كوبا وأمريكا من الحصار الاقتصادي إلى الحصار السياسي، بقلم الدكتور طلعت شاهين

ملاعب السياسة أصبحت مفتوحة على مصراعيها أمام القوة العظمى الوحيدة (الولايات المتحدة) التي تهيمن على العالم بعد غياب أو تغييب القوة الأخرى (الاتحاد السوفييتي) , التي كانت رغم كل مساوىء النظام الذي يحكمها, تمثل نوعا من توازن القوى والحماية للاعبين الصغار الذين حكم عليهم القدر ان يعيشوا بين الأقدام الثقيلة , التي تحرك كرة السياسة الدولية في هذا الملعب.كان الصغار في تلك الساحة يلهثون خلف الكرة وهم يعرفون أنه ليس أمامهم سوى اللهاث, ولا أمل لهم في تحقيق هدف ممكن في تلك المواجهة, لكن على الأقل في ظل صراع الكبيرين كان لهاث الكثير من الدول الصغرى في ملاعب السياسة الدولية يجد له ثمنا يتمثل في تمتعها بالحماية في ظل (توازن الرعب) , وبعض الدول في الزمن الماضي فهم الصراع جيدا ووعى منطقه, فحاولت أن تتجمع في تكتل يقف في المنتصف, ربما لم يحقق ما تصبو إليه, لكن تجمعها حقق لها بعض المزايا, وفي الأوضاع الراهنة لم يعد لتلك الدول سوى ان تقف موقف المتفرج على اللاعب الوحيد, أو تحاول ان تنجو بنفسها من أذاه, اثناء الصراع القديم والأوضاع الراهنة كانت القوة الكبرى الوحيدة المسيطرة لاتعدم وجود لاعبين صغار على استعداد للعب (الدور القذر) مقابل أثمان زهيدة, تماما كاللاعب الرديء الذي يقبل النزول إلى أرض الملعب لتكسير الأقدام فقط, وهو ما يمكن ان يفهمه أي مراقب على أنها سنة الحياة, ان يقوم حاكم دولة في لعب دور معين لصالح الدولة الكبرى مقابل الحفاظ على مقعده, خاصة في أيام الحرب الباردة التي كان فيها الجلوس على مقعد السلطة مرهون برضاء العسكر ولعبة المخابرات. لكن من غير المفهوم أن يظل هؤلاء على استعداد لأداء الدور نفسه الآن, على الرغم من أنه لم تعد هناك مخاطر حقيقية على وجودهم على كرسي السلطة سوى بفقدهم له بعد مضي السنوات المنصوص عليها في الدساتير التي تحكم بلادهم, لكن بفضل قبول هؤلاء هذا الدور طواعية تحولت القوة الكبرى الوحيدة في العالم للعب بهم عندما يغرقها الخجل من مواجهة مشكلة مثل وجود من لا يزالون يرفضون الاعتراف بنهاية الزمن ثنائي القطبية.لأن وجود بعض المتطوعين لخدمة القوة الباطشة وتنفيذ رغباتها بمقابل أو بغير مقابل, كان له بالمقابل وجود لمن لايزالون يعيشون في زمن الحرب الباردة, ويرفضون التزحزح قيد أنملة عن أفكارهم, وربما كان الكوبي فيدل كاسترو يمثل ذلك الوجه المعروف حاليا لتلك النزعة على الساحة الدولية.بعد أن فشلت الولايات المتحدة في استخدام سياسة القوة لإخضاع كوبا الثورية, كانت حرب التجويع الموجهة ضد النظام والشعب معا, والتي كانت تطلق عليها تجاوزا اسم( الحصار الاقتصادي) , واستمرت تلك السياسة المرفوضة دوليا لما يزيد على أربعين عاما, وكانت نتيجتها خسارة الولايات المتحدة للأسواق الكوبية التي كسبتها شركات أوروبية وكندية حليفة للولايات المتحدة في كل شيء عدا في كيفية إدارة المصالح الاقتصادية الخاصة بها, لأنه في مثل هذه الحرب التي يكون المال سلاحها, فإن صاحب المال لا يرى فيها سوى حساب واحد, هو حساب الأرقام, أي حساب الربح والخسارة. بعد فشل سلاح الاقتصاد ضد كوبا لجأت الولايات المتحدة إلى الحرب في الساحة السياسية, وهنا كان عليها أن تبحث عن متطوعيها القدامى ليلعبوا الدور القذر نيابة عنها, وكانت القمة (الايبرو أمريكية) الحادية عشرة التي تضم عادة رؤساء دول أمريكا اللاتينية واسبانيا والبرتغال, والمقرر أن تعقد خلال يومي 15 و16 من نوفمبر الحالي في العاصمة الكوبية هافانا فرصة للبدء في تلك الحرب الجديدة, من خلال تخريب تلك القمة, وتعليق فشلها في عنق فيدل كاسترو. كانت تلك الحرب فرصة أيضا لعملاء الولايات المتحدة ليلعنوا طواعية أنهم على استعداد للمشاركة في تلك الحرب حتى قبل أن يصدر إليهم التكليف الرسمي من جانب القوة العظمى, فوجدناهم يعلنون واحدا بعد الآخر أنهم لن يشاركوا في تلك القمة على المستوى الرسمي, وأنهم سيبعثون إليها بوزراء أو ممثلين على درجة أقل من الوزير,كنوع من تقليل أهمية النظام الكوبي عالميا, وعندما واجهتهم الانتقادات الاسبانية