أمريكا .. القطب الأوحد الذى يحكم العالم منفردا .. وفى يده سيف المعز وذهبه .. يحلو لها دائما أن تتكلم باسم العدالة وأن تصوغ أفعالها باسم الدفاع عن الضعفاء ونصرة الديمقراطية ونجدة الشعوب المهضومة وحقوق الإنسان الضائعة .. ولكنا نرى التحيز والكيل بمكيالين والنظر بالعين الحمراء لواحد والتغاضي عن فظاعة وإجرام الآخر .. أحيانا بدرجة فاضحة .. فهي تثور وتهدد إندونيسيا من أجل أن ترفع يدها وتطلق سراح شعب تيمور الشرقية (ذا الأغلبية المسيحية) المحتل من عشرين سنة وتتعامى تماما عما تفعله إسرائيل فى الشعب الفلسطيني المسلم من إذلال وطرد وإبادة ونهب للأرض منذ مائة سنة .. وتتعامى عن جيش روسي جرار يمطر شعب الشيشان المسلم بالصواريخ ويدك بنيانه بالطائرات ويقتل المدنيين الأبرياء بالآلاف وتكتفي بلفت نظر لطيف خفيف .. وتقول مادلين أولبريت انها تنظر إلى روسيا نظرتها الى صديق تعتز بصداقته .. يا سلام .. ترى لو ألقى الفلسطينيون قنبلة واحدة على اسرائيل أكانت تعلق بمثل هذا اللطف وتشيد بالصداقة بكل هذه الدماثة والدم الخفيف والفلسطينيون عندهم عذرهم بعد إذلال وتجويع وطرد وقتل لمائة سنة .. مستحيل طبعا.. فالعدالة المزعومة التي تحكم بها هى عدالة عمياء لا ترى الا المصالح التي تهمها .. وعين أمريكا الآن على بترول بحر قزوين وعلى تأمين خطوط نقله وتريد إسكات هذا الشغب الذى تقوم به الشيشان وترى أن ما تفعله روسيا فى مصلحتها وأن ما تقوم به الآله الروسية الجهنمية بإبادة المسلمين سوف يعفيها من أعباء ثقيلة .. وتفضل اولبرايت أن يقوم بهذه العملية القذرة الأصدقاء الروس .. وهى تشيد بهذه الصداقة ولا شك فهى تعفيها من أمثال هذه المهمات. وأين العدالة الأمريكية فى تجويع الشعب العراقي وإذلاله وتدمير ثرواته وهدم مدنه وقتل أطفاله ومطاردته بالعقوبات وبالجواسيس وبأمثال المفتش بتلر الذى يختلق له كل يوم تهمة جديدة. إنه البترول مرة أخرى .. وهو البترول العراقي هذه المرة المطلوب أن يظل تحت التسعير الجبري إلى ما شاء الله. إنها المصالح حينما ترتدي ثياب العدالة والمظالم حينما تأخذ شكل الضرورات السياسية. وما دامت أمريكا هي أقوى الكل .. فمن يقف أمامها. ومن يسائلها وفي يدها سيف المعز وذهبه ودفتر الهبات والمعونات. أما صدام فقد استعملته أمريكا بما يكفي وجاء وقت الخلاص منه .. فلا مانع من ان تحرك المعارضة العراقية وتعاونها بالمال والسلاح .. ليكون القضاء على صدام فى صورة ديمقراطية مقبولة وفى شكل تصفيات يقوم بها أصحابها وأهلها دون أن تلوث يدها أو يشوب ضميرها شائبة .. وكلما اختلف الورثة على حكم العراق واقتتلوا كلما كانت القلاقل والخلافات فى صالحها فالمطلوب أن يظل العراق ضعيفا وتابعا. واسرائيل ولا شك ستكون أسعد الناس بمحو العراق من خريطة القوى الفاعلة فى المنطقة فمعناها أنه لن يظهر (بختنصر) جديد ولن يتكرر السبي البابلي في تاريخ اسرائيل كما حدث فى القديم. وإسقاط الفاعلية العراقية سوف يخلص إسرائيل من صداع يؤرقها وسوف يطلق يدها باطمئنان أكثر وبحرية أكثر لتفسد في المنطقة كما تريد .. فلن يبقى من العرب إلا أهل السياسة