون التعريب في عهد الرئيس اليامين زروال. وقد حاول الرئيس الاسبق (الشاذلي بن جديد) الوقوف في وجه المد البربري في اول توليه مقاليد السلطة بعد وفاة (الهواري بو مدين) خاصة في مواجهة احداث ما سمي آنذاك (كاب سيغلي ـ Cap.Sigle) والتي كان من افرازاتها الحملة الواسعة لتصفية الجيش, وما واكب ذلك من استنفار لقوات الجيش الوطني للمحافظة على الامن خاصة في جبال تيزي وزو, الاخضرية (باليسترو). المشروع الامازيغي بنظرة عجلى الى مسيرة المشروع الامازيغي يظهر تزايد قوته ومكاسبه عاما بعد عام, فمن اللاشيء, الى الحركة السرية الى الخروج الى الشارع عبر مظاهرات, الى تكوين هيئات واحزاب معترف بها وطنيا, الى دخول الامازيغية مجال التعليم ( في منطقة القبائل), والاعلام (النشرات الاخبارية بالامازيغية) الى اتخاذ الرئيس الاسبق محمد بوضياف عام 1993 قرارا بتأجيل الزامية العربية الى ادخال مصطلح الامازيغية لاول مرة منذ الاستقلال في (الميثاق الوطني لسنة 1986) في عهد الشاذلي بن جديد, كأحد العناصر الثقافية المكونة للهوية الجزائرية, الى الاعلان عن حركة مسلحة بربرية اثر مقتل معطوب الوناس المغني القبائلي. ويظهر من هذا ان المشروع الامازيغي يتقدم بخطوات مذهلة في انكماش المشروع الثقافي الوطني, كما ان هذا التجرؤ للكيان الوطني يقوم على المساس بالوحدة الوطنية. ولم يتوقف الامر عند هذا فعند التحليل للظاهرة يظهر خطرها على الامن القومي اذ ان ولاءات الظهير البربري لفرنسا وآنذاك فهناك اختراق للأمن القومي الممتد عبر الوطن العربي, مما يجعل من الحركة البربرية جيبا خطيرا, ليست في كيان الجزائر فقط بل وفي الكيان العربي عموما, خاصة اذا عرفنا ان هناك ما يسمى (بالمؤتمر العالمي للامازيغية) . وهي منظمة غير حكومية قائمة على حلم الكيان البربري وهو الذي رعى عدة مؤتمرات تعبوية في كل من (باريس) وجزر كناريا الاسبانية ويقف وراء هذا المؤتمر المغربي (احمد الدغرين) مما يظهر ان الحركة الامازيغية في الجزائر ليست حركة محلية بل هي جزء من كيان اكبر من ذلك. وفي الوقت الذي اصبحت فيه الاقليات تمثل تهديدا وخطرا على الاوطان التي تعيش فيها, خاصة اذا كانت هذه الاقليات ذات صلات وولاءات لدول غربية, اذ ان سوابق (الناتو) قد اظهرت انه بالامكان الوصول حتى الى التدخل العسكري في مثل هذه الحالات خاصة اذا كان بطلب من هذه الاقليات. وبين الولاءات لدول شمال المتوسط والتواجد الفعلي بقلب العالم العربي, يتعين على الجزائر كجزء من الوطن العربي, مواجهة ذلك بتقوية اواصرها بالمنظومة العربية حتى تجسيد الوحدة لئلا يحدث اختراق. الفرانكوفونيون والامازيغ يلتقي الفرانكو فونيون واصحاب المشروع الامازيغي في مواجهة التعريب في الجزائر, وقد كانت (الجماعة الفرانكوفونية) مؤيدة على الدوام للمطالب البربرية ظنا منها انها تستخدم البربر في معركتها ضد المتعربين, مما ينبىء ان الحرب ضد العربية في الجزائر تلتقي على نقطة (الفرنسية) . تقول الباحثة الفرنسية (جان فارفي) هذه اللغة (القبائلية) ثانوية ولايمكنها ان تحول دون اندماج القبائل في كيان ثقافي عربي اسلامي, واذا كانت المعارضة القبائلية معادية لتعريب التعليم والادارة حاليا, فهذا يعني انها لاتريد تأصيل هذه المؤسسات وتعريبها لان الفرنسية هي لغة المجتمع