بينما الشعب الجزائري في عجلة من أمره, يترقب استثمار الرئيس بوتفليقة للتفويض الذي تحقق له بموجب الاستفتاء على قانون (الوئام الوطني) بنسبة فاقت كل التوقعات, كي يشرع في اتخاذ القرارات المصيرية لتطبيع الحياة السياسية, واجتثاث مظاهر الفساد من الجذور, ومعالجة الاختلالات الدستورية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية , إلا أنه مازال يتوخى الحذر, عاكفاً على دراسة ملفات التركة المثقلة بالمشكلات والتحديات, إيذانا ببلورة مرجعية فكرية موحدة تستوعب رؤى ومواقف كافة الأحزاب والفعاليات السياسية والثقافية والعقائدية, تجد التناقض العبثي بين العلمانية والإسلام, ضمانة لعدم تكرار المأساة التي اكتوى بنارها المجتمع خلال الحقبة الماضية, ومن هنا حرصه على تأكيد انفتاحه على كلا التيارين معا دون انحياز لأي منهما على حساب الآخر خلال خطابه التاريخي أمام مجلس القضاء الأعلى. على أن دعوة بوتفليقة لانتهاج الاعتدال والوسطية, يستحيل أن تتحقق على صعيد الواقع والممارسات بين يوم وليلة أو شهور, وذلك أن جبهة الإنقاذ الوطني لاتزال تعاني عقدة الاضطهاد السياسي إثر إلغاء نتيجة الانتخابات النيابية قبل إعلانها, بزعم أنها كانت تؤكد فوزها الساحق, ومن ثم اعتمدت الانتقام عبر أسلوب الإرهاب والاغتيال والتدمير, وبشكل عشوائي طال السلطة والمثقفين العلمانيين والأبرياء من الشعب, الأمر الذي تولد عنه في المقابل روح الثأر لدى تلك الفئات المنكوبة التي ترفض المصالحة الوطنية مع كل من تلوثت يداه بدماء جزائرية, وقد فاقم من حدة المشكلة اتهام المؤسسة العسكرية بالضلوع في الفساد السياسي عبر ممارسة ضغوطها لإلغاء نتيجة الانتخابات من جهة, واضطلاعها بمسئوليتها في الحفاظ على الأمن القومي عبر التصدي للإرهاب! ومما لا شك فيه أن خطة بوتفليقة لإطفاء حريق الفتنة, قد نجحت إلى حد كبير في تلطيف الأجواء الملتهبة, حين انتزع من الشعب وخاصة الفئات المتربصة بالانتقام من جيش الإنقاذ الإسلامي وما تفرع عنه من جيوب وجماعات شاردة, موافقته بالإجماع على مشروع المصالحة الوطنية, عبر تصويتها لصالح قانون الوئام الوطني, الذي منحه شرعية إصدار العفو الشامل عن المغرر بهم من جماعات الإرهاب الأصولي, وقناعتهم تباعا بتسليم أنفسهم وما في حوزتهم من أسلحة ومتفجرات إلى سلطة الأمن. لكن يظل قانون الوئام الوطني وحده عاجزا عن تحقيق المصالحة الوطنية الناجزة, في ضوء استمرار القلة أو الغالبية لا أحد يدري من الجماعات الأصولية التي تواصل عملياتها الإرهابية بين حين وآخر, تحت مسميات وشعارات قديمة ومستحدثة, وتستمد بعضها أو معظمها الدعم السياسي والمادي المشبوه من قوى وجهات معادية للسلم والوئام الوطني في الداخل والخارج, ومن هنا باتت يجمع قوى وأحزاب المعارضة والتحالف الحاكم وفي طليعته حركة مجتمع السلم (حماس بزعامة) الشيخ محفوظ نحناح على ضرورة اعتماد الرئيس بوتفليقة عدداً من القرارات الشجاعة التي تؤمن مسيرة الديمقراطية الشاملة والمستدامة دون تباطؤ: الإعلان فو را عن إلغاء حالة الطوارئ, وإطلاق سراح المعتقلين والمساجين السياسيين وتكريس الحريات, وعدم إقصاء أحد عن المشاركة السياسية. ابتكار آليات خلاقة للتعايش والائتلاف والاعتراف بحق الاختلاف بين كافة القوى السياسية على تباين توجهها مع الالتزام بثوابت الشعب واحترام مقدساته, وفي مقدمتها الإسلام ولغته العربية التي تمثل هوية الأمة. إجراء انتخابات نيابية ومحلية وتأسيس منصب نائب رئيس الجمهورية. أن يكف الرئيس بوتفليقة عن الشكوى ويشرع فورا بمعاجلة ملحقات الأزمة وفي أولوياتها الوضع الاقتصادي والإداري المتدني, لتشجيع فرص الاستثمار والتنمية وضبط ميزانية الإيرادات والمصروفات, كمقدمة لإيجاد فرص العمل وحل مشكلة البطالة والاختلالات الاجتماعية. تسريع وتيرة تشكيل الحكومة الجديدة, تعتمد الكفاءة وقادرة على تحمل الأعباء والوفاء بالمسئولية, وعنوانا لطهارة الذمة وشفافية الأداء, وتنبذ الفساد والمحسوبية ولا تتعالى على المواطنين, وتطمئنهم على بناء المستقبل الأفضل عبر صيغ وقرارات تنفيذية تحقق الاستقرار والعدل والمساواة. لكن يظل الخلاف بين طرفي المعادلة السياسية والسلطة حول أولويات الخيارات المطروحة ومدى قدرة الرئيس بوتفليقة على المناورة واتخاذ القرارات الملائمة لوضعها في حيز التنفيذ, والوفاء بالوعود التي قطعها على نفسه في انتخابات الرئاسة حتى شهر يناير عام ,2000 وإلا تنحى عن منصبه حسبما هدد مؤخرا في خطاب المعرض الاقتصادي بالعاصمة الجزائرية, ثم عدل عن تهديده في خطابه أمام المجلس الأعلى للقضاء وأعلن استمراره في السلطة إلى حين استكمال فترة ولايته, مما يشير حسب تقدير المراقبين إلى قناعته بتوافر الظروف الموضوعية التي تمكنه من حسم المشكلات التي تعترض تنفيذ وعوده, وكذا مطالب طرفي المعادلة السياسية في إحداث نقلة نوعية تتجاوز تنديده بالفساد ومعوقات التغيير المطلوب, إلى اتخاذ القرارات المصيرية المضادة, صحيح أن موجة الإرهاب تقلصت إلى حد كبير, لكن لاتزال فلول الجيش الإسلامي للإنقاذ ترفض شروطها للسلام والوئام الوطني, ولايزال زعيمه مدني مرزوق يحرض اتباعه على الاستعداد لجولة جديدة من الإرهاب, والصحيح كذلك أن بوتفليقة تمكن إلى حد ما من إلزام جنرالات المؤسسة العسكرية بدورهم في الدفاع عن الوطن فحسب, دون التدخل في الشئون السياسية والجور على سلطاته الدستورية, ومنحه الفرصة لإنقاذ الوطن من محنته بعد فشلهم في النهوض بهذه المهمة خلال الحقبة الماضية, إضافة إلى نجاحه في إثارة حماس الشعب وتحشده لدعمه في معركة المواجهة مع الفساد, عندما قرر عزل 22 من حكام الولايات المفسدين.. لكن يظل المتعين على الرئيس الجزائري ليس مجرد العلاج عبر أساليب الإصلاح والترقيع, وإنما استخدام مبضع الجراح لاستئصال الأورام الخبيثة التي يعاني منها المجتمع قبل أن تطوله شخصيا؟!