لسنا من عشاق أعشاش الزنابير, لأننا نكره الزوابع.. ولا من جاحدي الوطن لأنه الحائط الأخير.. ولسنا من كارهي النعم لأننا في أشد الحاجة لها. كل ما في الأمر أنه آن الأوان لنخلع قفازاتنا لكي نتحسس الواقع بنتوءاته المخاتلة.. وان نتشمم رائحته الحقيقية ولو أزكمت أنوفنا.. فالنشادر بنفاذيته خير علاج للإغماء . أحمد زويل دكتور مصري فاز بجائزة نوبل للكيمياء.. فقامت الدنيا العربية, خاصة المصرية, ولم تقعد. عشرات من التقارير والتحليلات الصاخبة عن الارض المصرية التي أنجبت عالم القرن, والذي وضع نهاية للقياس الزمني لحركة الجزيئات. ولقد وصلت درجة اللهفة الاعلامية, (لتمصير) انجاز نوبل, الى حد الانتباه الحاد الى الفرق الخطير بين عبارة (عالم مصري يحمل الجنسية الامريكية) وبين عبارة (عالم أمريكي مصري المولد) .. وهو فرق كبير بالطبع, شحذت له الآلة الاعلامية العربية كل هممها لتثبيت مصرية الرجل.. وهي حقيقة ساطعة وأكيدة ولا جدال في ذلك. ورغم ذلك تنافس الجميع لتكريم أحمد زويل.. فكل مكان تلقى فيه الرجل حرفا يستعد لتكريمه.. وكل جامعة درس فيها احمد زويل ولو لعدة شهور تستعد لتكريمه.. وكل بلد وطئتها قدم صاحب نوبل تستعد لتكريمه. خلل بيئي لكن ما علاقة كل هذا بالسبب الفعلي لجائزة نوبل؟ فلا الجامعات المصرية, ولا البلاد ولا العباد ولا الوطن العربي بأسره له دور في فوز احمد زويل. كل ما هناك حنين جارف لانتزاع أي فرحة في ظل الاحباطات والهزائم التي نخرت تفاصيلنا. ظهر ذلك جليا في العديد من الجرائد العربية اليومية حيث لا هم لها الا سيرة احمد زويل وجائزته, وهو بلا شك يستحق ذلك وأكثر, لكن لا يجوز ان نجر ابداعه العلمي الى حظيرتنا العقيمة, وأجوائنا القاحلة, وامكانياتنا المجدبة. لا يجوز ان ندعي ان نوبل زويل صناعة مصرية عربية, لنبتلع بذلك قرصا مخدرا عند احتساء واقعنا الاكاديمي وتجلياته الرثة. والحقيقة ان هناك كاتبا عربيا قد استفزني كثيرا حين كان يدافع عن التكوين العلمي العربي لأحمد زويل, وذلك في سياق تأكيده على دور التعليم المصري في فوز زويل. لقد قال الكاتب ان احمد زويل تلقى تعليمه في مصر من الابتدائية وحتى درجة الماجستير, وبذلك يكون قد حصل على كل شروط التأهل لنوبل قبل السفر الى امريكا.. يا سبحان الله, فاذا كان الامر كذلك فلماذا لم يفز آلاف الجامعيين ممن يحملون درجة الماجستير بجائزة نوبل؟ بل لماذا لم يفز الآلاف من حاملي الدكتوراه بأي جائزة عالمية؟ اذن المسألة ليست لها علاقة بالمرة بالدراسة الجامعية, بل بأجواء البحث والاكتشاف ومواصفات الأمكنة, والقبة العلمية التي تحنو بظلالها على كل صاحب فكر بكافة أنواعه. التهليل لأحمد زويل ومن شابهه من أصحاب النجاحات العلمية والنشاطات الفكرية, ينطلق دائما من المناطق الرخوة من سياق المسئولية ومدى ارتباطنا بالقرابة العلمية والنسب الفكري. فحين ترك الدكتور فاروق الباز وطنه بسبب الأجواء البحثية الملوثة والمعيقة لحركة العقل, ظلت حكايته طي الكتمان والتجاهل, وما ان لمع اسمه في الخارج كعالم فضاء حتى بدأنا فتح دفاتره العربية والمصرية. وما حدث للدكتور أحمد شفيق لا يخفى على أحد, فلقد كان الدكتور شفيق قطع شوطا كبيرا في ابحاثه عن علاج مرض الايدز, وبينما كان منكبا في خشوع العابد, على اشتغالاته المضنية, اتهم بعدم حصوله على ترخيص من نقابة الاطباء!! فحمل اتهامه ومختبره وغضبه الى أدغال افريقيا حتى يستكمل أبحاثه في هدوء, بعيدا عن اشارات الحقد والاجهاض. وهنا أسأل: ماذا لو حصل الدكتور شفيق الآن على جائزة عالمية؟ بالطبع الكل يعلم بالاجراءات الاعلامية المنتظرة بباب النسب والانتساب. أوردنا المثالين المذكورين آنفاً كدليل على عدم سوية الجو العلمي في عالمنا العربي. يوجد مثال آخر على استفحال الاستهتار بأمن العلم والعلماء, نقصد بذلك ابن الفنان الكبير السيد بدير, وهو دكتور عاد من ألمانيا حاملاً نباهته العلمية في قدرته على تفسير ذبذبات الاثير والاتصالات اللاسلكية, لا سيما لو كانت محملة بشيفرات ارسالية, وهو كشف خطير يمكن استخدامه في الحروب وعالم الجاسوسية. لكنه جاء ليلقى حتفه في ظروف غامضة عندما هوى من شرفة منزله. ولقد اثبتت التحقيقات ساعتئذ ان الدكتور قد ارسل اكثر من رسالة واشارة للسلطات المسئولة, يطلب منها حمايته من الاغراءات التي تحولت الى تهديدات, ورغم ذلك لم يعر طلبه أي اهتمام حتى وقعت الواقعة بدم بارد. الأمثلة كثيرة والنماذج لا حصر لها في عالمنا العربي على مدى التردي الحاصل في التعامل مع كل امكانية, وفي عدم القدرة على تحفيز المواهب العلمية والفكرية واستقطاب نشاطها لبيئة علمية صحيحة. وقفة ضرورية والآن ليسمح لي القارئ ان أورد بعض النقاط التي نزعم انها على علاقة عضوية بما نطرحه عن أحمد زويل وجائزة نوبل وأصدائها. أولا: هل تصلح مقولة النسب والانتساب للتطبيق على جائزة نوبل التي حصل عليها استاذنا نجيب محفوظ؟ فاذا كنا قد تحفظنا على دور البيئة العلمية والتعليم العربي في جائزة زويل, فليس في استطاعتنا ممارسة ذلك على نوبل نجيب محفوظ, ذلك أنه قد استقى كل ابداعاته من البيئة المصرية الخالصة, وبالتالي فهو مدين بجائزته للشخصية المصرية بكل ثرائها وتعدد أبعادها, لكن في نفس الوقت لا ننكر مديونية الشخصية المصرية لالتقاطات نجيب محفوظ والتماعاته في كشف قوانين التكوين والحركة والتدين والتفكير للشعب المصري. لذلك نستعيذ بالله من أي تعميم أو خلط او التباس بين نوبل زويل ونوبل محفوظ.. أو اي نوبل اخرى. ثانيا: لا يوجد على وجه الارض شعب في مقدرته ان يدعي ذكاءه الوراثي. فالعلوم الانسانية بكل ما فيها من نظريات ومقولات لم تثبت حتى الآن ان الذكاء بأنواعه من الممكن ان يتوارث من جيل الى جيل لشعب واحد, والدليل على ذلك ان اليونان التي انجبت ارسطو وسقراط وافلاطون لم تسجل في التاريخ الحديث أي خوارق فلسفية كالتي عرفناها على أيدي فلاسفتها في الماضي. لكن الفارق الوحيد بين شعب وشعب هو حركة المبادرات في الفكر والثقافة والعلم, وهي مسألة مرتبطة حصرا بمدى عمق المبادرة وفائدتها على الجميع, مع ملاحظة ان الماضي الذي يحمل مبادرات تاريخية لا نعول عليه, مادام لم يخدم الحاضر او المستقبل بدرجة أو بأخرى. ولنأخذ مثالا على