والكياسة والقمة العربية العاجزة وهي وإن اجتمعت لن يخرج منها الا تصريحات وشعارات وخطب بليغة وقرارات لها طنين ورنين ولكنها لا تغير شيئا. هكذا تفكر إسرائيل .. وهكذا يفكر الأمريكان. وهكذا يبدو الأمر فى الظاهر من واقع الأوراق التي فى ايدي اللاعبين المشتركين في لعبة الشرق الأوسط .. (الولد يقش) . والولد الذكي هو (باراك) ومن ورائه بيريز ودهاقنة السياسة والمكر فى إسرائيل. فهل يصدق عليهم إبليس ظنه. وهل تصدق البروتوكولات؟!! وهل تتحقق آمال الصهاينة؟!! لا أظن. فرغم أن هذا ما يبدو من واقع الأوراق التي فى أيدي اللاعبين الجالسين حول المائدة .. أن إسرائيل هى الفائزة فى اللعبة لا محالة. إلا أن هناك (جوكر) غير محسوب اسمه (الغيب) فى الأعماق الإيمانية لكل مسلم .. فالمستقبل لا يمكن التنبؤ به على وجه التمام والكمال وانما تظل هناك مساحة مجهولة لا يعلمها الا عالم الغيب. ولهذا ينتهي لاعب القمار الى الإفلاس والخراب ويطلق الرصاص على رأسه رغم ذكائه ويفاجأ بما لا يحتسب. والمستقبل أكثر غموضا من لعبة الكارت بما لا يقاس. ولم يظهر العقل الذي يحيط بالمستقبل .. ولا الآلة التى تتنبأ به. (ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا .. ولا تعلم نفس بأي أرض تموت) . وسيظل هذا التحدى الإلهي إلى الساعة. وسينطبق هذا التحدى على دهاقنة إسرائيل وعلى كتاب البروتوكولات وعلى كل من يخطط لدمار العالم ويتصور أن خطته لن تخيب .. ففوق كل ذي علم عليم .. وخطة الماضي والحاضر و المستقبل في يد صانع الزمان وحده وهو يمضي بها الى حيث يريد هو .. لا الى حيث نتمنى نحن. ويستوي فى ذلك كلام المسلمين عن المهدي المنتظر وكلام النصارى عن (هرمجدون) وكلام شعب إسرائيل عن ملك اليهود .. المسيح الحقيقي .. النازل من السماء ليقودهم الى منصة الرياسة ومقعد الصدق ليدينوا العالم كله. أحلام .. كلها أحلام وأمان. ولن يفوز بمقعد الصدق الا مقاتل من أهل الصدق من أهل لا اله الا الله .. الله أعلم به .. من هو ومتى يأتي .. وكيف يأتي. ولن نعلم أنه مهدي الا حينما يهديه ربه الى النصر. حتى هو لن يعلم أنه المهدي إلا ساعتها. الصدام وحده هو الذى سيفرز هذا الرجل وليست الدعاوى والأحلام والأماني الوردية. ودون هذا اليوم أهوال. ولا نعلم أنعيش لنراه .. أم أنه لن يأتي فى زماننا ؟؟ ولكن أحداث التاريخ ترتب لظهوره. والمسرح السياسى يُعد لمصادمات كبرى. وأرجو أن نعى جيدا التحذير الذي جاءنا فى القر آن فى سورة الممتحنة. ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون اليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق (1- الممتحنة). إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون (2 - الممتحنة). ويتكرر التحذير فى ختام السورة. ياأيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور (13-الممتحنه). والكلام عن اليهود وعن بنى إسرائيل وينسحب على جميع مسميات التطبيع. يقول ربنا ان أي ثقة فى هؤلاء الناس هي ثقة في غير محلها. وأي موالاة هى كارثة وأي حلف هو نكبة. والله هو الذي خلقهم .. وهو أعلم بهم. والله يقول الحق وهو