لم تكن موريتانيا مضطرة لاقامة علاقات دبلوماسية على مستوى السفراء مع اسرائيل, حتى الروايات القائلة بأن الحكومة الموريتانية ارادت من خلال هذه الخطوة تحسين علاقاتها مع الادارة الامريكية بعدما ساءت علاقاتها مع فرنسا قبل بضع شهور, هي على الارجح روايات من قبيل الاجتهاد او ذر الرماد في العيون , لان موريتانيا في حسابات المصالح الفرنسية ليست في وضع يؤهلها للتمرد سياسيا ودبلوماسيا على فرنسا, فالكل يعلم مدى قوة الحضور الفرنسي في جميع اوجه الحياة القاسية في موريتانيا كما ان الولايات المتحدة لن تدخل في صراع مع فرنسا من اجل اجتذاب موريتانيا الى فلك المطبعين مع اسرائيل. الصراع بين واشنطن وباريس قد ينشب حول استقطاب القارة الافريقية السمراء ولكن ليس من اجل موريتانيا التي تعتمد على (الكسكسي المصنوع في فرنسا لاطعام شعبها) . حقيقة فوجىء اغلبية الناس البسطاء في عالمنا العربي بإعلان موريتانيا رسميا يوم الثلاثاء الموافق 26/10/1999 على لسان وزير خارجيتها احمد ولد سيد احمد عن تبادل السفراء مع اسرائيل, وجاء السؤال الذي رددته ألسنة البسطاء لماذا موريتانيا؟ ولماذا الآن؟ وتصاعد وطيس الاسئلة حينما استدعت مادلين اولبرايت وزير الخارجية الاسرائيلي ديفيد ليفي الى واشنطن لتوقيع اتفاق لتبادل السفراء مع اسرائيل مع ان الوزير ليفي لم تكن في نيته السفر الى واشنطن غير أنه قبل الدعوة حينما علم أن وزير الخارجية الموريتاني قد سبقه الى هناك. الجزية الامريكية: لقد خرجت موريتانيا عن الاجماع العربي ولم تكن مضطرة لذلك على الإطلاق, وخالفت مقررات الجامعة العربية وميثاقها من أجل إرضاء باراك وأولبرايت, ولكنها على ما يبدو ارادت دفع الجزية لامريكا قبل موعد الاستحقاق. لا أحد ينكر دعم موريتانيا للقضية الفلسطينية فهي الدولة الواقعة في اقصى اقاصي الوطن العربي وعلى ضفاف المحيط الاطلسي استضافت عددا من المقاتلين الفلسطينيين الذي شردوا من بيروت بقرار امريكي ـ اسرائىلي ظالم ورغم مواردها الفقيرة الا انها انفقت عليهم وأتاحت لابنائهم وعائلاتهم حرية الحركة, كما زودت بعض كوادر منظمة التحرير الفلسطينية ودبلوماسييها بجوازات سفر موريتانية بعد خوجهم من بيروت, ولم يكن ذلك منّة من موريتانيا, ويقال انها فعلت ذلك بتعليمات خارجية وتوظيف بعض من أموال منظمة التحرير الفلسطينية في موريتانيا, وبما أن الحديث قد يطول حول هذه العلاقة التي يعلم خفاياها السفير الفلسطيني في نواكشوط صبري صيدم اكثر من غيره, الا اننا نستغرب مثل باقي ملايين البسطاء في عالمنا العربي عن اسباب هذا التسرع الموريتاني المفاجىء!! فموريتانيا ليست في مواجهة مع اسرائيل وتبعد عنها جغرافيا عشرات الالاف من الاميال, ولم تمتد اليها ذيول آثار الصراع العربي ـ الاسرائىلي, كما أنها ليست طرفا في لعبة التوازنات والمصالح الاقليمية والسياسية كما انها بعيدة عن التحالفات الاقليمية التي ترسم مجرى العلاقات المستقبلية مع اسرائىل ولاتواجه موريتانيا مشكلة تكنولوجيا حتى تقوم باستيراد التكنولوجيا المتطورة من اسرائىل وليست لديها مشكلة دفاعية حتى تعتمد على