ذلك: فاذا قارنا بين دولة مثل قطر وبعض الدول التي تملك حضارة عتيدة وتاريخا يضرب بجذوره في زمن البدايات لكان نصيبها (اي قطر) قليلا جدا في حسبة المقارنة, ورغم ذلك رأيناها قد أطلقت مبادرة تعريف الاسلام عن طريق الانترنت لكافة شعوب الارض ممن يتعاملون مع الانترنت, وهي فكرة ذكية تحمل كل ملامح الحضارة بأصالتها وحداثتها, لأنها ستوفر على الحناجر انشراخها, والأقلام تعبها, في تقديم أهم مكون حضاري بشكله الحقيقي وجدارته الانسانية. نقول هذا الكلام حتى لا يتمادى البعض في الصاق نوبل احمد زويل بأسباب ومعطيات ابعد ما تكون عن الواقع والحقيقة والضرورة. فالعقل يصنعه قانون واحد هو التحدي والاستجابة وصقل المعطيات واستنفار الامكانيات. ثالثا: هذه النقطة مرتبطة ـ تحديدا ـ بالحالة النفسية للفائز ومدى علاقة سلوكه بالفوز الكبير. فمن المعروف ان أي انسان يفوز بجائزة من وزن نوبل تعتريه حالة من شفافية الروح وطلاقة التواضع وحب الحياة, وهي صفات لصيقة دائما بالعلماء. لذلك نرى ان احمد زويل التهمته الفرحة واعترمته البهجة لدرجة انه على استعداد ان يقول (لذبابة يا سيدتي) على حد تعبير الشاعر الفرنسي رينيه شار, وهو شعور طبيعي بالفرحة الكبرى. لكن نود ان ننبه الى ان هذا الشعور من الممكن ان تصاحبه تصريحات (وطنية) لا ولم ولن تخرج عن اطار المجاملة وأخلاقيات ابن البلد!! رابعا: نعرف ان كلامنا هذا ربما يشفي غليل الروح (القبلية) التي تسود سماوات الوطن العربي.. ونعرف انه ربما يغضب اصحاب (الانتماء السياحي) او الرومانسي.. لكن عزاءنا الوحيد هو ان الاقتراب من الحقيقة قبلتنا, وان السياسة قد اطلقت نارها منذ زمن على الروح العروبية من المحيط الى الخليج.. وبالتالي فان كلامنا من عدمه لن يغير من وضع واقع لا محالة. هل نعتبر؟ ان فوز العالم المصري أحمد زويل بجائزة نوبل في الكيمياء يجب ان يكون بمثابة النافذة التي نطل منها على الخراب العلمي والارتخاء البحثي. فلو أحصينا عدد الملاهي وأماكن اللهو في عالمنا العربي لفاقت عدد أماكن البحث العلمي بعشرات المرات, بل لو نظرنا الى الميزانيات المرصودة لاتحادات الرياضات العربية مقارنة بالمخصص للنشاط العلمي لصعقنا بالفرق. حان الوقت ان نتوقف عن التشدق بماض زاخر بالانجازات دون ان تلفح شمسه وجه الحاضر, وعن التغني بحاضر لم نصنعه او نساهم فيه, وفي الحالتين لا يبرح الحاضر العقيم مكانه. مناسبة نوبل زويل يجب استثمارها بجدية وهمة كبيرة في فتح ملفات الخريطة العلمية للعالم العربي, حيث الشهادات المزورة, ورسائل الدكتوراه التي تمنح بالتليفون أو في غرف النوم, وسرقة الابحاث والجهد والتعب من باحثين قليلي الحيلة.. الخ دعوة قلبية لتوفير كل المعدات والمعامل والاجواء والضمير الوطني العلمي, لشباب لا يملكون فرصة الذهاب الى الخارج لطبخ افكارهم على نار هادئة. لدينا الكثير من الوسائل والامكانات, ولا ينقصنا الا صحوة الغايات ومصداقيتها, ومعنى تربية الاوطان. وأخيراً, لست أدري لماذا تذكرت قول فيلسوف الصين كونفوشيوس حين قال: أخاف من الفرح ان ينسيني موعدي مع التأمل. * كاتب مصري