الصناعي وليست لانها تريد مكانة مساوية لمكانة الامازيغية. غير اننا حينما نقول الفرانكوفونية فاننا لانقصد بها تلك الاقلية النخبوية الناطقة بالفرنسية والمتمركزة في المجالات والميادين الحساسة, من جيش واعلام وادارة, ومناصب دبلوماسية راقية, بل نقصد بها مجموع من يتكلم الفرنسية في شتى طبقات المجتمع. وليس بالضرورة ان يكون كل هؤلاء معادون للتعريب, ولذلك فإن العصر يقتضي منا استعمال كلمة اخرى ادق وهي (الفرانكوفيلية) , ونقصد بها تمثل الثقافة الفرنسية عموما, لامجرد النطق الذي قد يكون مفروضا او واقعا لامناص منه كأثر من آثار الاستعمار. والملاحظ ان (الفرانكوفيلية) كامتداد شعبي مؤثر لم تعد لها تلك القوة التي يمكن ان تؤثر بها على مجرى الاحداث شعبيا اما عن طريق الاستفتاء او المظاهرة والاضراب ووسائل الضغط الشعبي الاخرى المعروفة, ولذلك اقتصر تواجدها على نخبة كثيرا ماتحتاج الى الشارع فتضطر الى تحريك الشارع الامازيغي عبر افتعال حدث يكون بمثابة الشرارة او عبر التنسيق مع النخبة الامازيغية. التعريب بين القرار والتطبيق عشية الاستقلال تبنى (المجلس الوطني للثورة الجزائرية) مسألة (التعريب) في (برنامج طرابلس) الذي جاء فيه حرفيا (تمكين اللغة العربية في ظل الاستقلال من استعادة مكانتها كلغة ثقافة وحضارة وعمل) . اما في الدستور الجزائري لعام 1963 فنجد ان العربية (لغة عمل الدولة الجزائرية المستقلة) . ثم اقرت السلطة الجزائرية مشروع تعريب الادارة في عهد احمد بن بلة وظل المشروع حبيس الادراج, وجاء عام 1971 فاصدر هواري بومدين قراره بجعل تلك السنة (سنة حسم) لتعريب الادارة العمومية, وكان للفرنكوفونية, آنذاك من القوة في الدوائر الحكومية عبر العلاقات التجارية والاقتصادية مع فرنسا ما اهلها لافشال المشروع. بعد ذلك وفي دستور 1976 جاء عن اللغة العربية انها (اللغة الوطنية الرسمية) . ثم كونت لجنة باسم اللجنة الوطنية للتعريب التابعة لحزب (جبهة التحرير الوطني) (f. l. n) برئاسة عبد القادر حجار لمتابعة عملية التعريب ومراقبتها وتوجيهها. وفي مطلع عام 1991 صادق (المجلس الشعبي الوطني) على قانون يقضي بتحديد يوم 5 يوليو 1993 كآخر موعد لاستكمال تعميم استعمال اللغة العربية في الادارة, وقبل الموعد بيوم اي في 4 يوليو 1993 اصدر الرئيس علي كافي) مرسوما يقضي بتجميد القانون الى حيث توفر الشروط الضرورية للتطبيق) حسب المبرر المذكور آنذاك. في ديسمبر عام 1997 حدد (المجلس الوطني الانتقالي) يوم 5 يوليو 1998 موعدا آخر لاستكمال تعميم التعريب وجاء الاجهاض هذه المرة باغتيال معطوب الوناس وما انجزه عنه وما انتهى اليه من تجميد محتشم تحت اسم (التطبيق المتدرج) يتضح من هذا كله ان مسيرة التعريب في الجزائر كانت تتأرجح بين الموقف الرسمي المؤيد بالقرار وبين المواقف المعادية اما تلك الفرنكوفونية المتواجدة في مراكز الضغط او تلك المتبنية للمشروع الامازيغي. لكن يبقى الموقف الرسمي المتمثل في الهيئات التشرعية دليلا على عروبة التوجه العام للشعب والدولة, وعلى حسن النية ازاء التعريب. كما تبقى عمليات الاجهاض دليلا على ان الاقليات والنخب الفرنكو امازيغية لها من القوة النخبوية مايؤهلها للتلسط على قرار امة بأكملها. باحث واعلامي جزائري مقيم بدمشق

طباعة Email
تعليقات

تعليقات