مازال من الممكن ان تختتم الدورة الحالية من جلسات الكونجرس دون تعريض عملية السلام في الشرق الاوسط والسياسة الخارجية الامريكية في المنطقة لاضرار خطيرة, لكن ذلك لن يحدث طبعا دون الصدام, وتجري هذه المعركة حاليا على عدد من الجبهات , فعلى مدى الشهور القليلة الماضية حاول التحالف المعتاد بين اليمينيين من انصار اسرائيل في الكونجرس وجماعات الضغط من انصار الليكود الغاء الاموال المخصصة في السنة المالية لعام 2000 لكل من اسرائيل والسلطة الفلسطينية والاردن والتي اتفق عليها في اتفاق واي, اضافة لمحاولة فرض اجراءات جديدة تعترف بادعاءات اسرائيل بحقها في القدس كاملة, واضافة المزيد من المتطلبات على الفلسطينيين. وتحولت هذه المعركة في جزء كبير منها لصراع حزبي شرس, اذ كاد قانون المخصصات الخارجية ان يفشل هذا العام, مع تصويت 215 عضوا لصالحه و213 عضوا ضده, وكان الانقسام في التصويت وفق حدود حزبية, فالديمقراطيون ومن بينهم كل اعضاء الكونجرس اليهود من الحزب الديمقراطي وعددهم 21, صوتوا ضد القانون لانه لم يتضمن تحويل المساعدات الواردة في اتفاق واي, اما الجمهوريون فصوتوا مع قانون المساعدات الخارجية دون مخصصات واي, كما ان الجماعات الموالية لحزب الليكود التي تعمل معهم, قد جادلت ضد المساعدات الخاصة بواي وفق منطقين اثنين. يقول الجدال الاول بان الولايات المتحدة يجب ألا تضغط على اسرائيل لتقديم مزيد من التنازلات بخصوص الارض للفلسطينيين ومن هنا كانت معارضتهم لتحويل المساعدات محاولة لافشال اتفاق واي ذاته, وقالت احدى الجماعات التي عارضت القانون بان واي يجبر اسرائيل, على ارتكاب مجازفة مرعبة مقابل السلام وبالتالي وصفت المساعدات المالية الخاصة بواي بانها (سوء استخدام فاضح لاموال دافع الضرائب الامريكية) . اما الاعضاء المحافظون الآخرون في الكونجرس فقد قالوا بان المساعدة المالية ستأتي على حساب البرامج الاجتماعية المحلية, واتى احد اكثر اوجه هذا الجدل بشاعة من رئيس لجنة المخصصات الذي اسف على ما وصفه بانه (كلما اتى احدهم بعمامة على رأسه.. يقدم له الرئيس كأسا ثم يشربا الانخاب معا ليقول الرئيس دعني اعطك بعضا من المال) . كانت تلك المعركة ممتعة للمشاهدة, حيث وضعت الجمهوريين في وجه الديمقراطيين واليهود من انصار الليكود في وجه المنظمات اليهودية التي تدعم السلام معرية الشق المتزايد بين ما كان يعتبر قبل عقد من الآن تجمعا واحدا. بعد ان مر القانون من الكونجرس دون اقرار مساعدات واي, اعترض عليه الرئيس الامريكي فورا واعاده للكونجرس لاعادة النظر فيه, وفي رسالة الاعتراض على القانون قال الرئيس (من المفاجىء ان الكونجرس لم يتمكن من الوفاء بالتزاماتنا لاسرائيل وجيرانها وهم يستعدون لاتخاذ قرارات صعبة للتقدم بعملية السلام في الشرق الاوسط.. ان ذلك يرسل بأسوء رسالة ممكنة لاسرائيل والاردن والفلسطينيين عن الالتزام الامريكي بعملية السلام) . عند هذه المرحلة شعرت المجموعات الامريكية العربية ومعظم المنظمات اليهودية ذات الحظ المعتدل بالضغط المباشر لتعمل معا وتضمن اقرار المساعدة المالية. وعلى الرغم من ان المساعدات المالية المطلوبة تميل لصالح اسرائيل على نحو غير عادل, الا انها توفر 400 مليون دولار للسلطة الفلسطينية و300 مليون دولار للاردن هم بأمس الحاجة اليها. ويبدو ان من المحتمل أكثر الآن ان قانون مخصصات المساعدات الخارجية الامريكية عند رفعه للرئيس الامريكي مرة