والبرتغالية المتحمسة لتقوية روابط ذلك التجمع, والتي تعتبر تلك المقاطعة ضد الروح التي يهدف إليها هذا التجمع, حاول المقاطعون تبرير ذلك بمبررات (طفولية) . بعض رؤساء الدول أمريكا اللاتينية المتطوعين في خدمة الولايات المتحدة كانت تبريراتهم نوعا من لعب الأطفال, منهم من قال ان بلاده ليست لها علاقات دبلوماسية على مستوى السفارات, لذلك ليس هناك ما يستدعي وجوده في بلد لا يوجد له فيها سفير,مع أن علاقاته الواقعية مع فيدل كاسترو خلال لقاءات القمة السابقة لم تكن تشيب احتمال المقاطعة في القمة الحالية, بل بعضهم كان يبدي اهتماما بفيدل كاسترو, ويبدو إلى جواره مبتسما في الصور الرسمية, بل الأكثر من ذلك هو تعمد بعضهم الوقوف إلى جوار فيدل كاسترو أثناء المؤتمرات الصحافية, أو أمام عدسات الكاميرات, لأنهم يعلمون تماما أن النجم الدائم لتلك اللقاءات كان فيدل كاسترو, لما يمثله من نجومية كسبها طوال تلك السنوات لأسباب لها علاقة بمواقفه المقبولة أو حتى المرفوضة, ومن هؤلاء رئيس نيكارجوا اليميني (أرنولدو أليمان) الذي انتزع الرئاسة من الثوريين الساندينيين في حماية السلاح الأمريكي, ولايزال يمارس السلطة تحت حراسة جواسيس وعملاء المخابرات الأمريكية.بينما حاول البعض الآخر البحث عن مبرر لا علاقة له بقمة هافانا ولا بكاسترو, كما هو الحال بالنسبة للرئيس الأرجنتيني كارلوس منعم أو الرئيس التشيلي إدواردو فري. مفهوم أن يدافع الرئيس التشيلي عن دكتاتور بلاده من منطلق (العنجهية الوطنية) , أومن منطلق حرصه على عدم إغضاب جانب من القوات المسلحة في بلاده, التي تخشى أن تؤدي محاكمة وإدانة بينوتشيه في لندن ومدريد إلى فتح الباب واسعا أمام محاكمات أخرى تطال قيادات الجيش, التي تقطر أيديها بدماء الضحايا في ظل دكتاتورية الجنرال السابق. لكن غير مفهوم تبرير الرئيس الأرجنتيني كارلوس منعم الذي ربط مسألة حضوره لقمة هافانا بإطلاق سراح الدكتاتور التشيلي السابق أوجوستو بينوتشيه, وهذا التبرير يثير العديد من التساؤلات, أولها انه من المدهش أن يطلب رئيس منتخب ديمقراطيا ويعلن عن تعلقه بالمبادئ الديمقراطية إطلاق سراح دكتاتور دموي مثل بينوتشيه, لأن بينوتشيه لا يستحق دفاع أي ديمقراطي حقيقي عنه, وثانيا أن أي مسئول أرجنتيني قبل أن يطلب سراح بينوتشيه عليه أن يطالب بمحاكمته, لأنه العدو الحقيقي للأرجنتين, ولولا خيانته للمواثيق الموقعة بين الأرجنتين والتشيلي, وبشكل خاص اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بينهما, ما كان يمكن للجيش البريطاني الانتصار على الجيش الأرجنتيني في حرب الفولكلاند (المالفين), لأن منعم يقف الموقف نفسه الذي تقفه العدوة اللدود للأرجنتين مارجريت تاتشر, فكيف يلتقي العدو والعدو في هذه المسألة, ثم ان الرئيس منعم لم يعد الرئيس الفعلي لبلاده بعد هزيمة حزبه في الانتخابات الأخيرة, ووجوده مؤقت لأنه من المقرر أن يغادر قصر الرئاسة في العاشر من ديسمبر المقبل, فكان الأجدى به أن يخفي عمالته للولايات المتحدة لأنه في القريب العاجل لن يكون سوى (عميل سابق) . يبدو أن جولة المعركة السياسية بين الولايات المتحدة وكوبا ستكون هزيمة ساحقة للولايات المتحدة تماما كالهزيمة العسكرية في (عملية خليج الخنازير) , أو في حرب (الحصار الاقتصادي) , وسبب الهزيمة ليست القوة التي يتمتع بها فيدل كاسترو ونظامه, بقدر ما أنها تأتي نتيجة (العنجهية) التي يتعامل بها ساسة البيت الأبيض مع المشكلة الكوبية, فقد بدأت الولايات المتحدة هذه المعركة الجديدة بوضع سلاح خطير في يد فيدل كاسترو, بإعلانها قبل القمة بأسابيع قليلة عن نيتها تنفيذ قانونها الخاص بمعاقبة الشركات التي تتعامل مع النظام الكوبي, دون أن تدري أن اسبانيا راعية التجمع (الايبروأمريكي) تعتبر المعنية بتلك العقوبات, لأن شركاتها تمثل الجانب الأكبر المستهدف بالتهديد الأمريكي, وهو ما لم تغفره اسبانيا للولايات المتحدة التي بدأت باستعداء الاتحاد الأوروبي لتنفيذ عقوبات مشابهة على الشركات الأمريكية, مما جعل انتصار فيدل كاسترو على القوة الدولية الكبرى مسألة مؤكدة. * كاتب مصري مقيم في اسبانيا ..

طباعة Email
تعليقات

تعليقات