لا يخاف أحدا وليس مثلنا بحاجة إلى المداراة والدبلوماسية والبحث عن مبرر. وعلى قياداتنا أن تعي هذا الكلام فهو كلام رب العالمين الذي بيده مصائر الأمم والذي يعلم بداياتها ونهاياتها والذي بيده مقاليد كل حي فهو المبدىء والمعيد بكلمة وهو مالك يوم الدين ومالك عمارة الكون على اتساعها وخالق الزمان والمكان والأبد. والذى يسألني عن .. متى .. متى يأتي نصر الله .. متى يكون ذلك اليوم .. أقول له. حينما يريد الله سوف يهيىء الظروف وسوف يخلق الأسباب والمسببات و سوف يلهم العقول والقيادات وسوف يمكن لمن يريد فيما يريد. ولا يبدو هذا اليوم في الأفق المنظور القريب فأمريكا فى السماء وأبناء صهيون فى حجرها والعرب فى الحضيض وفلسطين فى حضيض الحضيض .. ومسلمو العالم تحت القهر. واذا خرج علينا الآن من يدعي أنه المهدى المنتظر فنهايته المحتملة ستكون فى مستشفى الأمراض العقلية .. فالفجر له لوائح .. ولم تظهر لوائح الفجر بعد. ولكنا نعيش على أرض تدور .. ولا شيء يبقى على حاله .. الأقوياء لا تدوم لهم القوة والأغنياء لا يدوم لهم الغنى .. ولا أمان لأحد فى هذه الدنيا. وأين الفرس والروم والأمم التي كانت لا تغيب عنها الشمس. إن كأس الموت الدوار لا يعفي أمة ولا يعفي فردا. واسم الله الرافع الخافض سيظل يرفع ويخفض كل الرؤوس وكل الهامات .. والتغير هو الناموس الوحيد الذي له الدوام. (ولا تستعجل) لهم .. هكذا نقول دائما كما علمنا ربنا .. فنهايتهم فى الطريق. (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا الا ساعة من نهار بلاغ فهل يُهلك الا القوم الفاسقون) (35-الأحقاف) وقل اعملوا .. اعملوا .. اعملوا .. كلمة وحيده لكن فيها مفتاح كل الأبواب. والعمل هنا يعني معاني عديدة .. فهو يعني العمل السياسي بإقامة جبهة عربية واحدة يتوحد فيها الكيان العربي الممزق في وحدة عضوية تقتضيها المصلحة العاجلة والأخطار المحدقة بالكل .. ويعني العمل الاقتصادي بالتنمية الشاملة والتصنيع المتطور .. ويعنى النهوض بالعسكرية العربية وكسر احتكار السلاح وتنويع مصادره .. وبالذات سلاح الصواريخ وكافة أنواع اسلحة الرمي من بعد .. باعتباره سلاح المستقبل رقم واحد .. ويعني أيضا .. عودة الروح .. لتنبض فى كل مناحي الحياة .. الروح بمعنى العقيدة واليقين فى النصر والتفاؤل والشجاعة والحماس البناء والايمان بالله والثقة فى النفس .. وكل هذا سوف يحتاج الى إعلام مختلف وخطاب شبابي مختلف ودعوة دينية مختلفة تخلو من الاستسلام والتواكل وتبث الهمة والأمل فى الأجيال الجديدة. وكل هذا لا يمكن أن يتم في يوم وليلة وإنما سوف يحتاج الى مساحة زمنية .. ربما عشر سنوات أو أكثر .. شريطة أن تتغلب الحكومات الموجودة على أزمة الثقة الموجودة بينها وبين الإسلاميين .. ويصبح الكل جبهة واحدة تناضل فى خندق واحد وترمي عدوا واحدا .. أما حالة التوجس الموجود وسوء الظن المتبادل فلن يؤدي إلا الى مزيد من (الفاقد) .. في الزمن .. وفي الهدف .. وفي النتيجة التى لن تكون الا عدة أصفار هذا إن لم تحدث النتيجة بالسالب تراجعا وانهزاما وضياعا للمال والأرواح والأرض والمستقبل. ويخطىء