الاسلحة الاسرائىلية, كما انها ليست دولة مصدرة للسلع الاساسية حتى تقوم بهذه الخطوة بحثا عن اسواق بديلة, كما ان اعتماد موريتانيا الاساسي مازال على الدول العربية والصين وفرنسا سواء في الحصول على المساعدات او القروض او تصريف الانتاج او الايدي العاملة! ولانجد لذلك سوى تفسيرا واحدا هو ان الحكومة الموريتانية ارادت استباق الاخرين خوفا من ان يفوتها قطار التطبيع مع اسرائىل, وطمعا في الحصول على قروض ومساعدات امريكية واسرائىلية تعوضها عن الدعم العربي الذي قد يأتي او لايأتي! ولذلك لا نتوقع ان تحصل موريتانيا على أية نتائج هامة, وربما لن تحصد الثمار الموجودة لخطوتها المفاجئة, بل ربما تدفع ثمنا باهظا هو غضب الشارع الموريتاني والعربي, فالناس في موريتانيا ودول عربية كثيرة ذهلوا لقرار نواكشوط ورأوا فيه مكافأة للحكومة الاسرائيلية وتشجيعا رسميا لسياسة الاستيطان الصهيوني في فلسطين وتهويد القدس والخليل وبيت لحم ومواصلة احتلال الجولان وجنوب لبنان. كما ان الناس لا يلومون واشنطن التي تمارس الضغوط على الدول العربية منذ مؤتمر مدريد للسلام عام 1992 لحثها على التطبيع مع اسرائيل, بل يلومون دولة مثل موريتانيا لخروجها على قاعدة الاجماع العربي في وقت يبحث فيه باراك عن نقطة ضوء يداري بها عدوانه المتكرر على الأرض والمقدسات الاسلامية في فلسطين, ويقول للعالم انه بدأ يجني ثمار سياساته الواقعية بتبادل السفراء مع الدول العربية, في حين انه يمارس أبشع سياسات العنصرية والتطرف والتهويد على الأرض ويرفض كافة قرارات الشرعية الدولية ويمارس الاذلال على المفاوض الفلسطيني. ذيول الخيبة أفضل ما يمكن ان يقال عن وزير الاعلام الموريتاني هو المثل العربي (جاء يكحلها عماها) فهذا الوزير اجرى مقابلة مع محطة (ام.بي.سي) يوم الخميس 28 اكتوبر 1999 الماضي وقال حرفيا: (لماذا يستغربون ان تقيم موريتانيا علاقات دبلوماسية مع اسرائيل, فهناك دول تجري اتصالات لاقامة علاقات معها) !! هذا الكلام يؤكد ان وزير الإعلام الموريتاني بعيد عن عالمه العربي ليس جغرافيا فقط, بل سياسيا أيضا, لأن الدول التي ذكرها الوزير ملتزمة بقاعدة الاجماع العربي وبقاعدة الاجماع الاسلامي والتي تنص على عدم اقامة علاقات دبلوماسية مع اسرائيل ما لم تعيد كافة الحقوق المغتصبة الى أصحابها الشرعيين وما لم تعمل على احلال السلام الشامل والعادل في الشرق الأوسط بناء عل مبدأ الأرض مقابل السلام وقرارات مؤتمر مدريد وقراري مجلس الأمن 242 و,338 حتى بعض الدول العربية التي أقامت مكاتب اتصال مع اسرائيل قررت ذلك في ضوء ما حققته عملية السلام من تقدم في عهد رابين وبيريز عام 1995, الا انها سرعان ما جمدت العلاقات في عهد نتانياهو للتأكيد على ان التطبيع ما هو الا نتاج لعملية السلام الشامل والعادل وليس مكافأة للتوسع والعدوان ومواصلة الاستيطان, ولذلك نقول.. ماذا تستفيد موريتانيا لو كسبت ود أمريكا واسرائيل وخسرت العالم العربي؟ وهل يمكن للمحتل للأرض العربية ان يعوضها عن عمق انتمائها للأرض العربية والهوية العربية التي تتغنى بها موريتانيا.. أرض المليون شاعر؟!