اخرى سيتضمن مخصصات اتفاق واي. في الوقت ذاته وبالتزامن مع هذه المعركة, نجح بعض اعضاء الكونجرس بفرض موضوع القدس في قانون مخصصات وزارة الخارجية الامريكية. ويطالب الشرط المفروض على هذا القانون الادارة الامريكية باقامة قنصلية في القدس الشرقية تكون تحت اشراف السفارة الامريكية في تل ابيب. ويطالب احد الشروط الاخرى بأن يشار للقدس باعتبارها (عاصمة اسرائيل) في المنشورات الرسمية الامريكية. وفي المقابل تم الغاء شرطين اخرين من القانون يطالب الاول ان تحمل جميع جوازات السفر الامريكية للافراد المولودين في القدس عبارة (القدس, اسرائيل) والآخر يوفر 50 مليون دولار للبدء في بناء سفارة امريكية في القدس. وحتى الآن من غير الواضح ما الذي سيكون عليه القرار النهائي بخصوص الشرطين المتبقيين في القانون. من جهته اعلن البيت الابيض انه يعارضهما, لكن من غير المؤكد فيما اذا كان الرئيس كلينتون سيعترض على القانون كله لاجل هذين الشرطين. على كل حال يجادل البعض بالقول انه باعتبار ان الشرط الذي يتحدث عن القنصلية في القدس ووضعها تحت اشراف السفارة في تل ابيب يذكر كلمة (في حال) وليس (يجب) من الممكن للرئيس ان يمرره ثم يتجاهله ولا ينفذه. ان القضية الاخيرة التي لا يزال من المنتظر ان تحلها المفاوضات في الكونجرس في القانون المؤقت الذي يسمح لمنظمة التحرير الفلسطينية بفتح مكتب لها في العاصمة واشنطن والحصول على تأشيرات دخول الى الولايات المتحدة لمسئوليها. يذكر ان هناك قانونا امريكيا من فترة الثمانينيات يمنع منظمة التحرير من ان يكون لها مكتب في الولايات المتحدة, وبدلا من الغاء ذلك القانون بعد اتفاق اوسلو, فان الكونجرس وعملا لصالح المنظمات اليهودية المساندة لاسرائيل اصدر قانونا مؤقتا. وباعتبار ان هذا القانون المؤقت يحتاج للمصادقة دوريا, استغلت بعض المنظمات هذه الفرصة لفرض متطلبات جديدة على منظمة التحرير الفلسطينية قبل حصولها على كل تمديد, وطوال هذا العام كان الديمقراطيون يواجهون محاولة جمهورية لفرض شرط اخر على المنظمة. ويقول الشرط الاخير بأن السلطة الفلسطينية اذا ما اعلنت قيام دولة فلسطينية من جانب واحد فان القانون المؤقت سيلغى. من الواضح بأن هذه المحاولات المعادية للفلسطينيين ستفشل وان القانون المؤقت القائم سيمدد, لكن ليس من دون مشاكل. وعلى كل حال, فان كل هذا يشير للآليات السياسية القديمة التي تتحكم بالسياسات في واشنطن حاليا اذ تتضافر تحزبية العام الانتخابي مع سياسة الشرق الاوسط, خصوصا بوجود الانقسام العميق داخل اللوبي الاسرائيلي, في زيادة وتكثيف تعقيد الصورة, ومن الواضح ان مقدرة الادارة الامريكية على المناورة وضمان دعم اضافي لاي اتفاقيات سلمية مستقبلية ستكون محدودة, على الرغم من ان معركة مساعدات واي المالية قد تكون مضمونة لصالح الادارة الآن والتي يمكن لها ايضا ان تهزم اي محاولات اخرى من قبل الكونجرس للتدخل بالدبلوماسية الامريكية. وبالتأكيد فان ذلك سيجعل من الصعب على الادارة الامريكية ان تقدم اية مساعدات جديدة كجزء من صفقة سلمية بين سوريا واسرائيل. وهذا طبعا سيعقد الى حد كبير المفاوضات المنتظرة وهو تحديدا ما يريد انصار الليكود وحلفاؤهم الجمهوريون الانعزاليون تحقيقه. والنتيجة ان المعركة على المدى القصير قد تكون الادارة فازت بها, إلا ان الحرب على المدى الطويل هي ابعد ما تكون عن الحسم. رئيس المعهد العربي الامريكي رئيس المعهد الامريكي