حكامنا اذا تصوروا أن إسرائيل ولدت لتكتفي بالرقعة المحدودة التى تقف عليها .. وأنها لا هدف لها سوى السلام ومهادنة جيرانها .. كذب ساسة اسرائيل فى هذا وكذبت كل تصريحاتهم .. فما ولدت إسرائيل إلا لتغزو وتغزو وتغزو ما حولها وتوسع من رقعة الأرض التي تملكها وتضاعف من المستوطنات التى تبنيها وتسيطر على الشرق الأوسط وعلى موارده وثرواته. والعرب لا وجود لهم فى قاموسها الا بصفة كونهم أسواقا لمنتجاتها وخداما لمشاريعها وعملاء لمخططاتها وتابعين لأوامرها .. وقد أتخذت أمريكا حليفا قويا ليعينها على هذه الأهداف. إنهم أعداء يا سادة .. بكل معاني العداوة. والله هو الذي يتكلم حينما يقول جل من قائل. (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق) (الممتحنه 2) (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخره كما يئس الكفار من أصحاب القبور) (الممتحنه 13) والله هو الذى خلقهم وهو الذى يعلم سرهم ونجواهم .. وحينما يقول .. هم أعداؤكم .. فإن قوله الحق .. فهذا تاريخهم يدل عليهم .. وهذا سجلهم يحكي عنهم .. من مبتدأ وعد بلفور المشئوم إلى هجراتهم العداونية إلى فلسطين إلى سلسلة المذابح الوحشية التى بدأت بمذبحة دير ياسين الى حرب 1948 وحرب 1956 وحرب 1967 وحرب 1973 ومذبحة قانا الوحشية فى لبنان. ومن فجًّر الحرب الأهلية فى لبنان ؟؟ .. ومن أجج سعيرها وأشعل أوارها بين نصارى لبنان وبين مسلميها ومن كان يوقد على نيرانها كلما خبت .. إنها إسرائيل وجواسيسها وعملاؤها وموسادها ورؤوس الفتنة من أحبارها. ومن جلب الترسانة النووية والتهديد النووي الى المنطقة .. إنها إسرائيل. ومن قتل عالم الفيزياء المصري الدكتور المشد..؟ إنه الموساد الاسرائيلي. ومن قتل دكتورة الفيزياء النووية سميرة موسى..؟ إنه الموساد الاسرائيلي. ومن قتل الكونت برنادوت رسول السلام فى فلسطين؟ .. إنه الإرهاب الاسرائيلي. ومن فجر طائرة البوينج المصرية بركابها ..؟.. مجرد سؤال .. والشك طبيعي وأكثر من محتمل. إن السجل يزداد كل يوم صفحة سوداء جديدة وعلامة استفهام جديدة. وملف السوابق الإجرامية لا يؤذن بانتهاء. إنهم يتحدثون عن السلام .. هذا صحيح .. واسرائيل لا تكف عن التشدق بالسلام وحسن الجوار .. ولكن هل توقفت القنابل الاسرائيلية عن السقوط على جنوب لبنان .. إنها ما زالت تقصف الجنوب اللبنانى حتى الأمس. وهل توقف القتل العشوائي لهذا الجار الحميم .. أبدا وهل توقفت اسرائيل عن بناء المستوطنات واغتصاب المزيد من الأرض الفلسطينية كل يوم .. مطلقا. وهل توقفت عن تحديث أسلحتها ومضاعفتها؟؟! .. بالمرة. ماذا يمكن أن يكون شعور العرب وهم يرون أنهم محاطون بالتهديد من كل جانب بترسانة الرعب النووي..؟!! وما هو المطلوب بالضبط .. سلام .. أم إذعان..؟!! وكيف تخلق سيكولوجية الرعب سلاما سوى سلام الأذلاء المرعوبين. عن أي تطبيع يتحدثون ..؟!! وأي سلام يريدون. إنها جملة أكاذيب. أفيقوا يا عرب من هذا الاسترخاء المترف من قبل أن يؤذن المؤذن بنهايتكم واجتمعوا على كلمة .. ولا تلهكم دنياكم عن يوم الفصل. إنها الآخرة .. على الأبواب. والموعد أمام الله عز وجل.